الغرابة في عودتكم للترشح…بعد الخراب


د. ناجي قديح

عبر الكثيرون عن الإستهجان والإستغراب، ولا سيما بعض قوى السلطة، للعدد الكبير من المرشحين للإنتخابات البرلمانية في لبنان هذا العام، حيث بلغ 976 مرشحا، بينهم 111 سيدة.

من يتابع الأوضاع اللبنانية خلال العقود الثلاثة الماضية وحتى اليوم، ربما عليه أن يرى غرابة في عودة النواب الـ 128 للترشح من جديد، بعدما أنجزوه من خراب في البلد، طبيعة ودستورا وقانونا واقتصادا ومؤسسات. هؤلاء الذين يتوزعون على قوى وأحزاب وتيارات وحركات وكتل السلطة السياسية، التي تمسك بحكم لبنان منذ بداية التسعينات. هذه القوى، ممثلة بمن تعاقبوا على مقاعد البرلمان اللبناني، ومن ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، أو عن أقاربهم الذين رحلوا.

لا غرابة بأن نشهد هذا الإقدام على الترشح للإنتخابات. وهذا برأينا، لا يعود بالضرورة للقانون الجديد وحده، الذي اتسم بنسبية محدودة ومشوهة، ومضروبة بتعدد الدوائر، وبتفصيلها حسب مصالح قوى السلطة في كل المناطق، ومضروبة أيضا بالصوت التفضيلي على مستوى القضاء، الذي عطل إلى حد كبير معظم إيجابيات تلك النسبية الهشة المستحدثة في القانون. بل يعود هذا الإقدام الواسع والمتنوع بشكل أكبر إلى الفشل الذريع، الذي حققته السلطة السياسية بكل قواها، في كل مناحي وقطاعات وأوجه حياة البلد والشعب، منذ مطلع التسعينات وحتى اليوم. فضاق الشعب ذرعا، ولا سيما أجيال الشباب، بما أوصلت هذه السلطة لبنان إليه، من أزمة شاملة، بلغت حد شفير الإنهيار الكامل على كل المستويات.

هذه السلطة، لم تنجح في تطبيق الدستور، واحترام مضامين الوفاق الوطني، الذي بنيت عليه الجمهورية منذ اتفاق الطائف. كثيرة هي المواد الدستورية، التي جرى تجاهلها والإمتناع عن احترامها وتطبيقها، والتحفظ على السير بوضع آليات تنفيذها، والتخلف عن العمل على تسيير الحياة السياسية في لبنان على ضوء مقتضياتها.

هذه السلطة فشلت في ممارسة الحياة الديمقراطية البرلمانية، التي ينص عليها الدستور. فقضت على المعارضة الحقيقية في البرلمان. حيث الحكومات هي نسخة مصغرة عن البرلمان، يتمثل فيها كل أو معظم القوى والكتل والأحزاب، فغابت المعارضة، ومسخت المراقبة والمساءلة والمحاسبة، وأصبح “حاميها حراميها”، يغطي بعضهم على البعض الآخر، ويمرر البعض للبعض الآخر، ويسكت البعض على صفقات البعض الآخر. يلجأ بعض قوى السلطة، في البرلمان والحكومة، لانتحال صفة “المعارضة” من وقت لآخر، بهدف امتصاص نقمة الشعب، ولتشويه الحياة السياسية الديمقراطية السوية، ولمنع قوى المعارضة الشعبية الحقيقية من التشكل، ومن لعب دورها في لجم الفساد، وتجاوز الدستور والقوانين والتشريعات، المنظمة لعمل كل قطاعات الدولة والمجتمع.

هذه السلطة، هي السباقة إلى مخالفة القوانين، وضربها عرض الحائط. وهي أكثر من استهتر بتطبيق القوانين ومندرجاتها، وأكثر من مارس الإلتفاف عليها، لمراعاة مصالح الفئات المكونة لها، في البرلمانات والحكومات على حد سواء. وقد تجلى ذلك بأبشع صوره، في السياسات البيئية، التي تمنعت الحكومات عن وضعها، وفي الخيارات السيئة والفاشلة التي اعتمدتها، تحقيقا لمصالح فئوية ولمراكز قوى، داخل السلطة وخارجها، من الأزلام والمحاسيب والأتباع.

هذه السلطة دمرت موارد لبنان الطبيعية، ونهشت الجبال والهضاب بطرق مخالفة للقانون، أو بوسائل الإلتفاف عليه في مجال إعطاء التراخيص، وفي مجال المراقبة وتطبيق الشروط. فكان أن جبالا هشمت ونهشت، وأخرى شوهت، وبعضها زال إلى غير رجعة، آخذا معه مساحات واسعة من غابات الصنوبر والسنديان والغطاء الأخضر.

هذه السلطة تسببت سياساتها بتلويث فظيع للموارد المائية السطحية. هذا نهر الليطاني وبحيرة القرعون يصرخان في وجوه كل نواب ووزراء القوى السياسية، التي تعاقبت على وزارة الطاقة والمياه، وقبلها وزارة الموارد المائية والكهربائية، ووزارة البيئة، ووزارة الصناعة، ومصالح المياه، ومجلس الإنماء والإعمار، والقوى التي احتكرت إدارة البلديات وتربعت على مجالسها المتعاقبة.

هذه السلطة تسببت سياساتها وخياراتها الفاشلة بخراب شامل، حيث تجاهلت كل معايير حماية البيئة والموارد الطبيعية، التي تنص عليها القوانين اللبنانية، وفي مقدمتها قانون حماية البيئة رقم 444 للعام 2002، والتي تنص عليها المراسيم المتعلقة بالإدارة البيئية، وبالتقييم البيئي الاستراتيجي، وبتقييم الأثر البيئي للمشروعات، العامة منها والخاصة. لقد ظهر القطاع العام، أي الحكومات المتعاقبة والوزارات المعنية بالمشاريع التنموية ومجلس الإنماء والإعمار، الذي يتولى القيام بكل شيء، كأكبر مخالف للقوانين والمراسيم البيئية، وأكثر الضاربين بعرض الحائط لكل مضامينها، وأكثر المستهترين بمصالح الشعب اللبناني باستدامة بيئته وموارده الطبيعية، وبحماية صحة شعبه، وبالحفاظ على ما أؤتمنت عليه في حسن إدارة المال العام.

هذه السلطة فشلت في تحقيق أي تنمية حقيقية، فهدرت مئات الملايين، بل مليارات الدولارات، على مشاريع لا مردود تنموي فعال لها. هذه مشاريع الصرف الصحي، المثل الصارخ على الفشل في الرؤية والتخطيط والتنفيذ والنتائج. شبكات تصب في البحر، حتى بلغ عدد مصبات المياه المبتذلة على طول الشاطيء اللبناني، الذي لا يزيد عن 220 كلم، أكثر من 57 مصبا، وهذا العدد بازدياد مستمر. وشبكات أخرى تصب في الأنهر والوديان مهددة الثروة المائية، السطحية والجوفية بمخاطر التلوث المدمر، الذي يعطل فرص الإستثمار المجدي والإدارة السليمة للموارد المائية في لبنان. ومن جهة أخرى، محطات المعالجة المفترضة هي بوضع مزر، حيث أنها إما عاطلة عن العمل، وإما هي محطات لتمر فيها مياه الصرف الصحي “ترانزيت” وتضخ في أنابيب لبضعة مئات الأمتار في البحر.

هذه السلطة فشلت، وهي تمعن في الفشل المفضوح بتأمين الطاقة الكهربائية للشعب اللبناني وقطاعاته الإقتصادية. هذه السلطة استثمرت في أزمات لبنان، وأنجبت نماذج من قطاعات هامشية طفيلية أشبه بـ”المافيات”. هذا قطاع الطاقة الكهربائية نموذجا صارخا. فبدل أن تقوم البرلمانات والحكومات المتعاقبة، بوضع استراتيجيات وخططا لإقامة معامل إنتاج للطاقة الكهربائية مستخدمة الوقود الأحفوري والغاز، أو مرتكزة على الطاقة النظيفة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، ذهبت لاستئجار البواخر بكلفات تقارب كلفة بناء وتشغيل معامل إنتاج تلبي حاجة لبنان للطاقة الكهربائية لسنوات قادمة. وكذلك للسكوت على النمو الطفيلي لقطاع المولدات، وأحيانا رعايته، الذي يمعن تلويثا للبيئات السكنية لعموم اللبنانيين، ونهشا للقمة عيشهم بفواتيره العالية وغير المنضبطة.

هذه السلطة فشلت في تنظيم قطاع إتصالات فعال وبكلفة معقولة. فالإتصالات الهاتفية، الأرضية منها والخليوية، هي الأسوأ والأعلى كلفة على المواطن. وكذلك قطاع الأنترنيت، فهي حتى الآن، الأسوأ والأغلى كلفة مقارنة مع كل بلدان المنطقة والعالم.

هذه السلطة فشلت في وضع سياسة مستدامة ومتكاملة لإدارة النفايات، كل أنواع النفايات، بل هي استثمرت بشكل مقرف في هذا الملف، ونهشت المال العام في خيارات مدمرة للبيئة والموارد الطبيعية، ومسببة لتدهور فظيع في الشاطيء والبحر والنهر والجبل والوادي. وهي بتمنعها عن وضع السياسات السليمة لإدارة هذا الملف، أسهمت في نمو عدد المكبات العشوائية كالفطر في كل ربوع لبنان. وهي التي سكتت على إغراق العاصمة بيروت، بكل شوارعها وأحيائها، وكذلك مدن وقرى كل لبنان، في النفايات لأشهر دون تحريك أي ساكن، ودون اتخاذ أي إجراء جدي. بل هي ذهبت للإستثمار المقزز في هذا الملف، عبر خططها الفاشلة وخياراتها المناقضة لأي معيار بيئي أو صحي، والمترافق بهدر كبير للمال العام، على حساب بيئة لبنان وصحة شعبه ولقمة عيشه ورفاه حياته.

هذه السلطة أمعنت في الإستهتار بصحة اللبنانيين، وتركتهم ضحية لا حول لها ولا قوة حيال المستويات غير المسبوقة لتلوث الهواء والمياه وسوء مراقبة المواد الغذائية، حيث سجلت في السنوات الأخيرة أعلى نسب الإصابة بالأمراض السرطانية، وغيرها من الأمراض المزمنة والمستعصية، في لبنان مقارنة مع بلدان المنطقة والعالم.

إن السياسات الصحية السليمة تقاس بمدى التحكم بأسباب التدهور الصحي وارتفاع المخاطر الصحية، وليس بزيادة موازنات الإستشفاء والطبابة. بل بالعكس تماما، كلما كانت موازنات الطبابة والإستشفاء عالية، فهذا يؤشر لانخفاض في درجة الأمان الصحي للشعب، وبدرجة حمايته من مخاطر المرض، والموت المبكر. هذا إضافة إلى الهدر والفساد المستشري في قطاع الصحة أيضا، أسوة بكل القطاعات الأخرى للدولة.

هذه السلطة فشلت في بناء إدارة الدولة، بل هي أمعنت في ضربها وتهميش دورها، لحساب إدارات بديلة وموازية، قوامها المستشارون، وهيئات ومجالس تعمل خارج رقابة قانون الموظفين والمحاسبة العمومية.

هذه السلطة فشلت في استنهاض التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية، بل أمعنت في إفراغها من عناصر القوة، التي راكمتها عبر العقود الماضية. فضربت فيها المعايير الأكاديمية لحساب الإستزلام والزبائنية، فتدهور مستواها، الذي كان في السابق فخرا لمدارس المعارف والجامعة اللبنانية في جامعات العالم. وهي لا تزال تمعن في تهميشها لحساب قطاع التعليم الخاص في كل المستويات، المرتبط بالطوائف والمذاهب والملل.

هذه السلطة أفقرت الشعب وعطلت مقومات النهوض الإقتصادي بتغييب السياسات الإقتصادية وتنمية القطاعات المنتجة، لحساب الإقتصاد الريعي، الذي يفقر اللبنانيين، ولا يؤمن فرص عمل للمتخرجين والمهرة من الشباب اللبناني. هذا النهج المتوحش يكاد يفرغ لبنان من قواه الشابة، التي تضطر للهجرة بحثا عن فرص العمل والعيش الكريم.

هذه السلطة فشلت في وضع خطة وطنية للنقل، فغرق البلد بزحمة السير. ذلك لغياب التخطيط الذكي، المرتكز على رؤية وفلسفة شاملة للتنمية المستدامة. ليس بالأوتوسترادات وتوسيع الطرقات نبني سياسة نقل مستدامة. بل بتنويع وسائل النقل، واعتماد خطط للنقل العام، والنقل المشترك داخل المدن وما بين المدن، واعتماد خطوط السكك الحديدية والخطوط البحرية لنقل البضائع والركاب، ووضع سياسة متكاملة للنقل تخدم الشعب والإقتصاد، وتخدم التنمية الحقيقية للبلد.

هذه السلطة السياسية فشلت في تحقيق استقلال السلطة القضائية، أساس العدالة الحقيقية والمساواة بين المواطنين أمام القانون. إن استقلال السلطة القضائية ورفع الوصاية عنها والتدخل في شؤونها، شرط ضروري لا بديل عنه لتحقيق العدالة، والإنطلاق في رحاب التقدم والتحضر والنمو الإقتصادي والثقافي، ولتحقيق الحرية، شرط الوجود الإنساني الكريم والعزيز.

هذه السلطة فشلت في وضع سياسة سكنية عادلة ومستدامة لأجيال الشعب اللبناني. بل أمعنت في إبقاء هذا القطاع الهام رهينة للمضاربات العقارية، وخاضعا لمعايير الربح السريع، لا لمعايير تلبية الحاجة الإجتماعية والإنسانية للسكن. وأبقت الباحثين عن مسكن مستقر ولائق في وضع هش وغير مضمون حيال سياسات الإيجار والإقراض والإسكان.

بعد كل هذا، أتستغربون لماذا يقدم الشباب اللبناني، بكل قواه وفئاته وتنظيماته وأحزابه ومجموعاته المعارضة، التي اكتوت بنار سياساتكم الفاشلة على مدى عقود، للترشح بغاية إحداث تغيير، ولو جزئي، في تركيبة هذه السلطة السياسية، المسؤولة فعليا عن كل ذلك الفشل والتدهورالشامل؟

في الحقيقة، إن الإستغراب مستحق لعودتكم للترشح من جديد، ومعكم أبناءكم وأتباعكم وحاملي نهجكم، متوافقين ومتحالفين ومتعاونين لصد أي أمل بالتغيير، متجاهلين ما سيحقق ذلك من نتائج خطيرة على مستقبل لبنان، بلدا وشعبا ومؤسسات، وعلى موارده الطبيعية والبشرية، ومستقبل أجياله

(ينشر باتعاون مع موقع greenare.me)

comments powered by HyperComments

Author: Firas M

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!