ثلاثة عشر عاما على إغتيال الحريري: محاكمة سياسية بأدوات قضائية


حكمت عبيد

تمر الذكرى الثالثة عشرة لجريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الجاري، والمحكمة الخاصة بلبنان لا زالت في منتصف الطريق الجنائي.

إن الجهد الذي بذله مكتب المدعي العام لدى المحكمة الخاصة بلبنان لتركيب خلفية سياسية لجريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري، إنطلاقا من الخلاف السياسي الذي نشأ بين الحريري والقيادة السورية؛ يوازي الجهد الذي بذله المكتب لتوفير أدلة جنائية للجريمة.

وكما شاب تركيب سيناريو الخلفية السياسية لفرضية المدعي العام، نقاط ضعف عديدة، وإتخاذ الادعاء موقفا مسبقا لناحية جهة الإتهام، التي أشارت اليها الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها اللبنانيين منذ اللحظة الأولى للإغتيال؛ كذلك شاب عمل المحققين الميدانيين، نقاط وهن وعمليات تركيب وتوجيه لا تمت الى الإحتراف المهني بصلة.

وبعيدا عن المخالفات الدستورية الكبيرة التي ارتكبت في إقرار إتفاقية المحكمة وإنتهاك الأمم المتحدة سيادة الدولة اللبنانية وتجاوز دستور دولة ذات سيادة وسلطانها على أراضيها، خلافا لمنطوق ميثاقها، بحجة هيمنة دولة أخرى على القرار السيادي اللبناني، فإن الملابسات وعمليات تضليل التحقيق المنظّمة والممنهجة من قبل أطراف لبنانيين وجهات عربية ودولية، تدفع كل صاحب رغبة صادقة بالوصول الى الحقيقة وكشف الجناة ومعاقبتهم، إلى تساؤول عن أهداف وضع اليد الدولية على عمليات التحقيق التي بدأتها الأجهزة اللبنانية، والتي كانت وراء قرار إحتجاز الضباط الأربعة تعسفيا بتغطية واضحة من لجنة التحقيق الدولية المستقلة بالتشارك مع من كان قابضا على السلطة اللبنانية آنذاك.

كانت الأجهزة اللبنانية قد قامت بعمل إستثنائي في إطار التحقيق، وتمكنت مديرية المخابرات لدى الجيش اللبناني من حصر عدد من الشبكات الخلوية المشتبه بها، وبدأ القضاء اللبناني بتلمس بعض الخيوط الجادة، قبل أن يتدخل الجانب الدولي ويعيد خلط الأوراق بما يتناسب مع الإستهداف السياسي.

والحديث عن تدخل دولي سياسي في قرار إنشاء المحكمة، لا تجن فيه ولا مبالغة، فقد أقر رئيس المحكمة السابق القاضي أنطونيو كاسيزي بذلك عندما أجاب مرة على سؤال وجهته له شخصيا عن القرار السياسي لإنشائها، وقد أجابني حينها نعم ربما نحن وليد من أم وأب سياسيان لكننا الآن إطار قضائي صرف.

هل آداء المحكمة الخاصة وأقسامها يثبت ما ذهب إليه القاضي كاسيزي؟

التجربة تشير الى عكس ذلك، والطفل الوليد كان مطيعا لوالديه وتوجهاتهم.

  1. إن عمل لجنة التحقيق الدولية والذي تبناه لاحقا المدعي العام، كان عملا سياسيا بإمتياز، فرئيس اللجنة ديتلف ميليس حدد المتهم سياسيا وطلب من أعضاء اللجنة والمحققين “أن يعيدوا تركيب لوحة البازل على هذا الأساس”، وعندما ولم ينفع إعتراض بعض المساعدين لميليس “لإنعدام المعيار المهني”، ولتجاهله خيوط هامة أخرى، أكمل ميليس تنفيذ السيناريو الجاهز ولم يكترث لخيوط أخرى بدأت تتكون لدى المحققين، وبدأ ميليس يتلقى التقارير والشهود من أجهزة عربية معروفة بعدائها لسوريا ولحلفائها اللبنانيين وبالتحديد لحزب الله، الحزب الأكثر فاعلية ضد الإحتلال الإسرائيلي.
  2. لم يتحمل بعض المساعدين آداء رئيسهم وإستقالوا قبل أن يكملوا سنتهم الأولى. خاصة بعد أن رفض ميليس التوسع بالتحقيق مع أحد الضباط الذين كانوا معنيين بأمن الرئيس الحريري وكذّب خلال جلسة مساءلة طبيعية مع لجنة التحقيق في المونتفيردي. ولم يسمح ميليس بمواصلة التحقيق معه لمعرفة الأسباب التي دفعت الضابط المذكور الى الكذب بشأن غيابه عن العمل في 14 شباط 2005 والكذب بشأن هاتفه وامور أخرى، وأمر بالتوقف عن إستجوابه وتركه حرا.
  3. بنى المدعي العام على مسار آحادي حدد له، فأهمل شهادات ووثائق مهمة، وبدلت شهادات واطلق سراح مشتبه بهم وموقوفون من جنسيات عربية كانوا قد إعترفوا بمشاركتهم بالجريمة. ولعل الجلسة الأخيرة التي إختتم خلالها المدعي العام قضيته كشفت جانبا مهما من هذه الوقائع المتصلة بالسلفي أحمد أبو عدس.
  4. إستدعى المدعي العام عدد من الشخصيات السياسية ليؤكد على سيناريو الخلفية السياسية، فقالوا ما يطلبه الادعاء ويخدم قضيته السياسية ولا يخدم بالضرورة قضية الحقيقة.
  5. الإستثناء الوحيد كانت شهادة مستشار الرئيس الحريري، الراحل مصطفى ناصر التي يمكن إعتبارها الشهادة الأهم وذات قيمة جنائية عالية. فالراحل كان المستشار اللصيق للحريري واذنه وسره وكاتب محاضر إجتماعاته والمكلف بالمتابعة لاحقا. تحدث ناصر عن أمور خبرها مباشرة من داخل غرف الإجتماعات التي كانت تمتد الى ساعات الفجر الأولى، خلافا لكل الآخرين الذين تحدثوا عن تقديراتهم وبعضهم تحدث عن أمنياته والبعض عما سمعه بالتواتر…
  6. تشهد السيدة نازك الحريري على صحة مضمون كلام ناصر، وقد تفاعلت عفويا مع شهادة ناصر وأبلغت كل من يعنيهم الأمر بأن شهادة ناصر صادقة، فهي كانت جليسة الرجلين عند عودتهما وشروعهما بتقييم الجلسة على طاولة السفرة…
  7. أحداث كبيرة ومهمة مرت على لبنان خلال ممارسة الرئيس الحريري الشأن العام، وتسلمه منصب رئاسة الحكومة، وكان عقلانيا في مواقفه ورجل دولة ورجل حوار، لا يحبذ العنف في مقاربته للأزمات، وكانت علاقته برئيس المجلس النيابي ممتازة وكأنهما يتكاملان عن قصد وعمد، وعلاقته بالأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على قدر عال من الثقة المتبادلة والرقي، وهو لطالما اكد للسيد نصرالله انه المظلة الأقوى للمقاومة طالما أن مبررات وجودها والحاجة اليها قائمة، ويقابله السيد نصرالله بتقدير الحاجة إليه في لبنان لخدمة وحدته وإستقراره ومواجهة الأخطار المحدقة به، لاسيما بعد أن بدأت المنطقة تشهد تحولات ديمغرافية خطيرة، وبدأت جهات دولية بالترويج والتسويق لمخطط يهدف لإثارة الفتنة الطائفية في المنطقة ولبنان ضمنا، والشواهد على ذلك عديدة من العراق، مصر، سوريا ولبنان… والأسئلة المشروع هنا: هل كان للإغتيال صلة بما جرى بعدها من تطورات امنية على خلفية مذهبية؟، وهل كان الحريري بإعتداله ومواقفه يرفض ما يخطط له في المنطقة وإن كانت بعض الدول العربية الصديقة للحريري شريكا بذلك؟ وما مدى تأثير موقف الحريري هذا على مصالحه وعلى حياته؟ وهل أن ما جرى مع الرئيس سعد الحريري مؤخرا يعكس بالضرورة أسلوب التعامل مع من يخالف التوجهات؟؟
  8. إن زيارة وفد قيادي من حزب الله الى العاصمة السورية، عشية الإغتيال، كانت بمسعى من قيادة حزب الله لوضع حد للتباين الحاصل بوجهات النظر بين الحريري والجانب السوري، وهذا المسعى ما كان ليحصل لو لم يصل نصرالله والحريري الى تفاهم جدي حيال القضايا المتنازع بشأنها.
  9. وفي الجانب التقني، وبحسب تقارير خبراء الادعاء وإفادات شهوده، فإن المعطيات تشوبها ثغرات كبيرة.
  • لم تحسم ما إذا كانت الشاحنة التي مرت من نفق بشارة الخوري هي ذاتها التي عادت وظهرت، وقيل أنها السيارة المنفجرة.
  • لم يكشف مصير الكاميرات التي كانت في عدد من الأماكن الواقعة بعد موقع الإنفجار…
  • لم يثبت الشهود أن المتهم عياش هو من اشترى الشاحنة التي فجرت، ففي حين تحدث الإدعاء عن إتصال بين عياش والمتهم الراحل، مصطفى بدر الدين لأخذ موافقة الأخير على السعر المطروح للسيارة، نفى الشاهد الأساسي المتصل بهذه الواقعة، أن يكون الشخص الذي فاوضه على شراء السيارة قد أجرى أي إتصال، والسؤال البديهي هنا، كيف لمجموعة تخطط لإرتكاب جريمة بهذا الحجم أن تناقش، هاتفيا، بمسألة شكلية وبسيطة كثمن السيارة، حتى قال أحد الساخرين، ” لا بد وأن بدر الدين وعياش قد ناقشوا واختلفوا على لون الميتسوبيتشي…”.
  • أما تحليل داتا الاتصالات ومجالات اللعب فيه كبيرة، فمن الأفضل أن تترك للخبراء، سيما وأن الادعاء لم يؤكد حركة الأشخاص المتهمين بقدر ما عما على نسب هذه الخطوط لهم ولحركتهم الجزئية المرتبطة بتنقل الرئيس الحريري. هل هذا كاف للإتهام؟

ممكن، لكنه غير كاف للإدانة، إلا إذا أكملت المحكمة وظيفتها بالمحاكمة السياسية بأدوات جنائية.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!