العلاقات البوروندية- الرواندية.. مسار التوتّر


يرى أحد أساتذة القانون الدستوري أنّ جذور الخلاف تكمن في أنّ “كيغالي تنظر إلى النظام البوروندي على أنه مرتكزعلى الإعتراف بالعرقيات، وهو ما تخشى الحكومة الرواندية تبعاته”.

جثث مجهولة المصدر عثر عليها طافية على سطح بحيرة “رويرو” الفاصلة بين بوروندي ورواندا، وتصريحات نارية من الجانبين، واتّهامات بالسعي إلى تغذية الأزمة السياسية والأمنية التي تهز بوروندي منذ نحو عام من الزمن.. مدّ وجزر رفعا من منسوب التوتّر بين الجارتين، فكان من البديهي أن تتقلّص علاقتهما، منذ أشهر، تبعا لحالة الاحتقان المخيّمة على الجانبين بهذا الصدد.

وبعيدا عن هذه الحيثيات التي تعتبر نتائج أكثر منها أسبابا، يرى فيليب رينتجنس، أستاذ القانون الدستوري بجامعة “أنتويرب” البلجيكية، وهو أيضا متخصّص في شؤون منطقة البحيرات العظمى بإفريقيا، أنّ جذور الخلاف تكمن في أنّ “كيغالي تنظر إلى النظام البوروندي على أنه مرتكز، منذ السنوات الألفين، على الإعتراف بالعرقيات، وهو ما تخشى الحكومة الرواندية تبعاته وارتداداته عليها”.

ومع أنّ الرئيس الرواندي بول كاغامي كان الرئيس الوحيد الذي حضر مراسم تنصيب نظيره البوروندي، بيير نكورونزيزا، في 2010، ما عكس في حينه الهدوء الذي تتّسم به العلاقات بين البلدين، إلاّ أنّ ذلك الهدوء سرعان ما تلاشى ليترك مكانه لتوتّر بالغ ينزل بثقله على العلاقات بين الجارتين.

توتّر مرشّح لأن يرتفع منسوبه في الوقت الراهن، عقب وفاة السفير والوزير الرواندي السابق، جاك بيهوزاغارا، أوّل أمس الأربعاء، في السجن المركزي بالعاصمة البوروندية بوجمبورا، ضمن حادثة فجّرت استفهامات عديدة لدى الطبقة السياسية الرواندية. ففي الوقت الذي تتهم فيه السلطات البوروندية بيهوزاغارا بالتجسّس لصالح كيغالي، يهدّد هذا “الاغتيال” على حدّ وصف مسؤولين روانديين، بتأجيج التوتّر المستعر بين البلدين.

حادثة تأتي في سياق لا يخلو من اتهامات متبادلة بين حلفاء الأمس في الجبهة الشرقية خلال ما يعرف بحرب الكونغو الثانية (بدأت في 1998)، وذلك منذ أكثر من عام، على خلفية جثث وقع اكتشافها صيف 2014 في بحيرة “رويرو”، ويجزم كلّ طرف قدومها من الجهة المقابلة. فالسلطات البوروندية أعلنت أنّ ذاك الإكتشاف المروّع متأتّ من رواندا، في حين نفت الأخيرة الإتهامات الموجهة إليها بشدّة.

وفي وقت لاحق، وتحديدا عقب اندلاع الأزمة في بوروندي في أبريل/ نيسان الماضي، ومقتل مئات الأشخاص، وهروب مئات الآلاف الآخرين بحثا عن ملجأ آمن في دول الجوار، اتهمت بوجمبورا صراحة جارتها بتغذية الأزمة البوروندية، من خلال إقامة معسكرات تدريب في الأراضي الرواندية، ومنح اللجوء لقادة الانقلاب الذي كاد أن يطيح، في سبتمبر/ أيلول الماضي، بالحكم في بوروندي.

ومع إعلان دبلوماسي بالسفارة الرواندية في بوجمبورا، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، شخصية غير مرغوب فيها، سرت عدوى التوتّر لتطال العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، في خطوة منحت جميع سمات تصعيد على مختلف الأوجه.

من جانبها، كرّرت السلطات البوروندية، العام الماضي، اتهاماتها لكيغالي بالعدوان ومحاولات زعزعة استقرارها. اتهامات تأكّدت بشكل عام، إثر صدور تقرير، في 15 يناير/ كانون الثاني الماضي، لمجموعة خبراء مستقلّين تابعين للأمم المتحدة، اتهموا من خلاله كيغالي بـ “السعي إلى زعزعة استقرار جارتها بوروندي”.

وفي هجوم مضادّ، اتهمت رواندا بوروندي باستضافة متمرّدين من “الهوتو” (عرقية) على أراضيها، واستخدامهم كمرتزقة لقمع الإحتجاجات المناهضة للنظام، وليس ذلك فحسب، وإنما، صعّدت كيغالي من لهجتها، من خلال رسالة حادّة توجّه بها الرئيس الرواندي بول كاغامي، عبر موقع التواصل “تويتر”، إلى نظيره البوروندي بيير نكورونزيزا.

رسالة علّق عليها رينتجنس بالقول في عموده السياسي حول رواندا 2014- 2015، الصادر في نشرته السنوية “دليل البحيرات الكبرى في إفريقيا”، بالقول إن هذا المنشور الذي يحمل الكثير من العداء، هو ما من شأنه أن يستبعد كاغامي من دور الوساطة”.

وبغض النظر عن مجمل هذه الإهانات والجدل المتفجرّ بين البلدين، أرجع رينتجنس جذور الخلافات إلى “الصراع أو عدم المواءمة بين نموذجين للحكم”، موضحا، في مقابلة سابقة له مع الأناضول، أنّ “العلاقات الودية التي ربطت في فترة ما بين البلدين لم تكن أبدا صادقة، حيث حدث وأن استمعت، قبل هذه الأحداث، إلى مسؤولين بورونديين يتحدثون بشكل سيء عن رواندا، كما أن كيغالي، من جهتها، لطالما كانت تنظر بعداء إلى نظام الحكم البوروندي”.

وبالنسبة للجامعي البلجيكي، فإنّ نشأة ما تسميه “كيغالي” بـ “النموذج المضاد”، تعود إلى اتفاقات “أروشا” (موقعة في أغسطس/ آب 2000)، والتي مهدت الطريق لوضع حدّ للحرب الأهلية في بوروندي (1993- 2006)، قبل أن يقع، إثر ذلك إنشاء نظام الحصص العرقي بين عرقيتي الهوتو والتوتسي، مضيفا أن هذا النظام “يشكل إعترافا بالعرقيات، وهو فعال للغاية في ما يتعلق بالتهدئة العرقية”.

أما من الجانب الرواندي، يتابع الخبير البلجيكي، فـ “يخشى أن يدفع نجاح النموذج البوروندي المجتمع الدولي نحو تشجيع كيغالي على تطبيقه”، سيما وأن الأخيرة تخضع لحكم نخبة من عرقية “التوتسي” (أقلية من 10 إلى 15 %)، قد تجد نفسها في وضع يحتّم عليها التماهي مع بعدها الديمغرافي (من حيث الثقل السياسي) في حال طبّق النموذج البوروندي.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!