التنوّع البيولوجي أم “الذهب الأسود”؟.. المعادلة الصعبة لكنشاسا


حديقة “فيرونغا” الواقعة شرقي الكونغو الديمقراطية صنّفتها صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية في المرتبة 19 ضمن لائحة الوجهات السياحية الـ 52 والأفضل على الصعيد العالمي للعام الجاري. تصنيف اعتبره وزير السياحة الكونغولي، إلفيس المطيري “مفخرة” لبلاده.

لكن وعقب 4 أشهر من الإعلان الرسمي عن اكتشاف ثروات نفطية مدفونة تحت الكتلة الخامسة من “أخدود ألبرتين” الواقع أسفل الحديقة التي تعتبرها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، منذ 1979، تراثاً للإنسانية، تفجّر الجدل بشأن المعادلة الصعبة في التوفيق بين استغلال الثروة النفطية من جهة، والمحافظة على التنوّع البيئي للمحمية، من جهة أخرى.

مدّ وجزر رفعا من منسوب الجدل في العاصمة الكونغولية هذه الأيام، بين مؤيّد لفكرة استغلال النفط الذي يزخر به الأخدود الممتدّ بين الكونغو الديمقراطية وأوغندا، في أكبر المحميات الطبيعية في العالم، لإنعاش الخزينة العامة للبلاد بإيرادات إضافية، أو المحافظة على هذه الحديقة الملقّبة بجوهرة إفريقيا، بناءً على مطالب محمومة وصيحات فزع متواصلة تطلقها منذ أشهر المنظمات الدولية الناشطة في المجال البيئي.

معادلة صعبة قد لا تستقيم باجتماع قُطبيها معاً، وهذا ربما ما دفع الحكومة الكونغولية إلى القول بأنها منشغلة بـ “دراسة المسألة” في الوقت الراهن، في وقت بدت فيه أوغندا المجاورة، والمعنية بالجدل نفسها، أكثر استعداداً لحسم المسألة والإفلات من خانة التردّد التي شابت مواقف كنشاسا بهذا الصدد.

ففي الأوّل من مارس/ آذار الجاري، نشرت وزارة الطاقة الأوغندية، قائمة الشركات النفطية الـ 7 التي وقع اختيارها للاستفادة من تراخيص التنقيب عن النفط في الأقسام النفطية الـ 6 التي تعدّها البلاد.

وتهم إحدى هذه التراخيص، الودائع النفطية بقسم “نغاجي”، والتي تغطّي نحو 30 % من بحيرة إدوارد، وجزءً كبيراً من حديقة الملكة إليزابيث، الواقعة على حدود حديقة “فيرونغا” بالكونغو الديمقراطية، وفقاً لبيان صادر عن الوزارة اطّلعت عليه الأناضول.

غير أنّ منح تلك التراخيص لم يرق لمنظمة “غلوبال ويتنس” الدولية (بريطانية غير حكومية)، والتي نبّهت على الفور، عبر موقعها الرسمي على الانترنيت، الحكومة الكونغولية، من مخاطر التلوّث التي يمكن أن تهدّد حديقة “فيرونغا” أو بحيرة إدوارد، جراء عمليات استغلال الموارد النفطية، والتي تعتزم أوغندا المجاورة البدء فيها.

وتعنى “غلوبال ويتنس” بمكافحة نهب الموارد الطبيعية في البلدان النامية، ولقد سبق وأطلقت في الـ 9 من هذا الشهر، فيلماً في علاقة بالحملة الاحتجاجية المستنكرة لمشروع التنقيب عن النفط في بحيرة إدوارد، والذي ترى فيه المنظمة الدولية تهديداً حقيقياً لحديقة “فيرونغا”.

الفيلم المتداول حالياً من قبل نشطاء المواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت، بعنوان “فيرونغا.. تهديد جديد”، ويذكّر هذا الشريط الذي يدوم نحو دقيقة و18 ثانية، بأنّ هذه الحديقة الممتدّة على مساحة أكثر من 800 ألف هكتار، تعدّ واحدة من أغنى مناطق العالم من حيث التنوّع البيولوجي، كما تحتضن أكثر الأنواع الحيوانية المهدّدة بالانقراض والتي تشكّل إحدى رموز القارة الإفريقية، من ذلك أفراس النهر والفيلة وآخر الغوريلات الجبلية في المعمورة.

الكونغو الديمقراطية المعروفة بثرائها بالموارد الطبيعية، كانت وحتى قبل الإعلان الرسمي عن اكتشاف ودائع النفط أو ما يعرف بـ “الذهب الأسود”، في نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، تحت دائرة الضوء المسلّط عليها من قبل شركات النفط، سيّما في ظلّ تواتر التصريحات الرسمية، وأبرزها تعود للوزير الكونغولي المكلّف بالمحروقات، آيمي نغوي موكينا، والذي لفت إلى وجود “كميات كبيرة من النفط” في بلاده، بيد أنه لم يقدّم أرقاماً دقيقة في ذلك.

في عام 2010، منحت كنشاسا تراخيصاً للتنقيب عن النفط في جزء كبير من “فيرونغا”، يقدّر بنحو 85 % من مساحة الحديقة، وذلك “دون أخذ العامل البيئي بعين الاعتبار”، بحسب الوزير الفخري للبيئة في الكونغو الديمقراطية، جوزي أوندوندو بونونجي.

الوزير أوضح في تصريح للأناضول إلى أنّه “وقع إبطال تلك التراخيص تحت ضغوط مسلّطة من قبل المجتمع الدولي والمقاومة التي أبدتها هيئات المجتمع المدني المحلي في هذا السياق”.

من جهتها، لم تتخلّ المنظمات غير الحكومية عن موقفها الحاسم بهذا الخصوص، داعية إلى “حظر الاستغلال” في منطقة تعاني في الأصل من انتهاكات المجموعات المسلّحة.

توماس داكان مويتي، رئيس منظمات المجتمع المدني في محافظة شمال كيفو (شرق) عقّب على الموضوع قائلاً: “لا يسعنا السماح باستغلال مماثل لا يشكّل فقط تهديداً على مستقبل البيئة وحياة حيوانات الحديقة، وإنما يجعل من المنطقة بأسرها مطمعاً للمجموعات المسلحة، والتي فشل المجتمع الدولي والحكومة (الكونغولية) حتى الآن في القضاء عليها”.

أما من جانب شركات النفط، فقد علّقت كلّ من شركة “توتال” الفرنسية، و”سوكو” البريطانية، الناشطتان في القسم النفطي عدد 5 بالكونغو الديمقراطية، وبشكل رسمي، أنشطتهما، بسبب الضغوط الدولية.

غير أن تلك الشركات يمكن أن تتراجع عن قرار تعليق أنشطتها في حال فضّلت كنشاسا خيار استغلال ودائعها النفطية المدفونة في حديقتها الشهيرة.

فتحت غطاء البحث عن موارد من أجل التنمية الاقتصادية لمنطقة يواجه سكانها العديد من الصعوبات في سبيل كسب بقمة العيش، أكدت الحكومة الكونغولية، في 2014، على ضرورة استغلال النفط في حديقة “فيرونغا”، معترفة مع ذلك بأنّ هذا الخيار يمكن أن يضيق الخناق على الحيوانات المتواجدة في ذلك المكان.

وحسماً للجدل المتفجّر بهذا الخصوص، قال المتحدث باسم الحكومة الكونغولية، لامبرت ميندي، اليوم الخميس، في تصريح هاتفي للأناضول: “نحن في مرحلة الدراسة لتحديد السبل الممكنة لاستغلال النفط دون أن يكون لذلك آثا وخيمة على الحيوانات والسكان، لأنه، وبعد كلّ شيء، فقد حان الوقت ليستفيد الكونغوليون من ثرواتهم الطبيعية”.

وفي مواجهة الضغط من المنظمات الدولية، أضاف ميندي أنّ “الكونغو الديمقراطية دولة ذات سيادة، وهي حرة في إدارة مواردها لصالح الشعب الكونغولي دون تدخل أجنبي”.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!