غابرييل عبد النور.. تينور بيروتي يغازل دمشق


حاوره: فادي نصار

يستحق بجدارة لقب “التينور”  من يُغني غناءً أوبرالياً على حرفٍ عربي، من يُغني بعشرِ لغاتٍ، ومن يُغنى مع كورال بحجم ألف مُنشد، شارحاً في مدى الصوت، فهمه العميق للموسيقى الراقية، مُبدعاً ضرباً من الغزل الموسيقي بين التراتيل البيزنطية والألحان الصوفية. الأصدق من ذلك كله أنه يستحق اللقب بصوته الرخيم الذي لا يكل ولا يمل مبرزاً رؤية “جبران” الحكيم الثائر الانساني، ومعترفاً بعشقه وهيامه  بالشآم، دمشقها وحلبها، كيف لا وهو مَن زَاوج قمر بيروت بنجوم جبل قاسيون .

“روسيا الآن” حاورت التينور اللبناني الشهير “غابرييل عبد النور”.

 

روسيا الآن:  ألبومك “جبران خليل جبران” أحدث ضجة كبيرة. أي من أفكار جبران كانت أقرب إليك ؟

غابرييل عبد النور : ألبوم “جبران” هو ألبومي الغنائي الأول باللغة العربية وفي الغناء الشرقي، تولّى تلحينه بمعظمه الموسيقار إيلي شويري. وقد اخترت سبعةَ نصوصٍ هي الأقرب إليّ من كتب “دمعة وابتسامة”، “البدائع والطرائف” و “العواصف”. في بداياتي تأثرت بجبران، النداوة والحب والحكمة في “دمعة وابتسامة” و “النبي”. أما الأن فأجد نفسي متقمصا جبران “العواصف”.. جبران الثائر والمتمرد… الرافض لكل أشكال العبودية.. فما يجري في إعلامنا العربي، (خاصةً اللبناني) وبرامجنا التلفزيونية وإذاعاتنا وما تبثه من أغنيات يومية لا تمت للرقي بأي صلة هو نوع من أنواع العبودية التي تتحكم بنا والتي أرفضها رفضاً مطلقاً.

 

روسيا الآن: كفنان ملتزم، هل يعتبر غبريال عبد النور، أن الهجوم الذي يجري على سوريا ولبنان والمنطقة ككل، يهدف الى تدمير الحضارة؟ وماهو دور الفن في محاربة هذا الهجوم؟؟

غابرييل عبد النور: مما لا شك فيه أن الحرب، ليست فقط عملية تفريغ لأسلحة المتوحشون الذين  يحكمون هذا العالم، على شعوب منطقتنا، إنما للحرب نتائج مدمّرة للإنسان الذي هو جوهر مجتمعاتنا. فالإنسان الذي يصبح همّه الوحيد لقمة عيشه كفاف يومهِ. والإنسان الذي يعيش يومياً كمشروعٍ استشهاديٍ، أوالذي ينتظر فقدان أحد أقاربه، جيرانه، أو زملائه. وذاك الانسان الذي ينتظر الساعة التي تنعم عليه المياه والكهرباء بزيارة ليقوم بأدنى متطلبات عيشه اليومي، كيف له أن يولي ثقافته إهتماماً؟. ناهيك عن هدف الحرب في التدمير الممنهج لحضارتنا ، فقدت عملت على جعلنا  ننسى فكرنا الغني بجميع الفنون والابداعات الفكرية والعلمية التي أهديناه إلى العالم.

 

ولهذا السبب أطلقتُ حملة “أنقذوا تراث حلب” عام 2012 كصرخة ووقفة ضمير وعودة بالذاكرة الى ما أصاب بيروت منذ العام 1975 ،وبغداد ومتحفها سابقاً، وحلب وتدمر وحمص القديمة لاحقاً، وغيرها من معالم أثرية هي ملك للبشرية جمعاء وليست فقط للساكنين في البلد.

 

روسيا الآن: في عز الحرب، زُرتَ سوريا أكثر من مرة وغنيت لها وفيها، ما هو سر هذا الحب بينك وبين سوريا، وخاصة دمشق؟ وفي أي خانة من قلبك تضع حلب؟

غابرييل عبد النور: لدمشق ذكرى تولد في لاوعينا، من خلال صوت فيروز، وشعر سعيد عقل وألحان الأخوين رحباني. فنغرق في عشقها لمجرد استماعنا ل “سائليني” و “قرأت مجدك” و “شام يا ذا السيف”.

علاقتي مع سوريا بدأت بأول أمسية غنائية أحييتها في حلب عام 2008، وأنا لم أكن أعرف سوريا قبل هذا التاريخ. ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة الحب والحنين والحج بين حلب ودمشق… بين دروب الياسمين وطرقات الشوق والحرير.. بين آذان أموي حلب ودمشق، وكنائس العزيزية وباب شرقي.. بين قاسيون وصيدنايا ومعلولا والشيروبيم، وفي ظل جبل الشيخ مع كل ما يحمل من أسرار المسيح في حرمونه.

كان يكفي أن يكون وحّدنا هذا الجبل المقدس، لكي أقدّم خمس أمسيات في مديرية الثقافة وكنيسة اللاتين في حلب، وأمسيات أخرى في دار الأوبرا وقصر العظم وكنيسة الزيتون في دمشق، بالإضافة الى أناشيد بصوتي في كنيسة حنانيا ومسجد بني أميّة.

كل هذا يكفي لأزور سوريا في وجعها، وأغنيها تحت أصوات القذائف والانفجارات لكي أعطي لإنسانيتى معنى أكبر. وقد غنّيت حلب في أغنيتين “مدينة تاريخية” كلمات ندى عبد النور، و “الشهباء الفاتنة” كلمات محمد كمال، ودمشق بأغنية “لكأني الشام” كلمات سهام الشعشاع وجميعها من ألحاني.

وأنا بصدد تلحين قصيدة رائعة للشاعرة والفنانة التشكيلية الكبيرة باسمة بطولي بعنوان “جارتنا الشام”، بالإضافة لأغنية جديدة مهداة لحلب سأفتتح بها  أقرب أمسية مقبلة لي في مدينة السحر. وقد زرت حلب في بداية ال 2018 وتأثرت جداً بما أصاب المدينة القديمة من دمار، وأتمنى أن أقدم أمسيات يعود ريعها لأعمال إعادة الإعمار في حلب، وكل أمنياتنا أن تتخطى سوريا هذا الكأس المر.

 

روسيا الآن: هل تاثرت بمدرسة موسيقية معينة سواء لبنانية أو عربية أو عالمية؟

غابرييل عبد النور: تأثرت بصوت جدتي “ليلى” منذ طفولتي. هي من شدت بأول نوتات سمعتها ويكفي أنها عرّفتني إلى أجمل صوتين غنائيين اسمهان ووديع الصافي. تخصصت في الغناء الأوبرالي العالمي، ولاحقاً تابعت دروساً معمّقة في الغناء الشرقي والتجويد. وحرصت على استعمال التقنيات العالمية في الأغنية الشرقية فقدمت أبحاثاً كثيرة في هذا الإطار لكي نخدم أغنيتنا ولا نسيء إلى مخارج الحروف العربية. كما درّبت أصواتاً عربية مهمّة.

سمعت وما زلت أستمع لأصوات كبيرة ترافقني في يومياتي، كأم كلثوم ،أسمهان، نور الهدى، سعاد محمد، ربى الجمال، محمد عبد الوهاب ، صباح فخري، صبري مدلل،  وديع الصافي،  صباح وفيروز وغيرهم.  وعالمياً أستمع الى لوتشيانو بافاروتي وماريا كالاس وإديت بياف وباربرا.. كما أستمع إلى أصوات رائعة ومبهرة من المغرب العربي وإلى أهم المؤذنين… لكن لا أعتبر نفسي أنتمي إلى أي مدرسة غنائية. أسلوبي خاص ويعتمد على تقنيات الصوت والمدى الواسع في الغناء والذي يطال تقريباً أربعة سلالم موسيقية، أغنيها بطريقة مباشرة على المسرح.

 

روسيا الآن:  ماهي معاناتك، كــ “تينور” مُبدع؟ وماهي العوائق أمام الفن في لبنان من وجهة نظرك ؟

غابرييل عبد النور: العائق الأكبر يكمن في السطحية التي تغزو وسائل الاعلام. فأنا لا أجد نفسي في برامج النكت والرقص والتهريج والتبصير والتنجيم. بالإضافة إلى شراء الهواء في معظم الإذاعات. ناهيك عن ندرة الصحافيين الفنيين القادرين على تقديم نقد موضوعي وعلمي. قد أعمم نعم ولكن يبقى هناك البعض من الصحافيين الفنيين والمسؤولين عن البرامج التلفزيونية والاذاعية الذين يسعون جاهدين لتقديم مادة اعلامية قيّمة.

 

روسيا الآن: غبريال عبد النور بين  غناء  الشعر الصوفي، وتراتيل الكنائس أين أنت حقيقةً؟

غابرييل عبد النور: أنا في كل عمل موسيقي يخدم صوتي وأبعاده ويخدم مجتمعي والقيم والفن. سعيت من البداية أن يكون لصوتي بعداً كونياً، إنسانياً، صوفياً وفكرياً. غنّيت بأكثر من عشر لغات وشاركت في أمسيات مرتبطة بالحوار الإسلامي المسيحي.

حملت وطني لبنان بصوتي في جميع الأمسيات التي قدّمتها عربياً وعالمياً. وارتبط صوتي بإنشاد النشيد الوطني اللبناني في أبرز المحافل الثقافية والرسمية في لبنان والخارج. وإطلاق ماراثون بيروت شبه السنوي منذ العام 2007. كما وأنشدت أناشيد مسيحية بيزنطية وسريانية وعالمية وأخرى إسلامية. غنّيت جبران وسعيد عقل وباسمة بطولي والياس ناصر وكنت أميناً للفن النخبوي الذي أقدمه.

وها أنا الأن بصدد انجاز ألبومي الخامس والذي سيتضمن نصوصا صوفية، أعلن عن تفاصيلها لاحقًا.

 

روسيا الآن: غبريال عبد النور كيف كانت ال 2017 وحدثنا عن أكبر حدث ميلادي بمشاركة كورال من 1000 ولد.. هل لك أن تحدثنا عن فكرة الحفل وماذا قدمت فيه، هل من جديد؟

غابرييل عبد النور: كانت سنة جميلة ومميزة على جميع الأصعدة. أطلقت خلالها أغنية وفيديو كليب “هالجندي البطل” المهداة للجيش اللبناني كلمات باسمة بطولي وألحاني، وأغنية وكليب “لي حبيب” من ألبومي الصوفي المقبل كلمات باسمة بطولي وألحان المؤلف الموسيقي العالمي عبدالله المصري، وقد تم تصوير الكليب في اسطنبول.

بالإضافة إلى حفل “جبران خليل جبران” في بيروت، ومهرجان الأغنية المسيحية العاشر في البترون، وأمسيات في فرنسا، ومسرح الأونيسكو في باريس، وفي روما بمرافقة خمسين عازفاً إيطالياً.

أما الحدث الأبرز لبنانياً وعربياً، فيكمن في غنائي الميلاد مع كورال من ألف منشد ومنشدة من ثانوية مار ضومط للراهبات الأنطونيات – رومية.  تعود الفكرة لمنسق حفلاتي والمسؤول عن صفحاتي عبر مواقع التواصل الإجتماعي السيد رامي فرح، وأنا سعيد للغاية بهذا الإنجاز الذي جمع ألف شخص في نغمةٍ واحدةٍ، ووقفةٍ واحدةٍ وإيقاع واحد.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!