أبعاد الأزمة في إيران.. بين المطالب الإجتماعيّة والحرب الأميركيّة


زياد ناصرالدين

بدأت المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة تأخذ أبعادًا جديدة بعد فصول المواجهات السياسيّة والعسكريّة المباشرة وغير المباشرة في الشرق الأوسط، وبعد الدور الأساسي الذي لعبته طهران في إسقاط مشروع الشرق الأوسط الجديد وحماية العراق وسوريا واليمن ولبنان من التقسيم، والحفاظ على القضية الفلسطينيّة رغم المحاولات الحثيثة للقضاء عليها.

وبات يمكن القول إنّ الحرب المفتوحة بين الطرفين أخذت منحى المواجهة الإقتصاديّة – الإجتماعيّة المباشرة التي قد تستمرّ لسنوات طويلة، ذاك أنّ واشنطن باتت تعلم جيّدًا أنّ قطار النمو في الجمهوريّة الإسلاميّة قد انطلق وأنّ اقتصادها سيمضي في طريقه، ليضحى من أقوى اقتصادات العالم مع بداية العام 2023.

وقد لا نحتاج للتذكير بأنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصف الأمّة الإيرانيّة بـ”الإرهابيّة”، ولا يختلف اثنان على أنّ القوميّة الإيرانيّة، أضف إليها الروحيّة الشيعيّة، تشكّل مضادًا حيويًّا للسياسة الأميركيّة.

ويبدو أنّ الأميركيين وحلفاءهم الهواة يحتاجون إلى الكثير من التعاليم الخاصّة في الهويّة القوميّة والمركِّبات الإنتمائيّة، نتيجة غياب عقيدة الإنتماء للأرض عن تركيبة الولايات المتحدة. الهويّة نفسها لن يفهمها “مجاهدو خلق” الذين قاموا بحرق العلم الإيراني، فالإنتماء لا يُمكن أن يُعطى بالأوهام الأميركيّة.

فالشعب الإيراني لم ينسَ يومًا أنّ حُكم الشاه كان قائمًا على تقديم كل ثروات البلاد للخارج، فكان الإتفاق الشهير مع الإنكليز بإعطائهم إنتاج البلاد من النفط والغاز مقابل حماية النظام الحاكم. ولا تزال في الأذهان عمليّات التعذيب والقتل والتنكيل في سجون الشاه، بالإضافة إلى تحويله الأسواق الإيرانيّة إلى أسواق إستهلاكيّة دون أن يقيم اعتبارًا للإنتاج والقدرات الداخلية.

وفي ما يتعلّق بالمطالب الشعبيّة المحقّة، فأوّل ما يجب الإنتباه إليه هو عدم تحويل أي مطلب إجتماعي إلى خلاف سياسي، فالأخير يجب أن تكون دومًا صناديق الإقتراع الحكم فيه.

أما الأبعاد الحقيقيّة للأزمة التي تعرّضت لها إيران في الأيام الماضية، فتتنوّع بين إقتصاديّة وإجتماعيّة وسياسيّة.

  • البعد الإقتصادي:
  • إفلاس شركة عقاريّة تضم 160 ألف مستثمر بقيمة ماليّة تبلغ ثلاثة مليارات دولار، الأمر الذي دفع الناس للمطالبة بحقوقها، وهو بطبيعة الحال أمر مشروع ومحق.

إحترمت الدولة مطالب المودعين وصرفت الأموال لمعالجة المشكلة بسرعة قياسيّة. وللعلم فقط فإنّ المشاكل الناتجة عن الأزمة الماليّة التي حصلت في العام 2008 في الولايات المتحدة، والتي أدّت إلى إفلاس بعض المصارف فيها، لم تُحل حتى الآن.

  • الإعتراض الشعبي على اقتراح زيادة أسعار المواد الغذائية ورفع أسعار المحروقات، فتجاوبت الدولة وألغت هذين البندين.
  • دراسة الموازنة التي تعتبر الأكبر منذ انتصار الثورة الإسلاميّة، حيث ستبلغ الإيرادات المتوقعة 127 مليار دولار في العام 2018، مع الأخذ بعين الإعتبار أنّ نصف هذه الإيرادات يعتمد على النفط.
  • مشكلة الولايات المتحدة مع الإقتصاد الإيراني بسبب توجّهات طهران التالية:
  • رفض مشروع الخصخصة والعولمة الإقتصاديّة، والتوجّه إلى الإقتصاد الإنتاجي.
  • إستغلال الموارد الطبيعيّة مثل الزراعة والصناعة والنفط، للوصول إلى الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض إلى الخارج، ما يؤدي إلى رفع نسبة العملات الأجنبيّة الواردة إلى البلاد، وبالتالي زيادة في الاستثمارات وخلق فرص عمل جديدة للشباب الإيراني.

ويُسجَّل لإيران ركونها للموضوعيّة من خلال اعتماد التوجّه الإقتصادي الأخير، إذ التفتت إلى أنّ الإتفاق النووي لا يشكّل حلًّا سحريًّا لإقتصادها، وأدركت أهميّة أن تكون السياسة الإقتصاديّة مبنيّة على الإنتاج والصناعة والزراعة والمعرفة العلميّة، حيث تشكّل القوميّة الإيرانيّة وروحيّة النظام مصدر فخر للإنتاج الداخلي.

  • البعد الإجتماعي:

دائمًا ما تكون العناوين التي تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة عليها إقتصاديّة ذات لبوس إجتماعي، واللافت خلال الحركة المطلبيّة في إيران إدخال عنواين من هذا النوع للإستفادة من الأزمة، ومنها:

  • رفع مطالب متعلّقة بالفقر وغياب المساواة بين الفئات الإجتماعيّة ووجود نظام طبقي، وانتشار البطالة.
  • التشجيع على انتشار الجرائم والقتل والسرقة والإختلاس والفوضى الإجتماعيّة، التي تعتبر من القيم المصدَّرة من الخارج إلى الداخل تحت عنوان الديموقراطيّة، التي أصبحت مبتذلة ومكشوفة ومنتهية الصلاحيّة.

أما طرق معالجة المشاكل الإجتماعية منذ انتصار الثورة حتى الآن فكانت:

  • العمل على توسيع الطبقة الوسطى، حتى باتت تشكّل 55 في المئة من المجتمع، وتُعتبر هذه النسبة المؤشر الأساسي على بناء اقتصاد حقيقي ذو نمو فعلي في المستقبل.
  • وجود رعاية صحيّة مجانيّة.
  • وجود تعليم مجاني عالي المستوى، يُعتبر مصدر فخر في إيران، التي صُنّفت بين العشرة الأوائل في العالم، والخامسة عالميًّا في تخريج المهندسين، كما انعدمت نسبة الأميّة بين كبار السن.
  • تحويل نقاط الضعف الإجتماعيّة في منطقة الشرق الأوسط إلى نقاط قوّة في الإقتصاد الإيراني.

كلّ ما سبق لعب دورًا في تفريغ العناوين الإجتماعيّة الخارجيّة من معانيها.

  • البعد السياسي:

تمثَّل البعد السياسي بالتدخّل الخارجي في الشؤون الداخليّة الإيرانيّة، وخير مثال على ذلك تصريحات ترامب منذ الساعات الأولى للتظاهرات في إيران، حيث قال: “خيرًا فطن الإيرانيّون إلى أنّ أموالهم تُسرق وتدعم الإرهاب، ويبدو أنّهم لم يتحمّلوا هذا الوضع لمدّة أطول”.

كلام الرئيس الأميركي ردّت عليه صحيفة “نيويورك تايمز” التي طلبت من ترامب ألّا يتحمّس كثيرًا في تصريحاته، لأنّه “يخدم الدولة الإيرانيّة بكلامه الذي يؤكّد وجود تحريض خارجي ضدها لدعم الفوضى والتخريب”.

بعدها اضطر ترامب إلى تعديل خطابه والقول إنّه “من حق الشعب الإيراني أن يتظاهر وإنّ الولايات المتحدة ستتدخّل في الوقت المناسب”. لقد تناسى زعيم البيت الأبيض تمامًا وصفه الشعب الإيراني قبل أشهر بأنه “أمّة إرهابيّة”!

ولا بد من الإشارة هنا إلى ضعف الرؤية السياسيّة لدى ترامب بما يخصّ الجمهوريّة الإسلاميّة، عكس سلفه باراك أوباما، الذي فهم أنّ الشعب الإيراني يعتزّ بقوميّته، بالإضافة إلى الروحيّة الإسلاميّة في النظام، ما يؤكّد أنّ العلاقة بين الإيرانيين وحكومتهم ليست جدليّة كما يحلو للبعض تصويرها، بل هي علاقة تكامل حقيقي.

الواضح اليوم أنّ هناك غرفة عمليّات خارجيّة، إعلاميّة وإجتماعيّة وإقتصاديّة وسياسيّة، تحرّض على العنف والإرهاب وزعزعة الإستقرار في مختلف المناطق الإيرانيّة، لكن ما غفل عنه مخططي مشروع الشرق الأوسط الجديد أنّ إيران التي خاضت العام الماضي انتخابات رئاسيّة شارك فيها 41 مليون مواطن من كافة شرائح المجتمع، أثبتت منذ تحرّرها من نظام الشاه ديموقراطيّة فاعلة في مواجهة سياسة أميركيّة فاشلة.

 

comments powered by HyperComments

Author: Firas M

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!