الصبر الأمريكي على أردوغان: من أجل أمن أوروبا


 

واشنطن – لم تعد تخلو الصحافة التركية والعالمية من الحديث عن الانتهاكات التي تقع فيها حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لكن حتى الآن تأتي الردود الأوروبية والأمريكية على هذه الإنتهاكات عبر هيئات ومنظمات جانبية لا تتصدر موقع القرار في أوروبا وأمريكا. وهذا يجعل المتابع لهذا المشهد يطرح تساؤلا ما الذي توفره تركيا للعالم الغربي حتى يستمر في هذا السكوت وهذه الإزدواجية.

والواضح أيضًا، أن التعنت الأوروبي أمام إنضمام تركيا للاتحاد الأوروبي ليس لأسباب ظاهرية مثل إسلامية تركيا وحكومتها التي يسيطر عليها الإسلاميون القوميون، وإنما يتعلق الأمر بتبادل مصالح وأوراق ضغط على أنقرة للعمل كثغر حراسة ورأس حربة لصالح الغربي في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما أن تركيا عضو في الحلف الأطلسي الذي يمثل درع حماية لأوروبا. وهذه المصلحة المتبادلة تفسر الصبر الأمريكي والأوروبي تجاه أنقرة، بينما تظل بعض القضايا موضع خلاف بين البلدين وعلى رأسها المسألة الكوردية.

وقد اعتاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التحدث مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما أكثر من أي زعيم أجنبي آخر. والآن لم يتمكن أردوغان من ترتيب لقاء رسمي بجدول أعمال أوباما عند زيارته واشنطن. فهل يمكن إنقاذ العلاقة بينهما؟

العلاقة بينهما صعبة بكل المقاييس. ولكن إذا تم توسيع السؤال ليصبح هل تنتمي تركيا إلى منظمة حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة أم لا، فإن الإجابة يسيرة: نعم بالطبع تنتمي تركيا إلى حلف الناتو.

ولا يتفق الجميع على هذا. حيث أن سياسات تركيا فيما يتعلق بأكراد سوريا وتنظيم الدولة الإسلامية لا تتفق مع تلك السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة والعديد من دول حلف شمال الأطلسي، ويشيرون إلى أن حديث أردوغان عن الديمقراطية وحرية التعبير يجعل الولايات المتحدة وأوروبا يشعران بعدم الارتياح على نحو متزايد.

US President Barack Obama (R) shakes han
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
 

أردوغان في البيت الأبيض

كان الرئيس الأميركي باراك أوباما التقى الخميس نظيره التركي في واشنطن في اجتماع لم يكن مقررا مسبقا. وقال البيت الأبيض في بيان إن “الرئيس أوباما التقى مساء الخميس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش قمة الأمن النووي”.

وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي باراك أوباما أكد مجددا التزام الولايات المتحدة بأمن تركيا أثناء اجتماع الخميس مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ناقشا خلاله أيضا مساعي البلدين لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وكانت الرئاسة الأميركية أفادت في وقت سابق انه من غير المقرر ان يعقد اوباما لقاء ثنائيا مع إردوغان على هامش القمة، ما اعتبر على علاقة بالتوتر بين البلدين بشأن مسألة حقوق الانسان وتحديدا حرية الصحافة، والنزاع في سوريا.

وجاء في بيان البيت الأبيض ان أوباما وإردوغان بحثا “التعاون بين الولايات المتحدة وتركيا في مجالات الأمن الاقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة”.

وكان نائب الرئيس الأميركي جو بايدن اجرى قبل ذلك محادثات مع اردوغان غير ان عدم عقد لقاء مع اوباما اعتبر مؤشرا سلبيا لا سيما وان البلدين حليفان اطلسيان ويعلنان انخراطهما معا في مكافحة تنظيم داعش الذي يسيطر على مساحات شاسعة من العراق وسوريا.

غير ان اردوغان يتعرض مؤخرا لانتقادات متزايدة من الإدارة الأميركية، وما أجج التوتر الحملة التي تشنها القوات التركية على التنظيمات الكردية ولا سيما في سوريا فيما تعتبر واشنطن ان المقاتلين الأكراد هم الأجدى في مكافحة الجهاديين على الأرض.

وتؤكد انقرة ان هذه القوات الكردية على ارتباط بحزب العمال الكردستاني الذي يشن حركة تمرد ضد الدولة التركية منذ 1984، مطالبا في بادئ الأمر بالحصول على الاستقلال، ثم تحول الى المطالبة بحكم ذاتي اوسع وبحقوق اضافية لأكبر أقلية اتنية في البلاد.

وما ساهم في تأجيج التوتر بين البلدين عمليات التوغل التي قام بها الجيش التركي في شمال العراق.

وندد البيت الأبيض بوضوح متزايد في الأشهر الأخيرة بالتضييق على حرية التعبير والديموقراطية في تركيا. وأكد الخميس على ضرورة احترام حرية الصحافة في تركيا، اثر اشتباكات وقعت أمام معهد “بروكينجز” الاميركي على هامش كلمة لاردوغان هناك.

تركيا عضو الناتو

وبالنسبة للعلاقات التركية الغربية، يقول تقرير بلومبرج فيو: إن حلف شمال الاطلسي هو تحالف عسكري، حيث أن وجود القيم المشتركة ليس أمرا ضروريا كهدف مشترك للتحالف. الهدف المشترك للتحالف هو الأمن. ويبقى التحكم في الوصول من البحر الأسود إلى البحر المتوسط ​​أمر ذو أهمية استراتيجية كما كان عليه الحال خلال الحرب الباردة، وكذلك الدور التركي التقليدي الذي تلعبه تركيا كثقل موازن للنفوذ الروسي في المنطقة. كما أنه في الوقت الذي يصعب فيه على أوروبا وقف تدفق اللاجئين القادمين من سوريا مع تعاون تركيا، فإنه سوف يكون من المستحيل بدون هذا التعاون. وفي الوقت نفسه، لازال هناك نزاعات خطيرة بين اليونان وتركيا ضد بعضهما البعض تساعد عضويتهما المشتركة في حلف شمال الاطلسي في الحفاظ على إبقاء تلك النزاعات تحت السيطرة.

وفيما يتعلق بالقيم الديمقراطية، فإن السجل الديمقراطي التركي لازال غير مكتمل. فقد كانت هناك انقلابات في سنوات 1960 و 1971 و 1980. واندلعت الحرب ضد المسلحين الأكراد، التي قتل أو أعدم فيها عشرات الآلاف، لمدة عقود وتجددت مرة أخرى في العام الماضي. (وفي الثمانينيات، نفت تركيا وجود العرق الكردي تماما). وعلى فترات متفاوتة، تتقلص الحقوق المدنية على نحو كبير. وفي أثناء كل هذا، حافظت تركيا على عضويتها في حلف شمال الأطلسي.

لقد كانت تركيا عضوا في حلف شمال الاطلسي منذ العام 1952. وسوف تظل عضويتها ضرورية وخطيرة كما كانت دائما.

_76830_erbamag
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
 

في مواجهة أعداء الناتو

ويفسر تقرير الجزيرة الانجليزية أهمية تركيا بالنسبة لأوروبا هو التصدي للجار المزعج روسيا، الذي تقلق أوروبا من تنامي قوته العسكرية على حدوها، والذي تجاوره تركيا أيضا ولا تخلو من مشاركة أوروبا لهذا العداء.

ويقول التقرير: لطالما كان هناك تنافس بين روسيا وتركيا من أجل النفوذ في المنطقة؛ فمنذ القرن السادس عشر تركيا (أيّام الإمبراطورية العثمانية) خاضت روسيا الحرب 12 مرة على الأقل، تسع مرات بسبب أزمات متعلقة بشبه جزيرة القرم.

والتدخل العسكري الأخير لروسيا في سوريا ليس الأول من نوعه. في عام 1772، أرسلت روسيا قواتها إلى بلاد الشام لدعم الزعماء المحليين ضد الإمبراطورية العثمانية. وفي عام 1879، وصلت القوات الروسية بالقرب من القسطنطينية، الموقع الحديث لمطار أتاتورك. وأثناء الحرب العالمية الأولى، تبادلت القوتان الضربات في شرق الأناضول وعبر جنوب القوقاز، مما أدى إلى خسائر مدمّرة لكلا الجانبين. كما قامت روسيا بتسليح القوات الكردية المحلية خلال الحرب.

ولطالما أرادت روسيا السيطرة على المضائق التركية، كما أنّها تحتقر اتفاقية مونترو عام 1936 التي منحت تركيا السيطرة السيادية على تلك المضائق. وكانت السيطرة على القسطنطينية (اسطنبول الآن) حُلمًا راود أدميرالات روسيا على مرّ الأجيال.

بعد الحرب العالمية الثانية كانت هناك محاولة فاشلة من موسكو للسيطرة على مساحات واسعة من تركيا، بما في ذلك ميناء البحر الأسود من طرابزون.

ولهذا، ليس من المستغرب أن تشعر تركيا بالقلق. وكعضو في حلف شمال الأطلسي يجب أن يشعر الحلف بالقلق أيضًا. تركيا لديها ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة. وقادت مهام حلف شمال الأطلسي في أفغانستان مرتين، وأرسلت آلاف الجنود للعمل تحت راية حلف الناتو في عمليات عسكرية متعددة.

ويشاع أن تركيا أيضًا سوف تستضيف الأسلحة النووية التكتيكية الأمريكية التي تشكّل جزءًا هامًا من قدرة الردع النووية لحلف الناتو. وتمتلك تركيا رادار “إكس باند” الذي يقوم بدور حاسم في الدفاع الصاروخي لحلف الناتو، وتساهم أنقرة في قدرات الرد السريع التابعة للناتو والمبادرات المشتركة مثل مراقبة بحر البلطيق.

وعلاوة على ذلك، تركيا لديها علاقات ثقافية واقتصادية وثيقة مع جمهوريات آسيا الوسطى في قلب أوراسيا؛ وهي منطقة ذات أهمية متزايدة.

 

متطلبات الواقع

ويستطرد التقرير: من دون أدنى شك، فإنَّ علاقات أوروبا الغربية والولايات المتحدة مع الرئيس رجب طيب أردوغان معقَّدة. العديد من تصرفات حكومة أردوغان، وخاصة عندما يتعلق الأمر بقمع الحريات الإعلامية، تزعج الكثيرين في واشنطن، وباريس ولندن، ولأسباب وجيه.

ولكن في حين يتعين معالجة تلك المخاوف مع أنقرة، فإنه ينبغي أن يتم ذلك خارج إطار حلف شمال الأطلسي؛ فالناتو بحاجة إلى تركيا اليوم لنفس الأسباب التي احتاجها خلال الحرب الباردة. وسواء شئنا أم أبينا، هذا هو الواقع الجيوسياسي وقد حان الوقت ليعترف واضعو السياسات بهذا الواقع الجديد.

يجب ألّا يبالغ الناتو في تعامله مع المشاكل والتوترات بيت تركيا والغرب. في مواجهة العدوان الروسي وتنظيم الدولة الإسلامية، البراجماتية هي الطريق الوحيد للمضي قُدمًا مع تركيا. وهذا يعني الانخراط بشكل كامل مع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي، وليس إقصاء أنقرة من الساحة الدولية.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!