هل تنجح إيران بالالتفاف على العقوبات الأميركية؟


أليسار كرم

 

تتضافر الجهود الدولية لمواصلة التعاون الاقتصادي مع إيران والافلات من العقوبات الأميركية المتجدّدة. الخامس من تشرين الثاني نوفمبر هو الموعد المحدد من قبل إدارة دونالد ترامب لتطبيق الجولة الثانية من العقوبات التي تطال قطاع النفط الإيراني، بعدما دخلت الجولة الأولى حيز التنفيذ في السابع من آب أغسطس وطالت التعاملات المصرفية وتجارة المعادن والتكنولوجيا. وقد تسارعت الخطوات الأوروبية والإقليمية لإنقاذ الاتفاق النووي والحفاظ على مكتسبات الدول المشاركة به، فهل ستنجح إيران بالالتفاف على العقوبات؟

 

العقوبات الأميركية  

أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية على إيران بعدما قررت إدارة ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي الموقع في لوزان عام 2015 بين إيران ومجموعة الدول الست (الصين، روسيا، أميركا، فرنسا، ألمانيا وبريطانيا).

الجولة الأولى من العقوبات شملت:

  • حظر تبادل الدولار مع الحكومة الإيرانية
  • حظر التعاملات التجارية المتعلقة بالمعادن النفيسة ولاسيما الذهب
  • فرض عقوبات على المؤسسات والحكومات التي تتعامل بالريال الإيراني أو تستثمر سندات حكومية إيرانية
  • حظر توريد أو شراء عدد من المعادن أبرزها الألومنيوم والحديد والصلب
  • فرض القيود على صناعة السيارات وصناعة السجاد في إيران
  • حظر استيراد أو تصدير التكنولوجيا المرتبطة بالبرامج التقنية الصناعية ذات الاستخدام المدني والعسكري

 

أما الجولة الثانية من العقوبات فستشمل:

– فرض عقوبات على الشركات التي تدير الموانئ في إيران

– فرض عقوبات على شركات الشحن البحري وصناعة السفن

– فرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني وخصوصاً الصناعة النفطية

– فرض عقوبات على البنك المركزي الإيراني وحظر التعاملات المالية معه

 

وكان الرئيس الأميركي دونالد قد أعلن في 8 أيار مايو 2018 إنسحاب بلاده من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما وقال ترامب في كلمة رسمية إن “النظام الإيراني موّل منظومة إرهاب أهدر فيها ثروات شعبه والشعب الإيراني يستحق حكومة أفضل” وأضاف القول إن الاتفاق النووي سمح لطهران بالاستمرار في تخصيب اليورانيوم والاقتراب من امتلاك سلاح نووي واصفاً الاتفاق النووي بالـ”كارثي” والذي يفتح باب سباق التسلح في الشرق الأوسط.

 

هل أخطأت إيران؟

لم تكد إيران تجني ثمار الاتفاق النووي ورفع العقوبات عنها، حتى عادت إليها من جديد. فهل أخطأت الحكومة الإيرانية عند التفاوض على شروط الاتفاق النووي؟

يرى أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية والباحث في الشأن الإيراني د. علي زعيتر أن الجانب الإيراني “استعجل” إبرام الاتفاق مع الدول الست الكبرى، وقال في حديث لموقع “روسيا الآن” إن إيران ارتكبت خطأ منهجياً عندما لم تحرص على طلب ضمانات ملموسة وفعالة أو وضع بنود جزائية لمنع الاخلال بالاتفاق، موضحاً أن “الإجراءات الكمية هي أهم وأقوى رادع لمنع الاوروبيين والأميركيين من الاخلال بالتزاماتهم ولكن لا غرامة محددة ولا إجراء عقابي يفرض على الدول الست إذا قررت فجأة الانسحاب من الاتفاق”.

يُذكر أن اتفاق لوزان النووي واجه معارضة من المحافظين داخل إيران وقوبل بتحفظ شديد من قبل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الذي قال خلال محاضرة قدمها بعد أيام قليلة على إعلان الاتفاق “ما حدث لحد الآن ليس أصل الاتفاق. ما حدث ليس مفاوضات تؤدي إلى اتفاق أو تضمن محتوى الاتفاق (…) ولا معنى لإرسال بيانات التبريك والتهنئة”.

في هذا السياق أوضح د. علي زعيتر أن العارفين بكواليس صناعة القرار في الولايات المتحدة يدركون ان توقيع الرئيس الأميركي على الاتفاق ليس كافياً، إذ يجب ان يتخذ الاتفاق شكل المعاهدة الملزمة بين الدولتين وأن توافق الهيئات التشريعية والتنفيذية الرسمية، وهذا ما لم يؤخذ بالاعتبار عند إبرام الاتفاق الذي بدا مستعجلاً وغير مُحكم. وانتقد زعيتر إقدام الفريق الاقتصادي للرئيس الإيراني حسن روحاني على “وضع البيض بسلة واحدة” في إشارة منه إلى اعتقاد هذا الفريق أن رفع العقوبات عن إيران والانفتاح على الغرب هو السبيل الوحيد للنهوض بالقطاعات الاقتصادية فيما المطلوب هو الحفاظ على نهج الاقتصاد المقاوم الذي يركز على بناء القدرات المحلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي بدل المبادلات مع الخارج.

يُذكر أن خلافاً قد نشب بعد توقيع الاتفاق النووي لكنه لم يحظ باهتمام الرأي العام المنشغل بالحدث الاستثنائي المتمثل برفع العقوبات عن إيران بعد عقود طويلة من الحصار والعزلة. ويتعلق الخلاف بما اصطُلح على تسميته “ورقة الحقائق” Fact Sheet التي وزعتها الخارجية الأميركية من طرف واحد وسط اعتراض الفريق الإيراني المفاوض الذي اعتبر ان ما جاء فيها مناقض لما اتفق عليه على طاولة المفاوضات وخصوصاَ ما يتعلق بموافقة إيران على عدم إنشاء منشآت جديدة لتخصيب اليورانيوم لمدة 15 عاماً بدءاً من عام 2015 إضافة إلى ما يتعلق بموافقة إيران على الوقف التام للأبحاث والتطوير في منشأة فوردو النووية.

 

 

نظام المقايضة الأوروبي

يبدو أن الاتحاد الأوروبي مصمّم على إنقاذ الاتفاق النووي والحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها الشركات الأوروبية أولاً والجهات الإيرانية ثانياً. في هذا السياق، أعلنت مفوضة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي فيدريكا موغيريني عن إنشاء نظام مقايضة أوروبي لمواصلة التجارة مع إيران والإفلات من العقوبات الأميركية. وفي إعلان تلته بمشاركة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قالت موغيريني إن الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي ستنشئ كياناً قانونياً لتسهيل المعاملات المالية مع إيران/ على ان يُسمى هذا الكيان “الآلية المحددة الأهداف” Special Purpose Vehicle وأن يعمل كبورصة تتمّ فيها المبادلات أو نظام مقايضة متطور انطلاقا من بيع النفط الإيراني. وعلى سبيل المثال، إذا باعت إيران نفطاً إلى فرنسا أو إسبانيا او أي دولة أخرى وباعت تلك الدولة أجهزة إلى طهران، فإن عائدات الشحنة النفطية تستخدم في دفع المبلغ المترتب للشركة الأوروبية. وستكون هناك غرفة للمقاصة تتحقق من أن قيمة السلع المصدرة وتلك المستوردة تعوضان عن بعضهما البعض.

في هذا السياق شكك الخبير الاقتصادي د. علي زعيتر بقدرة أوروبا على مواجهة الإدارة الأميركية وقال إن دول الاتحاد الاوروبي أثبتت أنها “عاجزة” أمام النظام المالي والنقدي المسيطر على العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وأنها خاضعة لسيطرة الادارة الاميركية على الاقتصاد العالمي. مشدداً على وجوب أن تحافظ إيران على علاقاتها التجارية وتعاونها الاقتصادي مع الدول الآسيوية وألا تعول على الدول الاوروبية لضمان صادراتها النفطية وغير النفطية.

علماً أن آلية المقايضة الأوروبية، تُجنّب الشارين والبائعين التعامل بالدولار ما يفترض أنها تحصّنهم ضد العقوبات الأميركية على ان يكون النفط هو المقابل الوحيد الذي يمكن لإيران تقديمه ولا سيما أنها تملك رابع احتياطي عالمي مثبت للنفط الخام الذي تحتاجه دول عديدة في كل من أوروبا وآسيا حيث صُممت بعض المصافي خصيصا لمعالجة نوع النفط الإيراني دون سواه.

ومن الآن حتى تثبت الخطوة الأوروبية فاعليتها وجدواها، يتوقع أن تواجه أوروبا ضغوطاً أميركية بعدما عبّر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو صراحةً عن “خيبة أمله” إزاء سلوك الاتحاد الأوروبي، وكذلك بعدما قال المبعوث الأميركي لشؤون إيران إلى الأمم المتحدة براين هوك، إن محاولات الالتفاف على العقوبات الأميركية تأتي بنتائج عكسية!

 

البنك التركي – الإيراني

تعتزم كل من تركيا وإيران إنشاء مصرف مشترك يقوم من خلاله الجانبان بالتبادل التجاري من دون الحاجة الى الدولار، ويعدّ خطوةً نهائية لتمتين العلاقات الاقتصادية بين البلدين وحمايتها من العقوبات الأميركية التي ترتكز على تعقّب الحويلات المالية والتعامل بالدولار. علماً أن تركيا كانت قد ساعدت إيران في المرحلة السابقة، للالتفاف على العقوبات الدولية قبل إلغائها بموجب افاق لوزان. وهي تنتهج اليوم المسار نفسه لا سيما مع تصاعد الخلاف بينها وبين واشنطن وتزايد تقاربها مع جارتها إيران.

وأوضح عضو في غرفة التجارة الإيرانية وسفير إيران لدى منظمة التعاون الإسلامي، صباح زنغنة أن القطاع الخاص سيشارك بالنسبة الأكبر من رأسمال البنك المشترك، فيما تشارك المصارف الحكومية والمؤسسات الرسمية بنسبة أقل، وقال لموقع “روسيا الآن” إن آلية المقاصةclearance room  ستعتمد العملتين المحليتين أي الريال الإيراني والليرة التركية بتقييم آني في لحظة البيع والشراء، على أن تتم المحاسبة اسبوعيا او شهريا. وتوقع زنغنة أن يساهم إنشاء البنك المشترك في إنعاش استيراد وتصدير السلع غير النفطية إضافة إلى تجارة النفط والغاز وهو يصدر الضمانات اللازمة لمختلف المشاريع الاستثمارية.

بدوره أوضح أستاذ الاقتصاد في جامعة طهران عماد أبشناس لموقعنا أن تركيا هي أكبر شريك تجاري لإيران في المنطقة منذ زمن، ومن البديهي أن تلجأ الدولتان إلى التعامل بالعملات المحلية في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على كلتيهما وتكمن أهمية المصرف المشترك في كونه يؤمن الاعتمادات المالية التي تحتاجها هذه التعاملات لافتاً إلى أن عمل المصرف لن يقتصر على قطاعات محددة علماً ان تركيا تستورد بالدرجة الأولى الغاز الإيراني فيما تورّد إلى إيران، مباشرةً أو عبر إعادة تاتصدير، سلعاً إستهلاكية متنوعة.

يُذكر ان تركيا وإيران اتفقتا أيضاً مع روسيا، في 8 أيلول سبتمبر، على استخدام عملاتها المحلية في المبادلات التجارية بهدف استبعاد الدولار وذلك بموجب أسعار الصرف المحددة. ويجري التفاهم بين المسؤولين من الدول الثلاث بشأن ملفات تجارة النفط والغاز والمواد الأساسية والأمور المتعلقة بالقطاع المصرفي.

Author: Hassan Khazaal

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!