ماذا حمل الاسرائيليون الى موسكو.. من أفكار فيدرالية للبنان وسوريا؟


الكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية لمسيحيي لبنان: حذار “الدعسة الناقصة”

 

كتب المحرر السياسي:

 

أن يمدح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدور نظيره الأميركي باراك أوباما في التوصل الى وقف الأعمال القتالية في سوريا، فان الأمر يبرز تناغم هاتين القيادتين في محاولة رسم خارطة طريق تضع سوريا في العام 2016، على سكة التسوية السياسية.

وأن تستقبل الكويت مدير المخابرات الايرانية، في اطار مسعى كويتي مدعوم دوليا، لمحاولة فتح الأبواب بين طهران والرياض، وأن يستعد وفد حوثي لابرام اتفاق مع جماعة عبد ربه منصور هادي في العاصمة الكويتية منتصف نيسان الحالي، فان الأمر يبرز استشعار الجانبين الايراني والسعودي للمخاطر وحاجتهما المتبادلة للتوصل الى تفاهمات في الاقليم، مخافة أن يؤدي استمرار التوتر بينهما في العديد من ساحات المنطقة الى امتداد النار الى داخل كل منهما، بدليل ما حصل من أحداث في منطقة الأهواز الايرانية أو ما يجري من أحداث أمنية يومية سواء في المناطق السعودية القريبة من الحدود اليمنية أو داخل المنطقة الشرقية نفسها.

وبين هذا وذاك، بات من الصعب التمييز بين ارهاب هنا وارهاب هناك. الارهابي واحد فكرا وسلاحا وتمويلا وأهدافا. الارهابي واحد من برج البراجنة الى العاصمة البلجيكية مرورا بحي السيدة زينب في دمشق واسطنبول وباريس وبغداد.

اما مسايرة السعودية.. أو الأسد

هذا الاقرار الأوروبي غداة تفجيرات بروكسيل بأن “داعش” صارت “ظاهرة معولمة”، لم يبلغ حد الاقرار بالحقيقة المؤلمة: اما أن نستمر بمسايرة السعودية وحلفائها ويكون علينا أن ندفع الثمن هنا في أوروبا(ارهاب ولجوء) واما أن نقر بأنه لا مفر من وضع يدنا بيد النظام السوري وحلفائه من أجل مواجهة الارهاب.

وحتى يصبح هذا التوجه الأوروبي الذي يتردد في الأروقة المغلقة خيارا استراتيجيا، “أخشى ما أخشاه أن ما شهدناه في بروكسيل وقبلها في باريس “يمكن أن يتردد في أية لحظة في روما أو مدريد” كما قال مسؤول أمني لبناني كبير لمسؤولين أوروبيين مؤخرا!

الروس أنجزوا أهدافا كثيرة

في هذا السياق، تبدو روسيا واثقة أكثر من أي وقت مضى بخياراتها السورية. أحدث قرار سحب جزء من قواتها ارتياحا في غالبية العواصم الدولية والاقليمية، لكن الحضور الروسي ما قبل اسقاط “السوخوي” صار أكثر فاعلية، بدليل سقوط أحد كبار الضباط الروس في عمليات عسكرية تزامنت مع سقوط تدمر برمزيتها التاريخية وموقعها الوسطي الاستراتيجي في تأكيد متجدد على أن الانسحاب الروسي الجزئي لا يتناقض مع توزيع أدوار عسكري ـ أمني ـ سياسي(أميركي روسي) يشمل الكثير من ساحات المنطقة، وخصوصا العراق وسوريا، “ولننتظر قريبا معارك جديدة في الموصل والرقة ومفاجآت كثيرة عند خط الحدود السورية ـ العراقية” يقول مرجع لبناني ســابق.

أما الروس، فيصرون على القول ان حضورهم الميداني ما زال يتسم بالفاعلية نفسها بالتنسيق الكامل مع ايران والجيشين السوري والعراقي(غرفة عمليات بغداد) ويؤكدون أن تدخلهم العسكري في سوريا “أدى الجزء الأكبر من وظائفه”(الحفاظ على المصالح الروسية في سوريا والشرق الأوسط والعالم، منع أية محاولة لاسقاط النظام السوري، الحد من قدرة التنظيمات الارهابية وخصوصا “داعش” و”النصرة” من التمدد في الرقعة السورية، فرض وقف اطلاق النار واطلاق العملية السياسية السورية بتوافق روسي ـ أميركي، اقفال الجزء الأكبر من الحدود التركية مع سوريا، لجم الاندفاعة التركية وطي صفحة المنطقة الآمنية في الشمال السوري، بما في ذلك وقف الخروق الجوية التركية للأجواء السورية).

ماذا بعد.. عسكريا وسياسيا؟

ليس خافيا على أحد أن معركة الشريط الجغرافي الكبير الذي تحتله “داعش” حاليا بين العراق وسوريا ستحدد بنتائجها الكثير من خرائط المنطقة. ومن يعود بالذاكرة الى الوراء من ثورة 1920 في بغداد ضد الاحتلال البريطاني(أجهضت في مهدها) ومعركة ميسلون في سوريا في السنة نفسها، وصولا الى يومنا هذا، مرورا بالمعاهدة الفرنسية ـ السورية(1936) وحرب الخليج(1990) وحرب العراق(2003)، يجد أن مصير لبنان لطالما ارتبط بمصير سوريا، ومن هنا، كانت ولادات عدة من “دولة لبنان الكبير” الى “صيغة الدوحة” التي ما يزال معمولا بها حاليا.

هكذا يتبين أن الصراع على سوريا وفي أرض سوريا، يطرح أسئلة المستقبل اللبناني، حدودا وصيغة، فهل هناك من يستعد لبنانيا لتلك اللحظة؟

عجيبتا التحرير.. والانسحاب

“حصلت عجيبتان في لبنان، أولاهما، الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في العام 2000، وثانيتهما، الانسحاب السوري في العام 2005”. بهذه العبارة يقارب مسؤول فاتيكاني كبير الواقع اللبناني عموما، والمسيحي خصوصا. “كان يفترض بالمسيحيين تحديدا، إدراك معنى هذين الانجازين التاريخيين، وأن يحاولوا استثمارهما على مستوى منظومة العلاقات الداخلية ومن خلال مقاربة جديدة للعلاقة بينهم وبين سوريا التي باتت خارج لبنان للمرة الأولى بعد وصاية دامت ثلاثة عقود من الزمن.. وتثبيت اتفاقية الهدنة بين لبنان واسرائيل” يقول المسؤول الفاتيكاني.

لا يتوسع الفاتيكان في المعنى المقصود من “استثمار هذين الانجازين” داخليا، وهل ثمة تلميح مبطن الى “الصيغة”(النظام) أم مجرد نقد ذاتي لتفويت المسيحيين فرصة انجاز مصالحة وطنية لبنانية كان يمكن أن تقود تلقائيا الى مصالحة مع سوريا “ولكن للأسف، حصل عكس ذلك”.

“استبدل اللبنانيون الاستقواء باستقواء وساهم سلوك فئة لبنانية وازنة، مدعومة من الغرب، في استكمال المعركة ضد سوريا في سوريا(بعد خروج جيشها من لبنان) وصولا إلى حد الرهان على إسقاط النظام السوري كما حصل بعد اغتيال رفيق الحريري ومنذ العام 2011 حتى يومنا هذا”.

العصر الذهبي.. للمسيحيين

عود على بدء. على استمرار الرهانات وبالتالي تضييع الفرص. هذا المزاج المسيحي اللبناني بدأ يصل صداه إلى الفاتيكان، ومعه تتجدد النصيحة إلى المسيحيين “بالالتفات إلى بيتهم(المسيحي) وبلدهم، بدل الرهان على عناصر خارجية يمكن أن تأتي لمصلحتهم أو العكس ولكنها لن تحميهم، لأن الحماية كانت وستبقى لبنانية بالدرجة الأولى، وخير دليل المصير الذي يواجهه المسيحيون في المنطقة العربية من بغداد الى القدس الشرقية”.

عندما طلب لبنان تشكيل المحكمة الدولية رسميا، قبل عقد من الزمن، يقول المسؤول الفاتيكاني انه صارح بعض المسؤولين اللبنانيين قائلا لهم “سامحكم الله. أنتم لا تدرون ما تفعلون. هذه لعبة دول تهدد الاستقرار والعيش المشترك وسترتد سلبا على الوضع اللبناني عموما والمسيحي خصوصا. اقرأوا تجارب المحاكم الدولية قبلكم، وكيف تنتقص من سيادة الدول.. استقرار لبنان هو الأولوية بالنسبة للكنيسة الكاثوليكية وأية محاولة للمس بسوريا ستؤذي المسيحيين لأن مسيحيي سوريا يعيشون “العصر الذهبي” وهم أكثر استقرارا بالمقارنة مع مسيحيي لبنان وسائر المشرق”.

يقول المسؤول الفاتيكاني: في ربيع العام 2004، التقيت السفير الروسي السابق في لبنان سيرجيه بوكين(توفي منذ أكثر من سنة)، وكان قد وصل لتوه الى لبنان. أبلغني أن القرار الدولي الذي يتم التحضير لاتخاذه في مجلس الأمن سيضع لبنان على سكة خطر وجودي.. وكان سؤالي له هل يمكن للكنيسة الأرثوذكسية أن تحاول ايجاد صمامات أمان تساعد في منع انزلاق المسيحيين الى “لعبة الدول”؟

ماذا تريد اسرائيل؟

لا توجد مقاربة واحدة في سواء في الفاتيكان أو في الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا لملف مسيحيي الشرق. تجمعهما نبرة هادئة إزاء سوريا ومعها “تشجيع المسيحيين على الاندماج في بيئتهم اللبنانية ومع محيطهم العربي.. وإذا قرروا الاقتداء بالنموذج الغربي، فإنهم بذلك يعيشون حالة من الغربة.. ولذلك ننصحهم بالانفتاح على المسلمين في بلدهم وعلى جيرانهم(سوريا) صونا لهم ولبلدهم ولنموذج العيش الإسلامي المسيحي المشترك الفريد من نوعه في الشرق الأوسط”.

“على المسيحيين الاستفادة من دروس الماضي ولم يعد جائزا أن يشكلوا رأس حربة أي مشروع سواء ضد أخوانهم المسلمين اللبنانيين أو ضد سوريا. في كلتا الحالتين سيكون المسيحي هو الخاسر الأول. لذلك ننصح المسيحيين أن يكونوا جسرا للتواصل والحوار والانفتاح بدل أن يواصلوا لعبة الانحيازات لهذا الطرف أو ذاك(اسلاميا)”.

لا يعطي الفاتيكان ولا كنيسة موسكو آذانا صاغية لكل ما يثار حول تفاهم القطبين المارونيين ميشال عون وسمير جعجع رئاسيا، ولا لتبني سعد الحريري لسليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. يطلبون من مسيحيي لبنان ايجاد وصفة لبنانية انتقالية تتناسب وطبيعة المرحلة الانتقالية في المنطقة، لأن ما يمكن أن يأتي اليهم من خارج الحدود قد يخالف كل رغباتهم، فاذا بالغوا بالرهان على الفيدراليات الزاحفة، ربما تهب رياح التوحيد فجأة ولذلك صار لزاما عليهم أن يطرحوا على أنفسهم الأسئلة الصعبة من نوع هل يتمتع لبنان بحصانة تكفي للقول أنه بلد موحد ومحصن ومتماسك أم أن الذهاب الى الفيدرالية يمكن أن يكون مدخلا لانتاج وحدة لبنان على أسس جديدة؟

يقول أحد أركان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية ان أحدا من المسؤولين العرب لم يسأل القيادة الروسية عما حمله أكثر من مسؤول اسرائيلي الى موسكو من أفكار واقتراحات مثيرة للجدل تبين كلها مدى اهتمام مراكز الدراسات الاسرائيلية بقضية الفيدراليات في المنطقة، على أن تكون البداية من سوريا(انهاء فكرة الدولة المركزية القوية) ثم لبنان!.

انها دعوة كنسية الى ترقب المسار السياسي والميداني المتدحرج في سوريا، وفي الوقت نفسه دعوة الى المسيحيين اللبنانيين لعدم استعجال ما يريدونه لأنفسهم قبل أن يطرحوا السؤال الاسرائيلي للبنان وسوريا وباقي “دول الطوق”.

باختصار لبنان مجرد بلد هامشي في حسابات الدول الكبرى. قبل الأزمة السورية كان ينظر اليه من زاوية ما تمثله ضمانة “اليونيفيل” الدولية، حيث يصبح كل جندي أممي على أرض الجنوب امتدادا لأمن بلده القومي.

بعد خمس سنوات على اندلاع الأزمة السورية، لم يعد ينظر الى لبنان الا من زاوية قضية النزوح السوري وما تمثله من خطر على الأمن القومي لكل بلد من بلدان القارة الأوروبية.

الاستنتاج أن لا قلق على لبنان، لكن اية “دعسة ناقصة” من هنا أو من هناك، قد تؤدي الى مردود سلبي على من قام بها.. لذلك، الرئاسة مؤجلة، قبل انجلاء صورة المشهد السوري أولا.

(بالتعاون مع صحيفة الإعمار والإقتصاد)

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!