سياق واحد من الحرب الإقتصادية على لبنان وصولاً الى إعلان ترامب حول القدس


كتب المحرر السياسي

شهر ونصف مرّ على بداية الحرب المالية والإقتصادية على لبنان. اليوم، يبدو أنّ هذه الحرب ربما جاءت في سياق مشروع أكبر. فما حصل في لبنان من جهة، وما حصل من محاولة في اليمن من جهة أخرى، يظهر أنّ الخطوتين جاءتا في سياق ترتيبات ومتغيرات كبرى في المنطقة. ربما يكون إعلان ترامب الإعتراف بالقدس “عاصمة أبدية” لـ “اسرائيل”، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب، يصبّان في السياق عينه.

لا شك أنّ إرباك الساحة اللبنانية يستهدف، إضافة إلى الإعتبارات والأسباب البيّنة، إرباك العنصر الأساسي في أي مواجهة مفترضة مع مشروع تصفية القضية الفلسطينية. فشل هذا المشروع، كما المحاولة التي حصلت في اليمن قبل أسبوعين، عزّز ربما شروط المواجهة، ودفع، بعد قرار ترامب، بالسيد حسن نصرالله الى الحديث عن استراتيجية موحدة لكلّ محور المقاومة، وإعادة الأولوية المطلقة للقضية الفلسطينية وإفشال مشروع التصفية المقترحة. وهو ما يفسّر بشكل أو بآخر موقف لبنان المتمايز في اجتماع وزراء الخارجية العرب، حيث حدّد وزير الخارجية جبران باسيل سقفاً أعلى من كل السقوف العربية في هذا المجال.

في ما خصّ لبنان، لا شكّ أنّه بعد شهر ونصف على المحاولة الفاشلة لإجراء انقلاب في البلاد، وفي ظلّ عدم توفر الشروط لقيام حرب عسكرية على لبنان بفعل ميزان الردع القائم، وفي ظلّ عدم توفر شروط حرب أمنية مردها حجم نشاط الأجهزة الأمنية اللبنانية والوضع السياسي الإيجابي الذي لا يشكّل اليوم بيئة حاضنة لأي عمل أمني، إضافة طبعاً الى المظلة الدولية التي حمت لبنان خلال الفترة الماضية؛ عطفاً على ما سبق، فإنّ عدم توفّر شروط قيام حرب عسكرية أو أمنية على لبنان أدّى الى أن يكون الإقتصاد هو الميدان الأساسي لهذه الحرب.

وإذا كان أصحاب الحرب على لبنان فشلوا في تحقيق نجاحات في المعركة الأخيرة، لقدرة لبنان على استيعاب تداعياتها، لكن لا بد من التأكيد أنّ هذه الحرب لا تزال مستمرة اليوم بأشكال مختلفة، منها التهويل، والضغط الناعم حيناً والفجّ أحياناً.

هذه الحرب يجب أن تواجه اليوم بمقاربة مختلفة، على أهمية المقاربة السابقة التي أثبتت نجاحها خلال الأسابيع الماضية.

لقد أثبتت هذه الحرب أن لبنان، خلال 25 سنة، مرّ بمحطات متعدّدة استُهدفت خلالها ليرته الوطنية واستقراره المالي والإقتصادي، وغالباً ما كانت الكلف عالية، فيما كنّا دائماً في مرحلة ردّ الفعل وليس الفعل. اليوم، بات لزاماً أنّ يتحوّل سلاحنا من مالي ونقدي فقط، الى اقتصادي أيضاً، لكونه الوحيد الذي يبعد لبنان عن البقاء عرضة لهذه الاهتزازات الدائمة، ويمنع إبقاء لبنان رهينة لنقده الوطني، لأّنّ القاعدة الإقتصادية السليمة هي التي تشكّل مظلّة وحماية للوضع المالي، وتحدّ من الهوامش التي يمكن الدخول عبرها لاستهداف لبنان في هذا المجال. الى ما سبق، من غير الطبيعي أن يبقى بلد قائم طوال ربع قرن على ركيزة نقدية، دون توفر ركيزة مالية وركيزة اقتصادية تكون هي الأساس.

السلاح النقدي هنا ليس في موقع تقييم، لكونه حقّق للبنان نجاحات عظيمة، ووفّر على البلاد إمكانية الوقوع في مشاكل كبرى. الأداة النقدية سمحت للبنان اليوم أن يتمتع بقاعدة تسمح له باللجوء الى أي خيار لتوفر القدرة المالية، لكن الخيار الإقتصادي والبنية الإقتصادية هما الأساس الذي تبنى عليهما ركائز الدولة.

يجب الاستفادة من الظرف الذي نشهده اليوم، من حيث وجود شعور قلّ نظيره بالوحدة الوطنية، مرفق بمظلة دولية أرساها اجتماع باريس، والذي شكّل رسالة للمملكة العربية السعودية بالدرجة الأولى، التي تتزعّم حملة ضدّ لبنان؛ يجب الإستفادة من هذا الظرف لطرح مقاربات اقتصادية مختلفة نوعياً، تسمح للبلاد بإعادة بناء بنيتها التحتية وتطويرها بما يتلائم مع التحديات المقبلة، وتحديداً تحدّي إعادة إعمار المنطقة، وورشة سوريا بشكل خاص.

من الضروري اليوم أن ينتقل لبنان الى اقتصاد إنتاجي حقيقي، حيث لديه فرصة غير مسبوقة تتمثّل بعدم حاجته للبحث عن أسواق تصريف. لدينا اليوم سوق ضخمة هي السوق الداخلية، حيث الفجوة بين الاستيراد والتصدير تبلغ 17 مليار دولار. إن استطاع الإقتصاد اللبناني سدّ مليارين أو ثلاثة أو خمسة من هذه الفجوة، سيختلف الوضع الإقتصادي والإجتماعي في البلاد بشكل كبير. السوق إذاً موجودة، وعلى لبنان اليوم أن يبدأ بضخّ الاستثمارات فيها، بالإضافة الى تشريعات تفضيلية وليست حمائية، تساوي الإنتاج الوطني بذاك الأجنبي.

في هذا المضمار نستطيع الحديث عن كلّ ميادين الإنتاج، من الدواء الى التصنيع الزراعي، وصولاً الى منتجات الرفاهية وحتى الخدمات. نتحدّث عن كل القطاعات التي تسمح بتوفير قاعدة اقتصادية صلبة وبالتالي فرص عمل هائلة. هذا التحول الاقتصادي يسمح بالتخفيف من الحاجة الى النقد الصعب والحاجة السنوية لأربع أو خمس مليارات دولار تضخّ في السوق للحفاظ على الوضعية الحالية، كما يسمح لليرة اللبنانية أن تعود لتكون عملة أساسية في التسليف.

إننا اليوم أمام فرصة قلّ نظيرها، العائق الأساسي أمامها هو حجم المصالح المتركزة في قطاعات تراكمت في السنوات الأخيرة لدرجة لم تعد تسمح حتى بالقضايا البيديهية والطبيعية. وها نحن اليوم نسمع عن شكاوى كثيرة بسبب غياب الخطط أو الإتجاهات، إلا أن لبنان خلال الـ 25 سنة الأخيرة عمل على أكثر من 10 خطط كبرى، بغض النظر عن تقييمها، منها خطة باكتل، خطة أوجيه انترناسيونال، خطة النهوض الإقتصادي، إضافة إلى الخطة التي وضعتها حكومة الرئيس سليم الحص عبر شركة أجنبية، فضلاً عن ترتيبات الأراضي، والخطة التي عمل عليها مجلس الإنماء والإعمار على مراحل ثلاثة، وآخرها التجهيزات الوطنية لـ 12 عاماً.

توجد مجموعة كبيرة من الخطط التي نوقشت بجزء كبير منها، فتحوّلت إثنتان أو ثلاثة منها إلى مجلس الوزراء وصدرت بمراسيم لم تطبّق. أجزاء من خطط كثيرة أخرى تحوّلت لبرامج وقوانين عادية، للأسف لم تطبّق أيضاً، منها تصنيف المرافىء اللبنانية واختصاصاتها، تصنيف أولويات القطاعات حسب قيمتها المضافة..

كلّها دراسات للأسف لم تتم متابعتها وإعادة تقييمها في الفترة الأخيرة، ولم يتم تكليف أي فريق للعمل عليها.

مما لا شكّ فيه، أن أي دعوة لإقتصاديين لبنانيين للعمل على آلية معينة ستلقى صدى وتجاوب في هذا المجال. اليوم، إن كان عبر المجلس الإقتصادي الإجتماعي الذي انتخب مؤخراً، رغم الملاحظات على المحاصصة في كيفية تكوينه وعلى قدرته على لعب دوره في إطار التمثيل الذي هو عليه، أو عبر قيام صيغة وزارية إقتصادية أو مجلس وطني إقتصادي يستطيع رسم سياسات، أو حتى عبر فريق من بين الرئاسات يحضّر ويطلق عبر مجموعة أشخاص وخبراء إقتراحات ملموسة في هذا المجال.

المطلوب اليوم الإستفادة من الخطط التي طرحت. المطلوب اليوم تحديد أولويات معينة على قاعدة وطنية محلية تأخذ في عين الإعتبار كل المتغيرات الداخلية والتي تحصل في محيطنا، بعيداً من كل ما يتعلّق بالإعتماد على شركات أجنبية هي نفسها التي تعمل اليوم  ضد لبنان بالتفاهم مع الذين يشنون الحرب على لبنان.

كل هذه المسائل هي اليوم أكثر من ضرورية، خصوصاً وأننا على موعد بعد الأعياد مباشرة مع تصويت الكونغرس الأميركي على قانون العقوبات على لبنان، المكنّى “ضد حزب الله”، الأمر الذي يستوجب، لو كانت الأمور كلها على ما يرام، الإستنفار كحكومة وكمجلس نواب لمناقشته والبحث فيه، كما يستوجب تنظيم مؤتمر وطني لبناني للبحث فيه وتقديم حلول واقترحات عليه.

هذه هي أهم مسائل الإقتصاد اليوم، ومع نهاية هذه السنة، هي مسائل أولوية مطلقة يحب أن تجعل من عام 2018 “عام الإقتصاد الوطني”.

comments powered by HyperComments

Author: Firas M

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!