الدفاع لدى محكمة الحريري تستعد لعرض قضيتها: فرق جاهزة وأخرى في منتصف الطريق


حكمت عبيد

تستأنف غرفة الدرجة الأولى لدى المحكمة الخاصة بلبنان (محكمة الحريري)، جلستها التمهيدية الثانية المخصصة لفرق الدفاع لدى المحكمة، قبل ظهر يوم الإثنين الواقع فيه 19 آذار الجاري.

الجلسة تعقد بموجب المادة 128 (المهام التي يمكن ممارستها بعد تقديم المدعي العام للأدلة) والتي تنص على انه بعد انتهاء المدعي العام من تقديم أسباب الإدانة وإذا قرر الدفاع تقديم أسبابه، تأمر الغرفة الدفاع بإيداع المستندات التالية:

  • قائمة بأسماء الشهود الذين يعتزم الدفاع دعوتهم وهي تتضمن: اسم أو لقب كل شاهد من الشهود؛ ملخص للوقائع التي يتوقع أن يدلي بها الشاهد؛ بنود قرار الإتهام التي بتوقع أن يشهد الشاهد حولها بما في ذلك الإشارة تحديدا إلى فقرات الإتهام والمقاطع المهمة في قرار الإتهام؛ العدد الإجمالي للشهود وعدد الشهود الذين يتوقع أن يشهدوا لمصلحة كل متهم وحول كل فقرة إتهامية؛ الإشارة إلى ما إذا كان الشاهد شخصيا و بموجب المواد 93، 123،124، 125، 155، 156، 157، 158؛ المدة المقدرة للإستجواب الرئيسي لكل شاهد والمدة الإجمالية المقدرة لتقديم أدلة الدفاع.
  • قائمة بوثائق الإثبات التي يعتزم الدفاع تقديمها مع التوضيح كلما أمكن ذلك ما إذا كان المدعي العام يعترض على صحتها. يسلم الدفاع المدعي العام نسخا عن وثائق الإثبات المذكورة في القائمة.

وتصدر الغرفة بعد هذه المرحلة مباشرة، بموجب المادة 129 قرار:” تطلب فيه إختصار المدة المقدرة للإستجواب الرئيسي لبعض الشهود أو جميعهم؛ تحديد عدد الشهود الذين يجوز للدفاع دعوتهم؛ تحديد الوقت المتاح للدفاع لتقديم الأدلة.

ما هو واقع فرق الدفاع في ضوء ما كشفته الجلسة التمهيدية الأولى التي عقدت في 8 آذار الجاري، وفي ضوء الآداء العام للفرق في المرحلة السابقة؟

لا شك أن فرق الدفاع بذلت ما بوسعها، في حدود الإمكانات المتاحة لها من المحكمة وعلى أرض الواقع.

فإمكانات المحكمة ومواردها لم تكن سخية على فرق الدفاع، كما أن التعاون بين هذه الفرق وبين بعض مؤسسات الدولة اللبنانية كان متأرجحا، وفي العديد من الحالات كان شبه معطل، وقد إضطرت الغرفة الأولى للتدخل في عدة حالات للضغط على دوائر الدولة لتلبية طلبات الدفاع.

ومن المعوقات التي واجهت فرق الدفاع أيضا، قاعدة قد تنطبق على القضاة أنفسهم، وهي أن غالبيتهم أبناء بيئة غريبة عن البيئة التي يعملون ضمنها. فلا هم يدركون الطبيعة السياسية اللبنانية وخصوصيتها ولا طبيعة تكوين النظام في لبنان ولا السلطة بشقيها الحاكم والمعارض، ولا طبيعة أحزاب السلطة التي هي طبيعة طائفية ومذهبية تتماهى مع طبيعة النظام، ولا هم يدركون القيم والمعاني والطبائع الاجتماعية، ولا يدركون حقيقة أن السياسة عندنا أشبه بدولاب، وأن السياسيين أقرب إلى رجال يعملون في سيرك لكل منهم عدة وجوه، وهم مهرة في اللعب على الحبال، وانهم لاعبون محترفون في مجالآت السحر والخفة والشعوذة.

تعلّق المباديء متى كانت لا تخدم مصلحتهم، يجاهرون بمخالفة جهة ما ويرسلون للجهة ذاتها رسائل ود من تحت الطاولة، يستسهلون التعامل مع عدو لمصلحة تأبيد سلطتهم، ولا يخجلون من المجاهرة بالدعم الخارجي، حتى ولو كان دعما لمشروعهم الفئوي على حساب مصلحة الوطن ووحدته واستقراره.

من المعوقات أيضا، أن بعض المحامين في فرق الدفاع يرون بالمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي عندنا “إرهابا”، ويرون في الوجود السوري في لبنان، على ما إعتمله من تزلف ودناءة لبنانيين ومن أخطاء لبعض القادة الفاسدين في سوريا،  (تبين لاحقا أنهم شركاء لأرباب النظام اللبناني)، إحتلالا…

ومن المعوقات، أنها لم تتوافق على إستراتجية واحدة. بعضها لا يعتبر نفسه معنيا بتقديم رواية بديلة عن رواية التي كتبتها الولايات المتحدة الأميركية ورسمت خيوطها لجنة التحقيق الدولية ودعمتها أجهزة مخابرات عربية وتبناها الادعاء لاحقا.

ومن المعوقات أيضا، أن قضاة الغرفة الأولى يتبنون الرواية السياسية التي قدمها المدعي العام، وصارت الأدلة شيء من المستلزمات الشكلية طالما أنها ظرفية وغير مدعمة بما يكفي من قرائن.

الغرفة الأولى وتحديدا رئيسها القاضي دايفد راي، مارس صلاحياته من موقع هو أقرب ليكون موقع المدعي العام، لا القاضي الحيادي.

وآخر هذه الممارسات إلزام فرق الدفاع للبدء بتقديم قضيتهم وبعض هذه الفرق لا يزال في طور التحقيقات وينتظر قرارات من الغرفة بشأن عدة طلبات جرى تقديمها منذ مدة، ولا زال ينتظر أجوبة من جهات لبنانية وعربية واجنبية.

تتمسك الغرفة بالشكل تحت عنوان “ضمان محاكمة عادلة وسريعة”، وتقفز فوق المضمون الذي يعطي للدفاع حقوقا لا تقل بأهميتها وبضرورتها من تلك الممنوحة للإدعاء.

قد لا تبدو فرق الدفاع على نفس مستوى الجهوزية، وبعضها قد أتم ملفه من موقعه كفريق مكلف “حماية مصالح المتهم لا الدفاع عنه”، لكن الحقيقة أن الفرق بأكملها تشعر بعبئي المسؤولية التاريخية في ظل عدم توازن بين جهتي الادعاء والدفاع.

حتى الآن يشعر بعض الفرق بأن عدم الإستجابة لطلباتهم، والتعامل معها بمعيار مختلف عن المعيار الذي جرى التعامل به مع طلبات الادعاء، هو بمثابة الإنحياز الصريح لجهة دون أخرى.

الفريق المكلف عن المتهم عياش “لن يستدعي شهودا ولن يضيف الى ادلته دليلا جديدا وسيذكر كل الحجج التي بين يديه في المذكرة الحتامية”، ويتعامل رئيس الفريق المحامي اللبناني – الدولي إميل عون بثقة عالية بما لديه من أدلة حصل عليها من جعبة الادعاء.

أما فريق المتهم مرعي، ففريقه يتنظر نتائج بعض التحقيقات التي يجريها ولا يعلم ما إذا كانت النتائج سلبية أم إيجابية ولذلك فإنه يتحفظ الآن عن تقديم قضيته.

أما فريق عنيسي الذي غاب أركانه عن جلسة النظر بتبرأة المتهم عنيسي الذي تقدموا به أمام الغرفة الأولى، وهو أمر كان موضع إستغراب القاضي راي ووصفه “بالغامض”، حاول تأجيل الجلسات التمهيدية رغبة منه بتقديم طلب إستئناف لقرار الغرفة الأولى برفض طلب التبرأة ولمزيد من التحضير لملفه.

والحال هذا ينطبق على فريق المتهم أسد صبرا الذي يعمل على إستراتجية بديلة قوامها إتهام سوريا! ففريق صبرا ” في الوقت الراهن ليس في موقع يسمح له أن يقرر ما إذا كان سيعرض قضيته، وهو قد أودع الغرفة 7 طلبات لا زالت عالقة”.

لا توافق الغرفة على حجة فريق صبرا، ويقول القاضي راي أن الغرفة تعتبر أنه بعد مرور شهر على إختتام الادعاء لقضيته بإستطاعة فريق الدفاع عن صبرا اتخاذ قرار تقديم قضيتهم، وأن كل الطلبات التي تقدموا بها أمام الغرفة قد منحت أرقام بينات مؤقتة وفقا للأصول.

الشك بنية فرق الدفاع بإطالة أمد المحاكمات وتمييعها، قائم من قبل القاضي راي، وهو لذلك يضغط على هذه الفرق لوضع أجندة سريعة لعرض قضيتهم، حتى يتسنى له إصدار الحكم الأولي مع نهاية العام الجاري، دون المس بحقوق المتهمين والحرص على نزاهة الإجراءات وعدالتها كما يدعي!

ماذا ستحمل الجلسة التمهيدية المقبلة؟ وهل ثمة مفاجآت على صعيد إعلان أسماء شهود الدفاع؟ وهل ثمة رواية أخرى ستظهر خيوطها غير رواية المدعي العام؟ وهل ستأمر الغرفة بالتوسع ببعض الخيوط والأدلة المادية التي ظهرت في أدلة الادعاء وتشير بوضوح لتورط مجموعة من “القاعدة” في إغتيال الحريري وبإخفاء أبو عدس؟؟

الأجوبة ستحملها الأيام القليلة القادمة.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!