أيام على قرار روسيا سحب جزء من قوتها العسكرية من سوريا


د. ناجي قديح

 

يغلب إسقاط الأمنيات على التحليل الموضوعي عند عدد كبير من المتابعين والكتبة والمحللين في وسائل الإعلام. يظهر ذلك بكل جلاء ووضوح مع ذلك الكم الكبير من المقالات والتعليقات والتحليلات، التي تناولت إعادة روسيا لجزء من قوتها العسكرية وعتادها من سوريا في الأيام الأخيرة.

لا يزال البعض منهم يصر على اعتبار هذه الخطوة ضربا من ترك الحليف السوري في منتصف الطريق، على الرغم من أن كل الأحداث المتسارعة منذ ذلك اليوم وحتى الآن، ولا سيما تحرير مدينة “تدمر” الاستراتيجية، تشير إلى عكس هذه الاستنتاجات بسطوع كبير.

فسحب روسيا لجزء فائض من قوتها العسكرية، التي حشدتها تلبية لحاجات تطورات أملاها تصاعد سخونة العلاقات الروسية – التركية في سوريا، لم يكن إلا خطوة ذكية أدت إلى تحقيق عدة أهداف في الوقت ذاته. فهي من جهة جاءت تعبيرا عن الاطمئنان إلى برودة التصعيد التركي – الروسي وأسهمت في تثبيته، بعد انفضاض الولايات المتحدة وحلف الناتو عن تبني الرؤية التركية والسير في منزلقاتها للصدام مع روسيا ولجم اندفاعتها في سوريا. ومن جهة أخرى أعطت المفاوضات السياسية الجارية في جنيف دفعا جديدا، وسهلت عليها الاستمرار في أجواء أقل تلبدا من قبل. وأخيرا وليس آخرا، أراحت روسيا حيال اللاعبين الغربيين والعرب.

الثابت اليوم أن هذه الخطوة لم تكن تعني إعادة نظر بالدور الروسي في سوريا، ولا بالدعم والتنسيق مع القوى الحكومية وحلفائها التي تتابع زحفها لتحرير مناطق سيطرة المنظمات الإرهابية. إن هذا غير مستهجن ولا هو مستغرب عند اللذين يدركون عميقا المباديء والأسس التي تبنى عليها استراتيجة روسيا في سوريا، باعتبارها جزءا من استراتيجية عالمية تبدأ مع استعادة روسيا دورها في توازن القوى العالمي، ودورها في مسارات السياسة والعلاقات الدولية، مرورا بصنع التوازنات الجديدة على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط والمنطقة العربية وحوض البحر المتوسط، وصولا لترتيب أوضاع أوكرانيا، وليس آخرا ترتيب الحقوق في السيادة على المناطق القطبية الشمالية الغنية بمواردها وأهميتها الاستراتيجية.

من المفيد التأكيد لكل من يحاول فهم حركة السياسة الاستراتيجية الروسية في منطقتنا على أن روسيا جاءت بقوتها العسكرية إلى سوريا، لا للهو، بل للمساهمة النشيطة في صنع مستقبلها ومستقبل المنطقة، جنبا إلى جنب مع الشعب والحكومة والجيش العربي السوري وحلفائهم الإقليميين من إيران إلى المقاومة اللبنانية إلى كل قوى المقاومة والقوى الشعبية على امتداد المنطقة العربية.

هذه هي القوى التي تقاتل الإرهاب بجد وجدارة وكذلك كل مشاريع التفكيك والسيطرة، التي تعمل لها قوى الإرهاب وداعميها في الإقليم والعالم.

 

 

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!