d3b7ffa13df04eef0848c386090516fa

أثر ثورة أكتوبر الاشتراكية في الفن التشكيلي السوري


بولس سركو

إن سيل الافتراء الإعلامي المزيف الذي تعرضت له ثورة أكتوبر الاشتراكية لم يتعرض له حدث آخر في التاريخ سواء من جهة تشويه حقيقتها ورموزها أو من جهة تجاهل مآثرها الكبرى على الشعوب ومجمل نشاطها بما في ذلك النشاط الإبداعي ومنه الفن التشكيلي  السوري . فالأمانة التاريخية تقتضي سد النقص المعرفي الناجم عن هذا التجاهل ووضع الحقائق في سياقها الطبيعي.

كانت الإيديولوجيات الدينية الشرقية قد تنبهت إلى الأثر البالغ للعمل الفني التشكيلي على وعي العامة وهو السبب المباشر الأساسي لاحتكارها الفن التشكيلي واحتوائه وتسخيره لخدمة دعواتها ، مما أدى إلى جفاف هذا الفن في الحياة الاجتماعية واعتقاله داخل جدران المعابد وتوجيهه وقصقصته وإخضاعه إلى فائض من التحريمات وبالتالي قطع مسار تطوره الطبيعي لقرون طويلة مضت، فالوضعية الطبقية القاسية ، وخاصة إبان الاستبداد العثماني المطلق واقتصار المعارف على ناهبي الشعب من الإقطاعيين والملاك الكبار البعيدة همومهم كل البعد عن القضايا الجمالية جزرت تلك القطيعة التاريخية مع الفن التشكيلي ومن غير الممكن أن ينشط الفن وسط الظلم والقهر والاستغلال الذي كانت تعانيه طبقة الكادحين المسحوقة وهي تقضي أيامها بحثا عن لقمة خبز قد لا تجدها .

إن حياكة خيط وهمي يصل نهوض التشكيل السوري مطلع القرن الماضي بالتراث الأيقوني المسيحي  والخط والزخرفة الإسلامية هو مجرد ترقيع صريح لمزق مهترئة فالفنان  توفيق طارق رائد الفن التشكيلي السوري المولود في دمشق 1875 ما كان له أن يحظى بتلك المكانة لولا انتمائه الطبقي الذي مكنه من دراسة الفن في باريس عام 1895ليقدم نتاجا كلاسيكيا استشراقيا ذهب البعض لاعتباره منسوخا ومع ذلك فلا بد من الاعتراف أنه أول كسر لجدار القطيعة التاريخية في ظروف صعبة للغاية لم تلقى فيها اللوحة كما نعرفها اليوم تجاوبا رغم الإبهار المؤقت الذي قد تحدثه .

النهوض الحقيقي للفن التشكيلي السوري ارتبط بشكل كامل بظروف سير المجتمع السوري باتجاه التحديث وتلبية متطلبات العصر ، الناجمة عن انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية التي غيرت وجه التاريخ وامتدت آثارها السياسية الثقافية والاجتماعية وأحدثت تحولات جذرية في بنية مجتمعنا بتسريبها الوعي للفئات الشعبية ، لقد خلقت الثورة البيئة لنمو الفن التشكيلي وتغلغله في الحياة العامة بالدرجة الأولى بالتزامن مع نهوض  كافة الفنون والمعارف ، فلا يمكن أن يوفر للفنان الإلهام الحقيقي حسب (بليخانوف) في كتابه (الفن والحياة الاجتماعية )غير ما ييسر التعاشر بين الناس ، وحدود هذا التعاشر المحتملة لا يحددها الفنان بل يحددها مستوى الثقافة الذي بلغه ذلك الكل الاجتماعي الذي ينتمي إليه .

بالدرجة الثانية تركت الثورة أثرها البالغ على هوية الفن التشكيلي السوري الصاعد كفن جماهيري يعكس حياة الناس البسطاء ويعبر عنهم بما سمي بالفن الاشتراكي فعلى الرغم من احتكاك الفنانين السوريين الرواد بالغرب وتأثرهم بمدارسه الفنية إلا أن موضوعات نتاجهم حملت ملامح الهم الإنساني والاجتماعي والوطني الذي أورثوه لجيل أحدث شكلت تلك الموضوعات الوجدانية جوهر نشاطه وأهم سمة من سمات مراحل تطوره إذ اجتمعت فيه موضوعات الاشتراكية برؤى فنية غربية غاية في التنوع ولم تقتصر على المدرسة الواقعية ، بدأ من لوحة الفنان سعيد تحسين (1904 -1985 ) الهامة التي مثلت العدوان الفرنسي على المجلس النيابي السوري إلى جانب بعض أعماله المعبرة عن بساطة حياة الشعب والتي خولته لعضوية مجلس السلم العالمي الذي كانت مهمته قيادة شعوب العالم للدفاع عن السلام والأمن ومناهضة الحرب ، إلى أعمال الفنان ميشيل كرشة (1900-1973)  الانطباعية التي اختلفت عن انطباعية الفنان الفرنسي كلود مونيه بالطبقة الشعبية التي صورها سواء في مشهده الريفي أو المديني المشرق ، الطبقة ذاتها التي نجد صورا من حياتها في أعمال الفنان ميلاد الشايب (1918-2000) والفنانين ممدوح قشلان ونعيم اسماعيل وغيرهما ، وصولا إلى أعمال الفنان الراحل لؤي كيالي (1934-1978 ) التي شكلت أبرز معالم تلك المرحلة فإضافة إلى لمساته الإبداعية المرنة والمميزة في بساطة الخط واللون جاءت متناغمة مع موضوعاته التي تطرقت إلى معاناة المقهورين الذين تحكي وجوههم قصص الحزن والتشرد والتحدي وأهمها لوحات ماسحي الأحذية وصيادي السمك  ، وعلى الرغم من موقف الفنان فاتح المدرس (1922- 1999) المغرق في تبنيه مقولة الفن للفن لم تخلو الكثير من أعماله من المضمون الاجتماعي والوطني كما لم تخلو منه تعبيرية الفنان غسان السباعي ولا تجريدات الفنان خالد المز بينما تعج بهذا المضمون وجوه بؤساء الفنانة ليلى نصير المشبعة بالصدمات والمضطربة والتي تتلمس عيونها خلاص مبهم .

لقد أصبح المضمون الاجتماعي والوطني المطروح عفويا في النتاج التشكيلي السوري بحرية و بأساليب في غاية التنوع خاصة من أقوى خصائص هذا النتاج منذ نشأته حتى تفكك الاتحاد السوفييتي واجتياح ثقافة العولمة المتوحشة حدود الدول وهويات مجتمعاتها حيث شاع الترديد الممل لمقولات ما بعد الحداثة كوجبات جاهزة ،متقززة من الفن الاشتراكي ومهووسة بالمخلفات التراثية الدينية ، أصيب على أثرها التشكيل السوري

بانتكاسة في محيطه الاجتماعي فبعد أن خطى التشكيل السوري خطوة جبارة في اتجاه بناء علاقة حميمة مع المجتمع بأوسع فئاته في تلك المرحلة ، اقتحمت تلك المقولات الملقنة لتغيب ملامح المحتوى الاجتماعي والوطني التي بات ينظر إليها كعورة وتتربع مكانها الشكلانية المفرطة، وجمهور المتلقين المتهم بالأمية البصرية يقف مدهوشا أمام هستيريا المثل الجمالية المشوهة والضباب الكوني والمحاولات البائسة لنفخ هواء الحياة في مومياءات الماضي البائد في ظرف تاريخي يقتضي أن يكون الفن فيه أهم الشواهد الوجدانية على مأساتنا الوطنية .

comments powered by HyperComments

Author: Firas M

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!