هل دخلت الجزائر مرحلة عدم الاستقرار؟


المصدر – جلوبال ريسك إنسايتس

ترجمة  – شهاب ممدوح

أدى الوضع الاقتصادي القاتم وانخفاض أسعار البترول خلال السنوات الماضية في الجزائر إلى تمهيد الطريق لحدوث اضطرابات شعبية هناك. يواجه هذا البلد أيضا تحديات أمنية كبيرة, من ضمنها وجود جماعات إرهابية, وحدود مليئة بالثغرات, فضلا عن خطر انتقال الاضطرابات من ليبيا ومالي المجاورتين. التقرير الخاص التالي ينظر في أسباب تأزم الوضع في الجزائر, وإلى أين تتجه الأمور هناك.

الأزمة النفطية
استثمرت الجزائر بصورة مكثفة في صناعتي النفط والغاز من أجل زيادة صادراتها إلى أوربا, وتمثل صادرات الطاقة 97 بالمائة من عائدات صادرات الجزائر, و60 بالمائة من ميزانية الدولة. لكن أسعار النفط بدأت بالانخفاض في الأسواق العالمية, مما أسفر عن نتائج مدمّرة. حيث فقدت الجزائر 30 بالمائة من مجمل ميزانيتها, كما اضطرت إلى تطبيق إجراءات تقشفية لأول مرة في عام 2015. ولتخفيف أثر الصدمة, قررت الحكومة استخدام صندوق الثروة السيادية الوطني لضبط ميزانيتها, لكن بعد مرور سنتين إضافيتين على انخفاض أسعار النفط, نفدت أموال هذا الصندوق تقريبا.

ومما يزيد الطينة بلة, أن احتياطيات النفط والغاز الجزائرية توشك أن تنضب, ويتناقص الإنتاج كل عام. حاولت الحكومة شراء الوقت من خلال استكشاف احتياطات نفط وغاز جديدة في عام 2016. زعمت شركة “سونطراك” للطاقة المملوكة للدولة, أنها اكتشفت 32 منطقة تنقيب محتملة جديدة.

ومع ذلك, فإن معظم الحقول الجديدة هي عبارة عن غاز صخري, تقع في جنوب الجزائر. إن استخراج الغاز الصخري يتطلب كميات هائلة من الماء, لإجراء عملية التكسير الهيدروليكي. وبما أن الجزائر تقع أسفل خط الفقر المائي الذي حددته الأمم المتحدة, ولكونها واحدة من أكثر البلدان جفافًا في العالم, فإنه من غير المرجح أن يكون الغاز الصخري حلا طويل الأمد، خاصة في ضوء الاحتجاجات الواسعة ضده.

تستطيع الجزائر, في أفضل الحالات, ان تواصل إنتاج الغاز وفقا للمعدلات الحالية حتى عام 2030. وهذا يمنح البلد فترة تزيد قليلا على العقد, من أجل إيجاد مصادر بديلة لتمويل 60 بالمائة من عائدات ميزانيتها.

من أزمة نفطية إلى ازمة اقتصادية
تحتاج الجزائر بصورة ماسة إلى تنويع اقتصادها, لكنها تواجه عددا من العوائق. لقد أدى استنفاد صندوق الثروة الوطنية إلى الحدّ من قدرة الدولة على الاستثمار محليّا. يعاني القطاع الخاص الجزائري, والذي هُمّش بسبب تركيز الدولة على قطاع النفط, من ضعف القدرة التنافسية. وضعت الحكومة الجزائرية قطاع السياحة الذي ينقصه التطوير, ضمن أولوياتها الخمسة الرئيسية, لكن هذا القطاع مازال يعاني من الكساد بسبب نقص الترويج وعدم وجود رؤية طويلة الأمد.

في غضون ذلك, تمثل البيروقراطية المفروطة وغياب التشريعات الداعمة عقبة أمام الاستثمارات الأجنبية, حتى بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات الكبيرة. ولهذا, تتدفق الاستثمارات بدلا من ذلك, في أغلب الأحيان, نحو المملكة المغربية المجاورة. استثمرت شركة “رينو” الفرنسية لصناعة السيارات, على سبيل المثال, في مصنع صغير في الجزائر, لكنها أنشأت أكبر مجمّع مصانع لها في الخارج في المغرب.

وبالمثل, بالرغم من فوز شركات مقاولات صينية بعدد من العقود العامة الجزائرية, مثل مشروع المسجد الكبير في العاصمة الجزائر, إلا أن المغرب يعتبر شريكا أكثر أهمية للصين, حيث تعمل الصين في مشروع “محمد السادس طنجة تيك” الذي تبلغ استثماراته 10 مليارات دولار.

نفاد الخيارات
لقد بات من الواضح بصورة متزايدة أن الجزائر متخلفة عن الركب حتى بالمقارنة مع جيرانها الذين يفتقرون لمصادر الطاقة, وأن النخبة الحاكمة في هذا البلد أساءت إدارة ثروات البلاد: كشفت فضيحة أوراق بنما عن الفساد المستشري بين الحكومة وشركة “سونطراك”. كما أن مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أوضح للجزائرين بجلاء, أن السلطة الحقيقة ليست في يديه, لكنه يتقاسمها مع الجيش, وحزب الجبهة الوطنية الحاكم, وجهاز الاستخبارات الجزائري.

وهذا في الواقع كان الحال منذ استقلال البلاد في عام 1962. لقد استمدّت الحكومة, في بداية الأمر, شرعيتها من دورها في حرب الاستقلال, وفي عقد التسعينات, عززت من سلطتها مستغلة الحرب ضد الإرهاب. ومع ارتفاع أسعار النفط في بداية الألفية الجديدة, استخدمت السلطة الحاكمة عائدات النفط لكي تسترضي المطالب الشعبية بالتقدم, والتوظيف, والحريات الاجتماعية. سعت الجزائر, خلال الربيع العربي, لتجنّب الاضطرابات, حيث أطلقت الحكومة عملية إعادة توزيع هائلة للثروة. وعندما ظهرت حركة احتجاجية, منذ ستة أشهر ماضية, في منطقة القبائل, اعتراضًا على ميزانية عام 2017, أعلن وزير الداخلية الجزائري خطة قدرها 10 مليارات دولار للحفاظ على القوة الشرائية للجزائريين.

ولكن مع استمرار نفاد الأموال من خزينة الدولة, تتقلص الخيارات المتاحة للنخة الحاكمة لاحتواء الاضطرابات الاجتماعية. والجزائريون لديهم الكثير من الأسباب التي تجعلهم مستائين.

عاصفة هوجاء
لقد ساهمت الأزمة النفطية والتضخّم الذي نتج عنها في عقد الثمانينات في اندلاع حرب أهلية بين الحكومة الجزائرية والجماعات الإسلامية, ما تسبب في سقوط ما يزيد على 200 ألف قتيل. إن كل العوامل التي أدت لاندلاع تلك الحرب الأهلية في مطلع التسعينات, متوفرة في الجزائر اليوم: أزمة اقتصادية كبيرة, وحزب الجبهة الوطنية الفاسد, والقادة الإسلاميون الذين لايزالون يخطبون ضد الفساد, وتوترات مرتبطة بالهوية القبائلية.

في الواقع, تتسبب قضايا الهوية في حدوث عنف غير مسبوق, خاصة في منطقة القبائل, حيث يتعارض إحياء الإرث الأمازيغي مع الهوية العربية والمسلمة. في غضون ذلك, ازداد الظهور العلني ل “علي بلحاج”- زعيم سابق للجبهة الإسلامية للإنقاذ, وهي جماعة إسلامية مسلحة- بموافقة من السلطات على ما يبدو. عندما زار علي بلحاج, منذ شهر مضى, أحد المساجد في إحدى الضواحي المكتظة بالسكان في العاصمة الجزائر, استقبله مئات الأشخاص استقبال الأبطال.

يُضاف إلى كل هذا, مشكلة الجزائر الديمغرافية: معظم السكان هم من الشباب, ويبلغ متوسط أعمارهم 27,7 عاما. هذا الواقع يعني أن هؤلاء الشباب لن يخرجوا للشارع فحسب, لكن الأهم من ذلك, أن جزءا كبيرا من الشعب لا يتذكر “العشرية السوداء” التي أعقبت الحرب الأهلية السابقة.

العامل الأخير المزعزع للاستقرار في هذا الوضع هو مرض الرئيس, الذي أدى إلى صراع على السلطة داخل النخبة الحاكمة.

صراع داخلي حاسم على السلطة؟
هناك علامات تشير إلى وجود صراع بين مجموعات متناحرة تشترك فيه بطانة الرئيس, وأنصار حكم الأقلية, وجهاز الاستخبارات, ورئاسة أركان الجيش. ولتقدير مضاعفات ما يحدث, من الضروري أن نفهم أن النظام الجزائري هو عباره عن خليط من ديكتاتورية عسكرية ودولة بوليسية ذات واجهة ديمقراطية, حيث تتبدل التحالفات وتتغير بناءً على نوع المصالح المعرّضة للخطر.

هناك تحالفات بين النخبة العسكرية وجهاز الاستخبارات من جهة, وتحالفات بين حزب الجبهة الوطنية, وأصحاب المال, والعائلات النخبوية المتنفّذة من جهة أخرى. تتصارع هذه التكتلات على اختلاس مليارات الدولارات من عائدات النفط, وذلك من خلال جمع عمولات في الخفاء من عقود كبيرة لاستيراد النفط وتصديره. لقد خرجت هذه الاختلاسات أحيانا للنور, وآخرها كان في إيطاليا, حيث تجري هناك محاكمة تتعلق بعملية اختلاس متورط فيه مسؤولون تنفيذيون في شركة سونطراك.

باختصار, فإن النخبة مشغولة على الأرجح بالبقاء على قيد الحياة, وهو ما يحدّ من قدرتها على معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في هذا المفترق الخطير.

فترة بالغة الخطورة
خلال خطاب ألقاه في سبتمبر, ذكر رئيس الوزراء الجزائري “أحمد أويحيي” أنه بدءا من شهر نوفمبر فصاعدًا, لن يكون لدى البلاد خيار سوى اللجوء إلى تمويل غير تقليدي لكي تكون قادرة على دفع أجور موظفي الدولة. لكنه اكدّ أيضا أنه لن تكون هناك تخفيضات في قطاع الرعاية الاجتماعية, وأن المعاشات ستزيد, في حين ستبقى الضرائب كما هي دون تغيير. هذا يعني أن الجزائر ستحافظ على وتيرة الإنفاق ذاتها, في ظل عدم زيادة الدخل ولكن على حساب زيادة حجم القروض. هذه السياسات قد تؤدي إلى ارتفاع مستوى التضخّم في السنتين القادمتين, وانخفاض نصيب الفرد من الدخل القومي, مما قد يؤثر تأثيرا سلبيا على الأسر العادية.

لقد استند الاستقرار في الجزائر حتى الآن على ركيزتين: نمو اقتصادي معتمد على عائدات النفط, وعدم رغبة الأجيال الأكبر سنا في المرور مجددا بمعاناة الحرب الأهلية. ولكن نتيجة للضعف الذي أصاب هاتين الركيزتين في الوقت الراهن, فإن الجزائر باتت على موعد مع فترة عدم استقرار بالغة الخطورة.

comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!