مسلسل الصفقات – الفضائح في سياسة حكومة لبنان لإدارة النفايات


د. ناجي قديح

أبلغتنا الدكتورة أولغا سبيرانسكايا Olga Speranskaya، الرئيسة المشاركة لمنظمة آيبن العالمية IPEN، ورئيسة منظمة EcoAccord غير الحكومية الروسية، الناشطة في مجال حماية البيئة، أنها استلمت بتاريخ 21 آذار (مارس) 2016 ردا خطيا رسميا من “الوكالة الاتحادية الروسية للإشراف على استعمال الموارد الطبيعية” Russian Federal Service for Supervision in the Sphere of Natural Resource Use، على رسائلها التي كانت قد تقدمت بها للسؤال عن مسألة “استيراد نفايات من لبنان إلى روسيا لحرقها”.

تؤكد هذه الرسالة الرسمية أن من صلاحيات الوكالة “التحقق من أن استيراد النفايات يستجيب للمتطلبات الوطنية ولمتطلبات اتفاقية بازل بشأن نقل النفايات عبر الحدود”. وأكدت الوكالة أيضا في رسالتها الرسمية “أنها لم تتلق أية وثائق تتعلق بنقل نفايات من لبنان إلى روسيا من أي شركة تعمل في مجال إدارة النفايات أو حرق النفايات”.

إذن، السلطة المختصة الروسية، المسؤولية عن التعامل مع وثائق استيراد وتصدير النفايات إلى روسيا ومنها، لم تتلق أية وثائق أو طلب من هذا القبيل. فهل هناك دليل أوضح من هذا وأكثر صدقا على أن كل وثائق صفقات الترحيل لشركة “شينوك” Chinook، شريكة الحكومة اللبنانية، هي وثائق مزوَّرة وغير مطابقة؟

وزارة الداخلية الروسية فتحت تحقيقا قضائيا بهذا الموضوع، فماذا فعلت السلطات القضائية اللبنانية حيال التزوير واستعمال الوثائق المزورة في الصفقة – الفضيحة التي كانت لتكلف الخزينة اللبنانية مئات ملايين الدولارات؟

نحن نحيي المناضلة البيئية الروسية والعالمية الدكتورة “أولغا” ونشد على يدها، وهي أصبحت معروفة لدى أوساط حماة البيئة اللبنانيين والعرب، كما هي معروفة على المستوى العالمي، ونتوجه لها بالشكر على تضامنها ودعمها الكامل لقضايا حماية البيئة وحقوق الإنسان في لبنان وروسيا والعالم.

إن هذه الرسالة الرسمية، المنشورة صورة عنها في مرفق هذه المقالة، أعادت لتثير فينا ذكريات بعض تفاصيل الصفقة – الفضيحة، التي شكَّلت حلقة، كان ما قبلها، وكان ما بعدها، من فضائح صفقات السياسة الرسمية الحكومية اللبنانية لإدارة النفايات في لبنان.

Rosprirodnadzor reply (2) copy
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

Rosprirodnadzor reply 2 page (2) copy
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

شكَّل قرار الحكومة اللبنانية، بضوء أخضر من طاولة الحوار الوطني التي تضم أطراف السلطة في لبنان، بشأن “ترحيل” النفايات سابقة لم يعرف مثلها لبنان في أي مرحلة من مراحل تاريخه، ولم تلجأ أي حكومة من بلدان العالم لمثل هذه القرار، بالطريقة التي اعتمدتها حكومة لبنان.

بالإضافة إلى غرابة القرار بحد ذاته، ودلالاته في السياسة الداخلية والخارجية للبنان، كان دليلا صارخا على مدى استعداد الحكومة للتضحية بكل شيء، لتبقي على صفقاتها الدسمة المرتبطة بسياساتها حيال ملف النفايات، والتي تَدُرُّ على مراكز القوى فيها مئات ملايين، بل ومليارات الدولارات.

كيف لا، وقد شهدنا على امتداد الأزمة منذ 17 تموز (يوليو) 2015، وما قبلها، فظاعة سلوك الحكومة حيال وضع النفايات المتراكمة في كل مساحة لبنان، وآثارها المباشرة وغير المباشرة على صحة اللبنانيين من كل الأجيال وفي كل المناطق، أمام لا مبالاة الحكومة بكل قواها، منفردة ومجتمعة.

ومن الطرائف المحزنة الكثيرة التي رافقت ممارسات الحكومة وأقوال فرسانها، التي تداولتها وسائل الإعلام يوميا، أستذكر بأسى تعليقين نقلتهما وسائل الإعلام عن رئيس الحكومة.

التعليق الأول، إثر الاجتماع الشعبي في منطقة عنجر، الذي أطاح بمشروع إقامة مطمر للنفايات في تلك المنطقة الواقعة على سفوح سلسلة جبال لبنان الشرقية، والتي تسبح على حوض كبير من المياه الجوفية غير الملوَّثة حتى الآن. قال يومها في معرض نقده لحماة البيئة في لبنان وبأسلوب ساخر، “إنهم يخافون على ما هو تحت الأرض أكثر من خوفهم على ما فوقها”! وهنا كان يقصد نقد البيئيين لاعتراضهم على إقامة مطمر للنفايات في هذا الموقع خوفا من تلويث الثروة المائية الجوفية.

والتعليق الثاني، كان متربطا بتفاصيل تطورات “فضيحة” صفقة الترحيل إلى روسيا، وخصوصا الفصل المتعلق بالأخبار التي تناقلها الإعلام عن نقل نفايات لبنان لحرقها في محرقة في منطقة “كراسنادار” السياحية جنوب روسيا. يومها نحن تابعنا اعتراضنا على مبدأ الترحيل، وعلى الحرق، وما يؤدي إليه من تلويث للهواء الجوي، حتى وإن كان في “كراسنادار” الروسية، لقناعاتنا بوحدة العالم، وبانتقال التلوث عبر جهات الأرض، محدثا الآثار الكلية، التي تهدد الحياة على كوكبنا الأرض. فاستحقينا النقد القاسي والساخر أيضا لأننا رفضنا الترحيل، وأشرنا إلى مخاطر حرق النفايات، ولو في مناطق بعيدة من العالم.

ضيق سعة الأفق التي أنتجت قرار الترحيل، وحصرت خياراتها في صفقات “الطمر والحرق والترحيل”، لا يمكنها استيعاب رحابة سعة فهم البيئيين للكرة الأرضية بوحدتها وتداخلها وتفاعلها. فليس بمقدورهم استيعاب أن ملوثات الجو المنبعثة في أميركا الشمالية عرَّضت غابات أوروبا لكثير من المخاطر الناتجة عن المطر الحمضي. ولا استيعاب أن المبيد الحشري ذائع الصيت، الـ (د.د.ت) الذي منع منذ أكثر من نصف قرن، والذي استعمل بكثافة في أوروبا والعالم في أربيعينيات وخمسينيات القرن الماضي، لا زلنا نجده في عينات الجليد في الأنترانتيك، وفي عينات من المحيط المتجمد الشمالي. ولا أن مناطق العالم كلها سوف تتأثر بتفاقم أحداث التغير المناخي. وهم لا يعرفون، ربما، بأن هناك اتفاقية دولية بشأن انتقال التلوث الجوي واسع المدى عبر الحدود، وقعت في العام 1979، ودخلت حيز التنفيذ في العام 1983.

لا عجب بعد الأن إن راحت قرارات حكومة لبنان حيال النفايات بعيدا في تدمير بيئة لبنان أرضا وبحرا ومياها سطحية وثروة جوفية، وهواء جويا. ولا ضير إن تمت مصادرة الأملاك البحرية، في مشاريع تدمير بيئي يتقاطع فيها طمر النفايات وردم البحر ووضع اليد على الواجهات البحرية لصالح حفنة من المستفيدين، على حساب حقوق الشعب اللبناني وأجياله القادمة.

 

(بالتعاون مع موقع www.greenarea.me)

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!