الاستثمار في أرمينيا: سوقٌ فتيّة بملامح أورو-آسيوية


اليسار كرم

لا يفقد تاريخ الـ24 نيسان قدسيّته ومكانته في ذاكرة الأرمينيين، رغم تسارع الأحداث السياسية في وطنهم الأم. إستقالة رئيس الحكومة سيرج سركيسيان بعد 10 أيام من التظاهرات المطالبة برحيله، جاءت قبل يوم واحد من الذكرى السنوية للإبادة الأرمنية على يد العثمانيين والتي بدأت في 24 نيسان 1915 واستمرت حتى آخر عام 1917، وذهب ضحيتها 1.5 مليون أرميني تقريباً. لكن أرمينيا التي “لا تنسى” مآسي التاريخ، تسعى لبناء مستقبل أفضل من خلال النهوض باقتصادها وتحسين معيشة أبنائها، بمعزل عن الاضطرابات الاجتماعية والسياسية الراهنة. في ذكرى 24 نيسان، موقع “روسيا الآن” يلقي الضوء على الاستثمارات الأجنبية في أرمينيا ولا سيما استثمارات اللبنانيين من أصول أرمينية واللبنانيين أباً عن جدّ.

 

في الاتحاد قوة!

إنضمت أرمينيا إلى الاتحاد الاقتصادي الأورو-آسيوي عام 2014 لتقوية اقتصادها وفتح صفحة جديدة من تاريخها. صفحةٌ عنوانها الانفتاح والنهوض بالقطاعات الإنتاجية الأساسية من خلال جذب الاستثمارات الخارجية وتعزيز العلاقات التجارية مع دول الجوار. وعملت السلطات الأرمينية على تحديث قوانينها لتسهيل عمل الصناعيين والمستثمرين والتجار، تتلاءم مع توجهات الاتحاد الأوراسي والهادفة إلى تشكيل تحالف اقتصادي وتحقيق التكامل الاقتصادي وإزالة جميع الحدود الجمركية بين الدول الأعضاء وهي: روسيا البيضاء، روسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان وأرمينيا.

ولم تكتف أرمينيا بهذا التعاون مع دول الشرق فاتجهت غرباً ووقعت اتفاقاً مع الاتحاد الأوروبي في آذار 2017 لتعميق الروابط السياسية والاقتصادية بينهما، عُرف باسم اتفاقية الشراكة الشاملة والمعززة CEPA.

علماً أن التحولات الكبيرة في اقتصاد أرمينيا بدأت منذ الاستقلال عام 1991 عندما انتقلت البلاد من الاقتصاد الموجّه إلى الاقتصاد الحر والمنفتح. وأقرّ قانون الاستثمار الأجنبي عام 1994، وقدم ضمانات للمستثمرين الأجانب تحميهم من التغييرات في القوانين ذات الصلة بالأعمال التجارية لمدة 5 سنوات. ونص القانون على أن “الاستثمار الأجنبي هو شكل من أشكال الملكية في أي نشاط اقتصادي”. وبحسب كتاب “جمهوريـة أرمينيـا، الدليل الثقافي والسياحي” الذي أعده سفير جمهورية أرمينيا في سوريا د. أرشاك بولاديان، تتمتع أرمينيا بعوامل جاذبة للاستثمار الأجنبي أبرزها الاستقرار السياسي والاقتصادي، والتشريع الملائم للاستثمار، ووجود قوى عاملة مثقفة وماهرة إضافة إلى غياب القيود على الملكية الأجنبية أو على تحويل النقد الأجنبي أو أي تحويلات مالية أخرى. لعل هذا ما دفع مستثمرين لبنانيين إلى دخول السوق الأرمينية الواعدة.

 

اللبنانيون في أرمينيا

أشاد نائب رئيس الوزراء الأرميني كارين كارابيديان، خلال زيارته لبنان في آذار الماضي، بمهنية شركات التامين اللبنانية ودعا هذه الشركات إلى تأسيس فروع لها في يريفان. علماً أن الاستثمارات اللبنانية في أرمينيا ناجحة ومزدهرة لكنها ربما لم تدخل قطاع التأمين بعد.

وقد علم موقع “روسيا الآن” من مصادر السفارة الأرمينية في بيروت، أن القيمة الاجمالية للاستثمارات اللبنانية في أرمينيا وصلت إلى 500 مليون دولار وهي تشمل المشاريع الكبرى والمشاريع الصغيرة والمتوسطة وتركز معظمها في قطاعات الزراعة والصناعة الغذائية والاتصالات.

أبرز المستثمرين من لبنان، الوزير السابق أرتور نازيريان الذي أسس معامل للغزل والنسيج، نجله بيتر نازيريان الذي أسس بالتعاون مع “الرفاعي” محمصة للمكسرات في العاصمة يرفان، نقولا أبو فيصل (صاحب معامل  Gardenia Grain d’or) الذي استثمر أراض زراعية، نيكولا الطويل مؤسس شركة سانيتك  SANITEK اللبنانية التي فازت بالمناقصة لجمع ومعالجة النفايات في يرفان، بيار فتوش الذي أسس شركة هي K-telecom للاتصالات في جمهورية آرتساخ (ناغورنو – قره باخ سابقاً) كما أسس شركة اتصالات الخلوي vivacell في أرمينيا ويديرها شاب لبناني – أرمني هو رالف يريكيان، إضافة إلى الأخوين بيار وديران بغداديان اللذين أسسا معملاً للشوكولا الفاخر “GOURMET- DOURMET”  وطوّرا عملهما ليشمل المقاهي وتنظيم السوق الميلادي السنوي marché de Noêl في وسط العاصمة.

عن هذه التجربة يقول بيار بغداديان إن “السوق الأرمينية فتية وتتسع للأفكار الجديدة “لسنا من كبار المستثمرين هنا ومشاريعنا متوسطة لكننا فزنا بتنظيم السوق الميلادي السنوي في وسط العاصمة يرفان  marché de Noêlبالمصداقية التي اكتسبناها في السوق”. يؤكد بغداديان أن الاضطرابات الحاصلة في الشارع لن تطول ولن تمس الاستقرار العام، وأن ما يجري دليل على أن الحياة السياسية سليمة وديمقراطية معرباً عن ثقته بحكمة السلطات الأرمينية. ويروي بغداديان أنه بدأ أوّل استثمار له مع أخيه عام 2005 حين أسسا معملاً للتوضيب وآخر لصب الأحجار الاصطناعية لكن عدم حاجة السوق المحلي لهذه المنتجات دفعتهما إلى تغيير مجال عملهما والانتقال إلى عالم الشوكولا. يقول بغداديان “نحن نزوّد القصر الجمهوري وعدداً من الوزارات بالشوكولا. لم يكن هناك منافسة حقيقية لنا في هذه الصناعة ولا سيما أننا قدّمنا نوعية فاخرة للشوكولا، ما دفع أكبر الفنادق والمطاعم إلى التعامل مع شركتنا” أما عن الحوافز والتسهيلات التي يمكن أن يحصل عليها المستثمرون فأوضح بغداديان أن الشروط العادية المطلوبة من أي مواطن أرميني هي نفسها المطلوبة من أرمن الانتشار الراغبين بالاستثمار أو العمل ومن أي مستثمر أجنبي.”

كلام بغداديان يُلاقي كلامَ نقولا أبو فيصل صاحب Gardenia Grain d’or  الذي أكد أن الحوافز كثيرة للاستثمار في أرمينيا وأن الكلام السائد في بعض الأوساط سلبي وبعيد عن واقع السوق. وقال أبو فيصل “منذ عام 2013 استثمرت في القطاع الزراعي ووصلت مساحة الأراضي التي زرعناها في منطقتَي كوتايك وتافوش،  إلى نحو 3 ملايين و500 ألف متر مربع فيها نحو 60 ألف شجرة من جوز البقان الأميركي، ويتوقع أن تصل الى 100 ألف عام 2025، وهي الأكبر في أرمينيا ومنطقة القوقاز ككل. ولخّص أبو فيصل العوامل المشجعة على الاستثمار بالقول “هناك أمن وأمان في مختلف أنحاء ارمينيا، ونحظى بتعاون استثنائي ومساعدة حثيثة تقدمها السفارة اللبنانية في يرفان إلى جانب المتابعة المباشرة الخالية من التعقيدات البيروقراطية من جانب الوزراء المعنيين، ونتعامل مع يد عاملة متعلمة وكفوءة وتتمتع بالخبرة الكافية” ويضيف “سياسة الانفتاح التي تتبعها الحكومة ستتيح لنا مستقبلاَ تصدير منتجاتنا مباشرة إلى روسيا وإيران وغيرها من دول الجوار من دون تسديد ضرائب ما يعني أننا نصل إلى سوقٍ فيها 250 مليون مستهلك” ولفت إلى أن وجود رحلات طيران مباشرة بين بيروت ويرفان يسهل على الصناعيين والمستثمرين حركة التنقل بين الدولتين.

يُشار إلى أن أرمينيا تصدّر إلى دول الجوار وأبرزها إيران وروسيا منتجات التبغ والأحذية والمنسوجات والمفروشات الخشبية ومنتجات الصيدلة والمجوهرات والمشروبات الروحية وقد أعلنت وزارة التنمية الاقتصادية الارمينية عن مشروع انشاء منطقة حرة على الحدود مع إيران في منطقة “ميغيري” لرفع مستوى التعاون بين البلدين. وحرصت أرمينيا على توقيع اتفاقات تجارية مع الشرق والغرب أي مع الاتحاد الأوراسي من جهة ومع الاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، لتنويع الأسواق التي تتعامل معها.

 

أرمن الشتات

يُقدّر عدد الأرمن في الشتات بنحو 8 ملايين يتركز أغلبهم في روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وجورجيا ولبنان وسوريا. يُعامَلون في هذه الدول كمواطنين بالحقوق والواجبات، وفي بعضها يشاركون في الحياة السياسية ويحظون بتمثيل خاص بهم. غير أن الحفاظ على صلة مع الوطن الأم، بقي مبدأً ثابتاً لم يتخلَّ عنه الأرمن منذ قرن من الزمن.

عام 2007 أقرّ البرلمان الأرميني قانوناً لمنح الجنسية لأرمن الشتات، ويشترط القانون أن يكون الفرد قادراً على “التعبير عن نفسه باللغة الارمينية للحصول على الجنسية ويُسمح له الحفاظ على جنسيته الأخرى”. القانون يشمل أيضاً “الاشخاص المتزوجين بمواطنين أرمن، والاشخاص الذين أدّوا خدمات خاصة لأرمينيا، وكل من يكون أرمنياً في الاصل”.

وفي هذا السياق أوضح هاكوب نازيريان، شاب لبناني-أرميني يعمل في صناعة المجوهرات، أنه حصل على الجنسية الأرمينية منذ 3 سنوات وأن دوافعه كانت عاطفية ووطنية مرتبطة بالحنين إلى الوطن الأم والرغبة بالحفاظ على صلة به. لم يكن مهتماً بالسفر للعمل أو الاستثمار يومذاك، لكنه سمع كثيراً عن استثمارات كبيرة وناجحة لذلك قد يفكر بالاستثمار هناك إذا توافرت الظروف الملائمة له. يقول “إجراءات الحصول على الجنسية سهلة وخالية من التعقيد وكل ما طُلب مني هو شهادة معمودية باللغة الأرمينية، إستمارة عن البيانات الشخصية باللغة الأرمنية، 8  صور شخصية، إفادة زواج إذا كان أحد الزوجين يحمل الجنسية الأرمينية مصدقة من وزارة الخارجية اللبنانية، صورة عن جواز السفر اللبناني”، وأضاف أنه قد يسافر لفترة قصيرة للخضوع لدورة تدريبية عن الأحجار الكريمة لكون صناعة المجوهرات مزدهرة هناك وأنه بعد فترة من الزمن قد يترك لبنان نهائياً ليمضي فترة تقاعده في وطنه الأم.

من جهته لفت بيار بغداديان إلى أن مسألة الحصول على جنسية أرمينية تلعب دوراً كبيراً في تسهيل شروط الإقامة والعمل وقال إن “الأرمن في دول الانتشار مؤهلون للحصول على الجنسية الارمينية من دون اي تكلفة او شروط تعجيزية ما يجعل الحصول على الجنسية أكثر سهولة من الحصول على تأشيرة سفر إلى أوروبا”.

يُذكر أن رئيس حكومة أرمينيا السابق كارين كارابيديان وجّه نداءً إلى أرمن الشتات في شباط فبراير 2016 ونشر رسالته لهم في عدد من الصحف الأرمينية، لدعوتهم إلى “المشاركة في بناء مستقبل الوطن” في ظل إصلاحات سياسية واجتماعية داخلية تسعى الحكومة الحالية إلى إنجازها. وقال كارابيديان في رسالته “إننا ندعو الإداريين والفنانين والأدباء ورجال العلم والتربية في المهجر، ولا سيما أولئك المعروفون دولياً، للمشاركة في الإصلاحات الجارية في البلاد، وذلك قبل كل شيء، لجلب ثقافة إدارية جديدة وتسخير القدرات والإمكانات لخدمة الأهداف العامة”.

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!