الحرب.. الاقتصادية


حسن مقلد

هي حرب قائمة ومتواصلة، منذ عامين ونيف تقريبا. الجديد، اليوم، هو اعلانها بشكل واضح ورسمي.
هي حرب اقتصادية ومالية ونقدية ضد لبنان، بدأتها السعودية منذ بيانها الشهير، في العام 2015 والذي طالبت فيه لبنان بتسديد قيمة وديعتها لديه، علما ان ما كان قد بقي منها، حينها هو أقل من 100 مليون دولار، ترافقت مع الدعوات الى سحب الودائع وعدم زيارة لبنان، والى.. والى.. والى..
المحطة الاولى التي استخدمت فيها السعودية سلاحها الاقتصادي “النووي”، هي في الاسبوع الاخير من حرب تموز بعد ان ايقن الجميع ان “حزب الله” لم يهزم، فكان أن طالبت وقتذاك، وبرغم الحمم الاسرائيلية، بسحب وديعتها فورا، كذلك لوحت بسحب الودائع العربية، غير أن لبنان تمكن من احتواء الضغط، وخرج من الحرب محافظا على ثبات سعر صرف الليرة، على عكس ما كان يُرجى، لا بل حصل تحول نوعي مع صمود وضعية لبنان النقدية بعد ان كان الاعتقاد السائد أن صموده المالي مرتبط عضويا بالخليج عموما والسعودية تحديدا، (يسجل للولايات المتحدة الأميركية أنها لم ترغب حينها باستخدام هذا السلاح لانها كانت تريد الحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار في لبنان).
منذ سنتين وحتى اليوم، تتخذ هذه الحرب عنوانين:
1) الضغط المالي والاقتصادي، ويشمل كل اشكال المقاطعة الاقتصادية، الاجراءات والحواجز في التحويلات المالية كما في التسهيلات، وصولا الى كل انواع التشويش والشائعات والحملات الاعلامية المشككة بوضع الليرة وبقرب الانهيار. حملات تعددت وتنوعت من التصريحات والمواقف الى البيانات والدراسات مرورا بـ”النصائح”.
2) حرب العقوبات على المقاومة واستطرادا على بيئتها الحاضنة بكل مكوناتها الطائفية، والجغرافية، وصولا الى عموم الشعب اللبناني في لبنان كما في الإغتراب. وكان لافتا للإنتباه بروز اللوبي السعودي في قانون العقوبات الاميركي في العام 2015 كعامل منظم ومنسق وموفر لمعطيات جنبا الى جنب مع اللوبي الاسرائيلي في واشنطن، وهذا ما أثبتته وثائق سربت في العاصمة الأميركية.
وتحت ضغط هذا اللوبي وبتشجيع منه، انضمت “لوبيّات” عربية وكذلك لبنانية برموزها او بما تمثل من مؤسسات، وهي من الصنف الذي لا يتحرك ويفصح عن مواقفه بشكل سافر لولا هذا الغطاء، وخصوصا الأميركي ـ السعودي.
وقد تزامن فرض العقوبات الأميركية على “حزب الله” مع اصدار لوائح اسمية من واشنطن والرياض في توقيت واحد، كحال الدفعة الاخيرة التي صدرت بالتزامن بين العاصمتين، ومن ضمنها ورد اسم رئيس المجلس التنفيذي في “حزب الله” السيد هاشم صفي الدين. هذا التزامن بحد ذاته، لم يكن حدثا عابرا او لمرة واحدة، بل كان ايذانا ببدء عمل “غرفة الرياض المالية” المولجة بالعمل على تطبيق العقوبات وفق الصيغ المختلفة لقانون العقوبات، وكذلك متابعة الحسابات والشخصيات والشركات عبر استخدام الملكيات والمساهمات السعودية في مصارف ومؤسسات وكذلك قاعدة المعلومات المرتبطة بالاعمال والمتداخلة مع مجمل البلدان العربية.
أما المجاهرة السعودية، بالأمس، بـ”اعلان حرب مع لبنان”، فمن الصعب بمكان ترجمتها بالحرب العسكرية، وحتى لو ترجم بعمليات امنية، فان التأثيرات تبقى محدودة. الترجمة المرجحة هي حرب اقتصادية ومالية، وهو ما تمتلك السعودية ادواته، ترهيبا او ترغيبا، ولكن استنفاز معظم هذه الادوات في حربها السرية المتواصلة منذ سنتين وقدرة لبنان المتعاظمة، في المجالين النقدي والمالي، في ظل خطوط حمر لا تزال مرسومة، تنبئ ان مصير هذه الحرب هو الفشل، وان مجرد المجاهرة اليوم بما هو واقع طوال الفترة الماضية، قد يكون لاجما لتوسعها برغم الآثار السلبية على لبنان وليس على فئة من فئاته.
ما يجري اليوم عشية سنة التسويات الكبرى، هو تجميع اقصى الاوراق وآخرها بشتى اشكال الاسلحة والحروب، وفي القلب منها الحرب المالية والاقتصادية، في المقابل يتوفر في لبنان اليوم قوة وقدرة لم يعرفها، طوال التجارب السابقة وسنوات المحنة، شرط استمرار توفر عناصر الادارة الهادئة والحكيمة والتي برزت منذ الدقائق الاولى لـ”اعلان الحرب” ضد رئيس الحكومة سعد الحريري، وضد لبنان منذ يوم السبت الماضي.

(تنشر بالتزامن مع صحيفة الاتحاد)

comments powered by HyperComments

Author: Firas M

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!