تعاطي صندوق النقد الدولي مع الازمات الاقتصادية: اليونان نموذجاً


بسام القنطار

لا يتوانى صندوق النقد الدولي عن فرض تدابير التقشف، ما ان تندلع أزمة اقتصادية. تتنوع عواقب هذه الشروط على التمتع بالحقوق، فأزمة اليونان التي وقعت على اثر انهيار وول ستريت في عام ٢٠٠٨ ، جرّت العديد من الاقتصاديات الضعيفة، والحقت اثاراً مدمرة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

المثال الابرز على سياسة صندوق النقد الدولي السيئة تجاه الازمات الاقتصادية، ما اعلن عنه مكتب التقييم المستقل، وهو الجهاز الرقابي لصندوق النقد الدولي، حيث اعلن هذا المكتب عقب أزمة اليونان ان الصندوق يعمل بثقافة التغاضي التي هي رهينة “التحليل السطحي والآلي”. وقد اتخذت سلسلة من الاحكام الخاطئة المدمرة، وكان التجاهل مصير العديد من العلامات المنذرة بأزمات وشيكة. ويشير تقرير مكتب التقييم المستقل الى ان المحققين لم يتمكنوا من الحصول على السجلات الرئيسية أو النفاذ الى الانشطة التي تضطلع بها فرق العمل السرية التابعة للصندوق.

وكان صندوق النقد الدولي قد فشل قبل وقوع الازمة المالية في مراقبة كافية لمنطقة اليورو، بسبب غلبة فكر المجموعة، والأسر الفكري والانطباع العام باستبعاد حدوث أزمة مالية كبيرة في البلدان المتقدمة، وعدم اكتمال النهج التحليلية.

انتهك صندوق النقد الدولي احدى قواعده الرئيسية بالتوقيع على انقاذ عام ٢٠١٠، رغم عدم تمكنه من تقديم ضمانات بان الصفقة ستؤدي الى ابقاء ديون البلد تحت السيطرة او تمهد الطريق نحو الانتعاش. والواقع بان الهاجس كان انقاذ الاتحاد النقدي، وليس مساعدة اليونان على الخروج من المأزق.

يصف الناقد الاقتصادي ستيفن ليندمان مجموعة الكوارث الناجمة عن سوء ادارة ديون اليونان قائلاً: إن المفاجئة هي ان صندوق النقد الدولي، وهو المقرض المرابي الاكبر الذي يبقى الخيار الاخير، والذي أنشأته بريتون وودز وتسيطر عليه الولايات المتحدة الامريكية، دعا الى تخفيف اعباء الديون عن اليونان. وهو لا يكترث بما تلحقه سياسة التقشف من أذى بالناس العاديين. وتشغله العدوى. فإذا انهارت اليونان، توقعوا ركاماً في القارة برمتها”.

يعتبر بابلو بوهوسلافسكي، وهو الخبير الاممي المستقل المعني بآثار الديون الخارجية للدول في التمتع الكامل بجميع حقوق الانسان، ان ازمة اليونان ادت الى حرمان حوالي ٢.٥ مليون شخص من التأمين الصحي. واضاف  بوهوسلافسكي في بيان صدر في كانون الاول ٢٠١٥ ان حقوق العمل والضمان الاجتماعي هي في حالة من الفوضى، وبطالة الشباب تصل الى ٤٧.٩ في المائة، ولا يستفيد من إعانات البطالة سوى شخص واحد من كل ١٠ اشخاص من العاطلين عن العمل المسجلين.

يعزى جزء من المشكلة الاقتصادية في اليونان الى شروط الاقراض التي فرضتها المجموعة الثلاثية التي تضم صندوق النقد الدولي، والمفوضية الاوروبية، والبنك المركزي الاوروبي. ويتحتم على الدول المقترضة والمقرضين على حد سواء اجراء تقييمات لتأثير القروض على حقوق الانسان قبل تقديم تلك القروض.

وتتفق الكثير من الاراء على اعتبار ان مجموعة الثلاثة وصندوق النقد الدولي يسجلان اخفاقات مستمرة في معالجة أزمة اليونان، التي لا يمكن حلها إلا بتخفيف اعباء الديون والتضامن الدولي. ولن تؤدي تدابير التقشف الاضافية إلا الى المزيد من الانتهاكات. وتخلص تقارير خبراء حقوق الانسان الى ان ديون اليونان هي “ديون جائرة” ينبغي الغاؤها قولاً وفعلاً.

وينتقد “مركز اوروبا- العالم الثالث” صندوق النقد الدولي على تسهيل أعمال النهب في اليونان عن طريقة الخصخصة وتدابير التقشف المناوئة للمجتمع، ويؤيد الاستنتاجات الواردة في التقرير الاولي للجنة تقصي حقائق الدين العام في اليونان.

ويشير تقرير صادر عن “مركز اوروبا- العالم الثالث” انه يمكن لليونان اتخاذ قرار احادي بالإلغاء عبر الوسائل القانونية، وهذا القرار لا تبرره قطعا اعتبارات العدل والانصاف فحسب، بل تسوغه ايضاً دواعي السيادة وحق تقرير المصير. وفي هذه الحالة يتجلى غياب حسن النية، استناداً الى المادة ٢٦ من اتفاقية فينا لقانون المعاهدات. وتجلى سوء النية في ان الدائنين جعلوا اليونان دولة تابعة مالياً، وفرضوا تدابير تمس بالحقوق الاساسية للشعب اليوناني، في انتهاك للقانون الوطني والاوروبي والدولي. وتجلى سوء النية ايضاً في الهدف النهائي للدائنين، وهو ليس مساعدة الشعب اليوناني ، بل تحويل الدين الخاص الى ديون عامة، وانقاذ المصارف الخاصة الكبيرة.

على عكس الذي يروج له، فان زيادة ديون اليونان لم يكن سببها الافراط في الانفاق العام، وهو في الواقع لا يزال أقل من الانفاق العام في بلدان اخرى في منطقة اليورو، بل كان نتيجة للارتفاع الشديد في اسعار الفائدة المستحقة للدائنين، والنفاقات العسكرية المرتفعة وغير المبررة، وفقدان الايرادات الضريبية المستحقة للدولة بسبب تدفقات رؤوس الاموال غير المشروعة الى الخارج، واعادة رسملة المصارف الخاصة من الدولة، والاختلالات الدولية الناجمة عن قصور يعتري تصميم الاتحاد النقدي.

واشارت مذكرة مسربة من صندوق النقد الدولي الى ان المفوضية الاوروبية قدرت ديون اليونان بما يصل الى ٢٠٠ في المائة من الناتج المحلي الاجمالي في غضون سنتين اذا لم تخفف اعباء هذه الديون. وفي عام ١٩٨٠ ، كانت النسبة ٢٢.٦ في المائة من الناتج المحلي الاجمالي. وفي عام ٢٠٠٨، كانت النسبة ١٢٧ في المائة. وفي عام ٢٠١٤ كانت ١٧٧.١ في المائة. ومنذ بداية الازمة المالية، سجل الاقتصاد في اليونان هبوطاً بنسبة تفوق ٢٥ في المائة. وتكمل مذكرة صندوق النقد الدولي: “ لا يمكن ضمان قدرة اليونان على تحمل الديون الا بتدابير لتخفيف عبء هذه الديون، تتجاوز بكثير ما تبدي اوروباً استعداداً للنظر فيه حتى الآن”.

في شباط ٢٠١٧ قرر الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي فرض المزيد من تدابير التقشف على اليونان، بحيث تدفع مبلغاً اضافياً قدره ٧ مليارات يورو بحلول تموز لدائنيها، او تواجه خطر العجز عن دفع كامل ديونها، التي ما زالت ثابتة عند مبلغ قدره ٣٣٠ مليار يورو. واياً كانت الاختلافات التكتيكية بين طرق فرض التقشف على اليونان، لا خلاف حول تنفيذه. وفيما يتعلق بضمون “الصفقة”، صرح مسؤولين ان المقرضين يمكن ان يطلبوا من اليونان اتخاذ تدابير تقشفية جديدة بقيمة ١.٨ مليار يورو حتى عام ٢٠١٨، وتدابير بقيمة معادلة بعد عام ٢٠١٨، مع التركيز على توسيع القاعدة الضريبية وتخفيض المعاش التقاعدي. وتمثل التخفيضات الجديدة ٢ في المائة من الناتج المحلي الاجمالي، ومن الناحية الانسانية ، مزيد من التقشف سيطال ٣.٦ مليار يورو، اي ما يعادل ٣٢٧ يورو لكل رجل وامرأة وطفل في البلد.

التحليل المنطقي الاكثر ايجازاً للازمة اليونانية، قدمه وزير المالية السابق في اليونان، يانيس فاروفاكيس، حيث ذكر ان “اليونان كانت ولا تزال تخضع لحصار مالي يصل الى حد الغرق”.

ما هي خريطة الحل الاكثر عدالة لازمة اليونان؟  يقول الخبير الاممي المستقل المعني بإقامة نظام دولي ديمقراطي ومنصف، ألفريد موريس دي زاياس، ان جميع الدول الدائنة والمؤسسات المالية ينبغي عليها اعادة النظر في شروطها على قروض اليونان في الماضي وفي المستقبل. فبدلاً من طلب الخصخصة والغاء الضوابط وتقليص الخدمات الاجتماعية، ينبغي على صندوق النقد الدولي ان ينظر في تطبيق مجموعة مختلفة من الشروط. لا قروض لأي بلد ما دام ينفق على المشتريات العسكرية. وينبغي وقف جميع النفاقات العسكرية طيلة فترة الازمة والى حين تسديد القروض، باستثناء المعاشات التقاعدية والموظفين. وهذا يعني ان منظمة حلف شمال الاطلسي (الناتو) يجب ألا تطلب من اليونان، البلد المفلس، الاقتطاع من موارده الشحيحة للنفقات العسكرية.

وبدلاً من فرض شروط الإقراض التي تُضعِف القطاع العام وتحثُّ على خفض الإنفاق الاجتماعي، ينبغي على صندوق النقد الدولي تشجيع الدول على خفض النفقات العسكرية، وتنسيق جهودها لمنع التهرب الضريبي والفساد ونقل الأرباح، والتوصل إلى توافق عالمي بشأن إعادة هيكلة الديون السيادية.

ولعل أفضل وصف لسياسة صندوق النقد الدولي تجاه الدول التي تعاني من أزمات مالية مما اتت به ناعومي كلاين في كتابها “عقيدة الصدمة”. وتركز كلاين في كتابها على مشكلة أساسية هي العلاج بالصدمة الاقتصادية والانتهازية في الازمات. وتصف كيف فرضت نظرية “الخصخصة أو الموت” على بلدان منكوبة بالازمات، مشيرة الى أن وزارة الخزانة الاميركية وصندوق النقد الدولي ازدادا صرامة في التسعينات في المطالبة بالخصخصة الفورية. وتصف كلاين “أزمة التكيلا” في المكسيك وعمليات خصخصة “الغرب المتوحش” في الارجنتين في عهد كارلوس منعم، وبوليفيا في عهد غونسالو سانشيس دي لوسادا، والاتحاد الروسي في عهد بوريس يلتسن، وما خلفته من آثار مدمرة.

وفي حالة اليونان بذل صندوق النقد الدولي جهداً كبيراً لتلميع صورته وليظهر انه يأخذ بالانتقادات المتعددة التي تناولت ممارساته. ولكن السؤال لا يزال مطروحاً حول ما إذا اصلحت هذه المؤسسة نفسها فعلاً، وما إذا باتت تحرص على حماية الانفاق الاجتماعي وإعطاء الاولوية للصحة والتعليم في الممارسة العملية.

comments powered by HyperComments

Author: Firas M

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!