التقارب الروسي-السعودي…ماذا يريد الملك من القيصر؟


فادي نصار

ثلاث محطات رئيسية من المحتم التوقف عندها إذا أردنا أن نقرأ تاريخ العلاقات الروسية-السعودية، والتي في ضوء الزيارة الأخيرة للعاهل السعودي، ينطبق عليها قول تشرشل ” في السياسة ليس هناك عدو دائم او صديق دائم هناك مصالح دائمة.
المرحلة الأولى 1926-1938: في عام 1926 اعترف الاتحاد السوفيتي بالسعودية كدولة مستقلة فكان أول دولة تفعل ذلك. وتوجت علاقات البلدين في تلك الفترة بزيارة تاريخية للملك فيصل الى موسكو عام 1932 ، ثم توقفت العلاقات العام 1938 إثر إغلاق الاتحاد السوفيتي بعثته الديبلوماسية في جدة، (اتهم ستالين السفير السوفيتي آنذاك كريم حكيموف بالتجسس وبأنه عدو للشعب، فأبرق اليه يطلب منه العودة الفورية إلى الاتحاد السوفيتي،عندها عرض الملك عبد العزيز السعود على حكيموف اللجوء السياسي في السعودية لكن الأخير رفض، وعاد الى موسكو ليعدمه ستالين رمياً بالرصاص). عندها اتخذ الملك السعودي قراراً بعدم استقبال سفير سوفيتي جديد وقطع العلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي احتجاجاً على إعدام صديقه حكيموف، فما كان من ستالين إلا أن أمر بإغلاق البعثة الدبلوماسية السوفيتية في جدة، رداً على ذلك. واستمرت تلك القطيعة لأكثر من خمسة عقود، ما أثر بشكل سلبي على علاقات البلدين.
المرحلة الثانية1980 -1991: مرحلة المواجهة الصعبة، حيث انحازت السعودية إلى أفغانستان في حربها مع الروس فموّلت مسلحيها بمبالغ وصلت إلى 40 مليار دولار. بقيت العلاقات في حالة سبات مطلق الى أن إنهار الاتحاد السوفياتي وأعلنت المملكة عام 1991 اعترافها بالاتحاد الروسي الجديد خلفاً له.
ومع اندلاع الحرب الروسية- الشيشانية الأولى (1994-1996)..وقف السعوديون الى جانب المتمردين الشيشان، ودخلت العلاقات بين البلدين فترة برودة وتعقيد،استمر ذلك الى أن أدركت القيادة الروسية إنه من دون تفعيل العلاقات الروسية مع الدول الإسلامية وبالتحديد مع السعودية، فلا مجال للحديث عن إنهاء النزاع الروسي الشيشاني، مما دفعها لإعلان سياسة التقارب الروسي الإسلامي بدأت بإعادة العلاقات مع السعودية.
المرحلة الثالثة2003-2017: زار روسيا الملك عبدالله حين كان ولياً للعهد عام 2003، يومها نشرت صحيفة “كوميرسانت” الروسية، أن المملكة عرضت على الحكومة الروسية توظيف 200 مليار دولار في الاقتصاد الروسي مقابل تقليص التعاون مع طهران. وفي عام 2006 زار موسكو الملك سلمان(كان يومها أميراً على الرياض)، ليحل في السعودية الرئيس بوتين عام 2007، وعام 2015 زار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان موسكو، تضاعفت إثرها التبادلات التجارية بين البلدين من 235 مليون دولار أميركي في العام 2005 إلى 926 مليون دولار في 2015.
العلاقات خلال الحرب على سوريا
منذ بداية الحرب الارهابية على سوريا،عام 2011، دعمت السعودية الفصائل المسلحة في حربها الهادفة إلى الإطاحة بالرئيس بشار الأسد، ولم يكف وزير خارجيتها عادل الجبير عن التصريح مبشراً الارهابيين بقرب رحيل الأسد، وذلك في عكس الاتجاه الذي سارت عليه كلاً من روسيا وإيران، فالسعودية لم تكتفي بارسال المال والسلاح وإنما أرسلت المقاتلين أيضاً، حيث نشر موقع “غلوبال ريسيرش” تقريراً أشار فيه الى وثيقة سرية سعودية تظهر اتفاقاً قامت به السلطات السعودية مع حوالي 1400 سجين ينص على إعفائهم من إقامة الحد الشرعي عليهم ومنح معاشات شهرية لعائلاتهم مقابل تدريبهم وارسالهم الى “الجهاد” في سوريا. عندها اتهمت روسيا السعودية بأنها مهدت الأجواء لإنشاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.
في نيسان من عام2015 أصدر 55 عالماً اسلامياً سعودياً بياناً دعوا فيه الى الجهاد ضد القوات الروسية في سورية. فما كان من روسيا إلا أن وجهت رسائل تحذيرية الى دول الخليج، والسعودية على وجه الخصوص، حذرت فيها من عواقب وخيمة في حال ما أقدمت على تزويد المعارضة السورية المسلحة بصواريخ مضادة للطائرات، وتكرار سيناريو افغانستان، البيان ورسائل التحذير أربكت السعوية وأحرجتها، فظهر ذلك الحَرَج في الهجمات الشرسة التي شنها الجيش الالكتروني الرسمي السعودي على هؤلاء العلماء والتبرء منهم، والتأكيد على عدم وجود عالم واحد من “هيئة العلماء” السعودية الرسمية بينهم.
اليوم وبعد عامين من التدخل الرسمي للجيش الروسي في سوريا، انكمشت الفصائل الارهابية التي تدعمها السعودية إلى جُيوبٍ صغيرةٍ في المناطق الشرقية للبلاد، واستعاد الجيش العربي السوري 90 بالمئة من الأراضي التي خَسرتها الدولة، وتَحوّلت تركيا إلى حليفٍ استراتيجيٍّ لروسيا، وهاهي مؤخراً تتقرب من إيران.
بدوره تخلى وزير خارجية السعودية عن منطق “رحيل الاسد وانتصار الثورة” وبدأت التصريحات من المملكة تنهال بأن لابديل عن الحل السلمي للأزمة السورية..هذه الاستجابة للضغط الروسي فيما يخص الملف السوري ساعدت في تدفئة العلاقات الثنائية.

ماذا تريد الممكلة من القيصر؟؟
بعد أن تسببت الحرب اليمنية التي تورطت بها المملكة، بأزمة مالية كبيرة، وبعد أن خلق انخفاض أسعار النفط، مشكلةً أثقلت كاهل الاقتصاد في المملكة السعودية، إضافة الى تآكل الاحتياط المالي، بسبب العجز في الميزانية.
وبعد أن أزعجها موقف البيت الأبيض الذي حصر مؤخراً، خلافه مع ايران بقضية الاتفاق النووي، وهذا يعني أن العدو الأول للسعودية (المد الشيعي) لم يعد في حسابات صديقها الاميركي…وربما شعرت بطعنة في الظهر، ماحدى بها الى البحث عن شريك قوي وأكثر مصداقة، فلم تجد إلا روسيا العائد القوي لاحتلال مكانته القطبية بثقة.
فجاءت زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز الى موسكو(أول ملك سعودي يزور موسكو وهو على العرش في تاريخ العلاقات بين البلدين). وعلى الرغم من أن الزيارة تمخضت عن 14 اتفاقية اقتصادية وثقافية وعسكرية، إلا أن أهدافها الواضحة تتلخص فيمايلي:
الهدف الأول اقتصادي: كون السعوديّة هي أكبر بلدٍ مُنتج للنّفط في منظمة “أوبك”، و روسيا هي الأكبر خارجها، فقد عمل الطرفان بجد الى التوصل الى تفاهماتٍ تفرض تَثبيت سَقف الإنتاج النّفطي الحالي حتى آذار (مارس) المُقبل، وهذا يَعني ضمان استقرار الأسعار.
الهدف الثاني عَسكري: وافقت روسيا على بَيع السعوديّة مَنظومة صواريخ “إس 400″ الدفاعيّة الجويّة، وهي صواريخ لم تَحصل إيران، الحَليفة التاريخيّة لروسيا، على مثلها، ونظام صواريخ “كورنيت ــ إي.إم.” وصواريخ اخرى ومعدات وذخائر.

مربط الفرس في طهران
خلال الزيارة أكد الملك سلمان، أن بلاده “متمسّكة بمكافحة الإرهاب والتطرّف، وتجفيف منابع تمويلهما”.وأنها تدعم ” حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلّة وعاصمتها القدس”كما أنها مع “الحلّ السياسي في اليمن”، وفيما يخص سوريا فهي مع “ضرورة العمل على تطبيق بيان جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي 2254 من أجل إيجاد حل سياسي يضع حداً للعنف ويضمن الأمن والاستقرار ووحدة أراضي البلاد”. كذلك هي “مع الحفاظ على وحدة أراضي العراق وتوحيد الجهود الداخلية في سبيل محاربة الإرهاب في هذا البلد”، إذا كانت السعودية متفقة مع الجانب الروسي،على كل هذه القضايا.
أين المشكلة، إذاً؟؟
الجواب جاء في مطالبة الملك السعودي، لإيران بـ “التخلي عن التدخّلات في شؤون دول المنطقة والأنشطة المقوّضة للاستقرار الإقليمي”.
إذاً كان للزيارة أيضاً هدفاً سياسياً يكمن في تحجيم الدورالإيراني في المنطقة، وهناك من يقول أن المقصود في النهاية هو حزب الله، وهو مطلب اسرائيلي لطالما جاهرت به حكومة العدو، القلقة من تعاظم قدرات حزب الله وايران والجيش السوري.

التطورات التي يجب متابعتها في الأيام المُقبلة للتعرّف على نتائج هذهِ الزّيارة، هو التحرّك الرّوسي على الجبهة الإيرانيّة أولاً، وعلى الجَبهة اليمنيّة ثانياً، كون السعودي بحث خلال الزيارة عن حل للمسألة اليمنية، التي لم تَنجح “عاصفة الحزم” في حسمها عَسكريًّا على مدى العامين ونصف العام الماضيين، وخسرت خلالها السعودية ما لايقل عن 900مليار دولاراً (بحسب تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأمريكية).

comments powered by HyperComments

Author: Firas M

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!