19bf192c-c8d0-44c7-88e9-453e3759e194

كيف تسببت الإضاءة فى الإضرار بالأرض ومن عليها؟


هناك صوت دائما ما يهيمن على حواسي، بينما نغادر قرية سان بيدرو دي أتاكاما ونسير في ليل الصحراء. فصوت الأحذية على الحصى يطغى على أصواتنا، التي حاولنا خفضها لتجنب إيقاظ الأشخاص في منازلهم أو الكلاب في الشوارع. كانت مجموعتنا الصغيرة المكونة من كتاب متخصصين في علم الفلك تهرب من الضوء، وبدون أي مصابيح جيب أو أعمدة إنارة في الشوارع، نتلمس طريقنا بصعوبة وسط الظلام، لذلك فقد ارتفعت حدة حواسنا الأخرى.

بعد حوالي 15 دقيقة من المشي لمسافة طويلة، توقفنا لالتقاط بعض الصور للسماء. وكانت جميع الأشياء تبدو غريبة. فقد كنت متخبطا بشكل فظيع بعد 10 ساعات في الطائرة، ورحلة أخرى لمدة ساعتين شمالا من سانتياجو وركوب الحافلة لمدة ساعتين، ولم يكن دماغي المتلهف لأي ذرة أكسجين فقط هو من أخرجني عن شعوري. وبدت صحراء أتاكاما مثل المريخ كما رسمها الدكتور سيوس. فقد كنت محاطا بالمنحدرات ذات الألوان المختلفة وتشكيلات الصخور الدائرية. ولكنني كنت عاقد العزم على تصوير شيء أكثر غرابة: سحابة ماجلانية كبيرة، وهي مجرة قزمة لا يمكن رؤيتها إلا من نصف الكرة الجنوبي. وضعت الكاميرا على صخرة متجهة إلى السماء، ولكن عدسة كاميرتي لم ترصد الغبار الكوني.

أضاع الانبهار بالسماء الرائعة ما تبقى لي من أنفاس على ارتفاع ثمانية آلاف قدم. وفي الأفق كانت كوكبة صليب الجنوب واضحة تمامًا. وكذلك ظهرت كوكبة الجبار أيضا، لكنها بدت غير منتظمة بحسب رؤيتي لها. وكان هناك الكثير من الأبراج التي لم أرها من قبل، فالعديد منها يحمل أسماء لاتينية. وعدد لا يحصى من النجوم المتلألئة وأنا أحدق في ضباب مجرة درب التبانة.

بالنسبة لمعظم الناس الذين سافروا خارج العالم المتقدم -سواء بهدف التخييم أو التأمل أو الصيد- فهذه النجوم الكثيرة الساطعة تمثل مشهدًا خلابًا. ولكن هذا الجمال غرس في شعورًا بالذنب. ففي وطني الذي يبعد 1500 ميل شمالا، لم أعرف مثل هذه السماوات البراقة. فحيث أعيش في الغرب الأوسط الأمريكي، ربما لا وجود لهذه النجوم. بعد رحلة استمرت ملايين السنين، ابتلعت أنوار المدينة الضوء القادم من تلك النجوم. ولكن أنا ككاتب في علم الفلك، وأفكر في النجوم والكواكب في جميع الأوقات. ماذا يقول إهمالي للسماء ليلا عن بقية البشرية؟

“ننحدر جميعا من علماء الفلك”، قالها عالم الفيزياء الفلكية نيل ديجراس تايسون في النسخة التمهيدية للبرنامج التلفزيوني كوزموس. فالجميع يمتلك السماء ليلا. كان هذا المجال الطبيعي يمكن أن يراه أجدادنا جميعًا ويعرفونه بشكل وثيق. ولكن منذ أن استعمرت مصابيح إديسون مدننا، توقفت الغالبية العظمى من البشر عن رؤية تلك السموات.

أكثر من 60% من العالم، و99% من الولايات المتحدة وأوروبا، يعيش تحت سماء صفراء ملوثة بالضوء. وبالنسبة للكثيرين منا، فالمكان الوحيد الذي يمكننا منه رؤية مجرتنا درب التبانة هو سقف القبة السماوية. وعلى الرغم من أن البشر كائنات نهارية، إلا أن المصانع وتويتر والمستشفيات وسي إن إن ليسوا كذلك، لذلك يجب علينا قهر الظلام. ونتيجة لذلك، فقد أضيئت جميع الأشياء التي بناها الصناعيًّين نهارًا وليلاً. مراكز التسوق، المستشفيات، وكلاء السيارات. الشوارع والجسور والموانئ الجوية والبحرية. هذه الأضواء الاصطناعية تبعد مدننا بعيدًا عن القمر. إذا هبط الفضائيون في أي وقت ربما تكون هذه الأضواء أول علامة على وجود شخص ما في المنزل.

لكن علم الكونيات، دراسة وتفسير الكون، كانت تعتمد دائما على السماء المظلمة ذات النجوم. الحضارات القديمة من اليونانيين إلى قبائل الباوني نظرت إلى النجوم ولم يروا فقط حكايات الخليقة، ولكن كانت تلك النجوم تشاركهم بنشاط في حياتهم. والمسيحيون، الذين يستثمرون المعاني العظيمة في خيرية الضوء وشر الظلام، نشروا رسالة مرصعة بالنجوم، أيضا، حيث يظهر نجم بيت لحم كمنارة للخلاص. وبعد مرور 1500 عام نظر غاليليو ورأى صورة جديدة للكون، مدشنًا فجر العلم الحديث. واكتشف إدوين هابل توسع الكون على ضوء الشموع من النجوم المستعرات الفائقة. كل هذا حدث تحت سماء عذراء، ورغم جميع المعطيات، لم تعد لدينا تلك السماء الآن.

لا يكون التلوث الضوئي أكثر وضوحًا، أكثر مما هو عليه في صور الأقمار الصناعية للأرض من الفضاء. ويبدو أن الولايات المتحدة القارية تنقسم إلى نصفين: الجانب الشرقي أكثر إشراقا من الغربي، باستثناء أضواء لاس فيجاس الساطعة. والطرق السريعة التي تتخلل أمريكا، لتربط بين النقاط المضيئة للمدن الصغيرة والمدن الكبيرة. وإذا ما تجاوزنا المحيط الأطلنطي، نجد أوروبا تلمع بالأضواء. أما موسكو فتظهر كنجمة تساعية مشرقة. بينما تشرق دلتا النيل مثل الهندباء تنبت من الميل بأفريقيا. وفي الشرق الأقصى، نجد هونج كونج وشنغهاي تلمعان ليلاً، كما نرى المنطقة المنزوعة السلاح الفاصلة بين كوريا الشمالية المظلمة عن كوريا الجنوبية أكثر نظافة. ولذلك فمن الواضح أن المجتمع المتطور هو ذلك المكان الذي يوجد فيه الضوء.

وقد اخترق الضوء الذي يسيطر عليه الإنسان الليل لآلاف السنين، قبل وقت طويل من ظهور إديسون. فنيران المخيمات التي تدفئ أجدادنا وتطهو وجباتهم، حيث يقول عالم الأنثروبولوجيا في جامعة هارفارد ريتشارد ورانجام في كتابه “إشعال النار” (2009) أن التجمع حول النار لتناول الطعام والتواصل مع الآخرين هو، في الواقع، ما جعلنا بشرًا. ولم تكن الصحبة فقط، ولكن كانت السلامة منذ فترة طويلة هي الأساس المنطقي للتغلب على ظلمة الليل. وكما قال أفلاطون إن “الأرواح الشريرة لا تحب رائحة المصابيح”. فضوء المصابيح اللامع المريح قادنا بأمان إلى منازلنا بالكشف عمن يريد إلحاق الضرر بنا من البشر والحيوانات والحفر.

وبحلول أوائل القرن السابع عشر، وكان يتم التأكيد على سكان المدن الكبرى مثل باريس ولندن بإبقاء الأضواء المنيرة في النوافذ المطلة على الشوارع، كما يشير المؤرخ روجر إكيرتش في كتابه “في نهاية اليوم: الليل في العصور الماضية” (2005). وقام دافعو الضرائب بتمويل المصابيح الزيتية والفوانيس المضاءة بالشموع في الطرقات، في حين تستخدم الأسر الميسورة شمع العسل أو الشموع النطفية. بينما اعتمد معظم الناس على الشحم، المصنوع من الدهون الحيوانية.

على الرغم من فائدتها، كانت هذه الأضواء الاصطناعية مصادر خطر في حد ذاتها. فقد تدمرت مساحات شاسعة من المدن، لا سيما لندن وشيكاجو، بسبب اندلاع الحرائق، جاءت نتيجة استخدام النيران. وبحلول القرن التاسع عشر، قللت مصابيح الغاز من مخاطر الحريق، ولكن لم تكن المدن أكثر أمانًا بسبب الجريمة؛ فقد أصبحت منطقة جاسليت في لندن في أواخر 1880، بسبب الضباب وأزقتها المظلمة، مشهورة بالقتل أكثر من أي شيء آخر. وحتى الآن، يوفر الضوء الاصطناعي إحساسا اصطناعيا بالأمن. ولم يجد تقرير أصدره المعهد الوطني الأمريكي للعدالة في عام 1997 أي علاقة واضحة بين الإضاءة ليلا ومعدلات الجريمة. فيما أشارت جمعية السماء المظلمة الدولية، وهي مجموعة مخصصة من المدافعين عن الليل، إلى أن المصابيح الساطعة والمشرقة تخلق تناقضات أكثر وضوحا بين الضوء والظلام مما تتسبب بالعمى للسائقين وأصحاب المنازل.

كانت الصحراء هادئة في منتصف الليل، بينما كنت أتجول مع كاميرتي في الربيع الماضي، ولكن أتاكاما كان بعيدة كل البعد عن متعة النوم. فالخنافس والعقارب الحمراء كانت تتحرك عبر الوحل. بينما تتقافز ضفادع أتاكاما السامة بين التلال. فيما انطلقت ثعالب أمريكا الجنوبية الرمادية تطارد الأرانب ذات الفراء الكثيف، وفئران داروين ذات الأذن الورقية. وتحلق البومة ذات القرنين الكبيرة في الهواء تحاول صيد القوارض والثعالب. وتشكل الحيوانات الليلية 30% من جميع الفقاريات و60% من جميع اللافقاريات على الأرض، وفقا لتقدير أجراه عالم الأحياء الألماني فرانز هولكر وزملاؤه. وسكان الليل هؤلاء هم الضحايا المباشرين للضوء الاصطناعي. حيث يتداخل التلوث الضوئي مع إيقاعاتها الطبيعية بطرق كثيرة.

ولقياس مستويات التلوث الضوئي، يستخدم العلماء مقياس لوكس، وهو مقياس للإضاءة يحسب كم فوتون في الثانية يضرب أعيننا. وكمثال على ذلك، كوكب الزهرة، في ألمع حالاته، ينتج 0.0001 لوكس. وفي المشهد الليلي الطبيعي، تتعرض النباتات والحيوانات لمستويات الضوء التي يكون حدها الأقصى من حوالي 0.1 إلى 0.3 لوكس، خلال الأسبوع الذي يكون فيه القمر كاملاً. وعلى النقيض من ذلك، فإن مركز تسوق نموذجي يعطي 10 إلى 20 لوكس في الليل. وبهذا يكون أكثر سطوعًا 200،000 مرة من إنارة أمسية غير القمرية.

وبالنسبة للطيور المهاجرة التي تطير ليلاً، فالضوء الاصطناعي يمثل صافرة إنذار قاتلة. ففي نيويورك كل سبتمبر، تتألق أعمدة في السماء في ذكرى تدمير برجي مركز التجارة العالمي. ونتيجة لذلك ترتبك عشرات الآلاف من الطيور المهاجرة في ضوء القمر والنجوم، فتطير في دوائر، وما أن يطفئ شخص ما الأضواء، تتصادم الطيور أيضًا مع المباني المتلألئة والمنارات مما يؤدي إلى مقتلها. وهذه المشكلة المنتشرة بشكل واسع في المدن من تورونتو إلى شیكاجو مما جعلها تتبنى حملات إطفاء الأنوار خلال موسم الهجرة.

تحتاج السلاحف البحرية إلى السماء المظلمة أيضًا كي تجد طريقها. وبسبب الأنوار تضل الطريق فتفقس على ساحل المحيط الأطلسي، في خلط واضح بين الشواطئ حيث اتبعت ضوء القمر الكاذب. وقد استغرق الأمر أمام مسئولو الحياة البرية في فلوريدا وحتى وكالة ناسا عشرات السنوات في محاولة لبناء شواطئ أفضل، وذلك باستخدام حواجز السكة الحديد القديمة والخشب الطيني والكثبان الرملية لإخفاء الضوء الاصطناعي المتدفق من الطرق السريعة ومنصات الإطلاق.

وتقريبا جميع أنواع الخفافيش الليلية، التي تصيد الحشرات والضفادع والرحيق وحبوب اللقاح والفاكهة وغيرها من الخفافيش تنشط في الليل المظلم. وتستخدم الخفافيش آكلة اللحوم الصدى بدلا من الرؤية لتحديد الموقع وتتبع فريستها، ولذلك يعتبر أي ضوء إضافي أمر خطير جدًا.

بينما اختارت الخفافيش أكلة الحشرات طرق مختلفة للبحث عن الطعام لتجنب 0.4 لوكس من الضوء، وفقًا لدراسة عام 2009 أجرتها إيما ستون من جامعة بريستول. وتتجنب الخفافيش الفاكهة الوهج أيضًا. وهناك عواقب بيئية وخيمة أيضًا، فتغيير مسارات الطيران يغير “بذور المطر”، التي يغذيها تغوط الخفافيش، والتي يمكن أن تكون مهمة لإعادة استعمار الغابات المطيرة. إلى جانب ذلك قد تؤدي هذه التغييرات إلى تغيير عادات الأكل لدى الخفافيش، ويمكن أن يكون للضوء آثاره الفسيولوجية المباشرة، كما كشفت دراسة أخرى.

وبالنسبة لحيوانات المحيطات السطحية، التي تعيش في الفضاء الحدودي بين السطح وقاع البحر، فإن ضوء القمر والشمس هما المعالم الوحيدة. فأضواء القوارب المبهرة في المياه الساحلية -وهي تمثل نشاطًا مضيئًا مرئيًّا من الفضاء- تغري الأسماك بالصعود إلى السطح وينتهي أمرها في شباك الصيادين، ولكن الأمر يؤثر أيضًا على ملاحة الكائنات البحرية وصيدها وعادات التزاوج لديها.

ويتجاوز تأثير الضوء أيضًا إلى العث وانقياده إلى اللهب، فاللافقاريات الليلية هي أكثر الأمثلة لتشويش الضوء على المخلوقات. فهذه الحشرات تتجمع حول مصادر الضوء حتى تموت من الإرهاق (أو الاشتعال في دائرة الضوء، أو تأكلها الطيور والخفافيش). وفي دراسة أجريت عام 2012، وجد العالم جوناثان بيني -من جامعة إكستر- أن التلوث الضوئي غير تركيبة المجتمعات البيئية في خمس مجموعات كبرى من اللافقاريات. وقال بيني: “إن إضاءة الشوارع تغير البيئة في مستويات أعلى من النظام البيولوجي أكثر مما كان معروفًا من قبل”، وأضاف إن هذا: “زاد من احتمالية تغيير هيكل ووظيفة النظم الإيكولوجية”.

و ينطبق هذا على المخلوقات النهارية أيضا. فالحيوانات التي تقضي حياتها أثناء النهار يعطلها ضوء الليل الاصطناعي. ففي بعض الأحيان، يؤدي الضوء الاصطناعي إلى إطالة ساعات النهار- ففي دراسة أجريت عام 2012، وجد عالم الأحياء روس دواير وزملاؤه في جامعة إكستر أن طيور الطيطوي أحمر الساق المائية تقوم بعملية الصيد بشكل أطول وأكثر فعالية في الليل على طول المصب الاسكتلندي الصناعي. ولكن كما هو الحال مع الحشرات، فإن هذا يحمل عواقب وخيمة على النظام البيئي الأوسع.

وعلى الأرض، تتسبب الإضاءة الاصطناعية في سلسلة من التغيرات الفسيولوجية السلبية على المخلوقات النهارية، وكثير منها يتسبب في تأخر إفراز هرمون الميلاتونين. حيث وجد دايفيد دومينوني وزملاؤه في معهد ماكس بلانك في ألمانيا أنه إفراز الهرمون تراجع في طيور الشحرور الأوروبية التي تعرضت لـ0.3 لوكس فقط في الليل. وقد قدمت هذه الطيور مواعيد الإنجابية شهرًا، وبدلت ريشها في وقت سابق، أكثر من الطيور التي ظلت في الظلام. كما وجدت دراسة مختلفة، أجراها ترافيس لونجكور من مجموعة وايلد لاندز في لوس أنجلوس، أن طيور القرقف الأزرق تحت تأثير ضوء أعمدة الشوارع وضعت بيضها في وقت مبكر من تلك التي تقضي ليلها في مكان مظلم. وفي الثدييات، من الفئران إلى الرجال، قد تكون آثار تراجع إفراز الميلاتونين أسوأ بكثير.

وتظهر مجموعة متزايدة من الأدلة أن التلوث الضوئي يؤدي إلى تفاقم حالات السرطان والسمنة والاكتئاب، وقد يسبب ذلك بشكل مباشر. وكان من أول من لاحظوا هذا الارتباط، خاصة فيما ينطبق على السرطان، ريتشارد ستيفنز، أستاذ في جامعة كونيتيكت، ومشهود له في علم الأوبئة السرطانية. وقد بدأ ستيفنز وغيره من الباحثين -في أوائل الثمانينيات- يكتشفون وجود علاقة ضئيلة أو معدومة بين النظام الغذائي وارتفاع معدلات الإصابة بسرطان الثدي، خلافا لما كان يشتبه به. وكما يقول ستيفنز، كان مثل لمبة ضوء مستمرة عندما اكتشف أن لمبة ضوء مستمرة ربما تكون الجاني.

ويتم إنتاج الميلاتونين في الغدة الصنوبرية، والتي تكون مخروطية الشكل في وسط الدماغ. وهو مشتق من السيروتونين، الناقل العصبي الذي يؤثر في المزاج والشهية. والميلاتونين هو مضاد للأكسدة، ويحمي الحمض النووي من التلف. وهذا له آثار هامة على بيولوجيا السرطان.

وقد نشر ستيفنز العديد من البحوث التي تظهر أن الميلاتونين يمكن أن يمنع أورام الثدي في الفئران. ولكن الدور الرئيسي للهرمون هو تنظيم دورة النوم اليومية من خلال التسبب في النعاس وخفض درجة حرارة الجسم الأساسية. وللميلاتونين نفس الوظيفة الأساسية في الناس والطيور والأسماك والبرمائيات والثدييات الأخرى. وينبغي أن يبدأ إنتاج الميلاتونين عند الغسق، وهو الموعد المفترض للنوم. غير أن الضوء يوقف افرازه، كما أكد لي ذلك ستيفنز.

وتساعد الاكتشافات الحديثة على تفسير ما يجري. ففي عام 2000، لاحظ العلماء صبغة خفيفة، أطلقوا عليها الميلانوبسين، في شبكية العين. إنه صباغ مختلف عن الأنواع الموجودة في مستقبلات الضوء المخروطية والقضيبية التي ساعدتني على رؤية المناظر الطبيعية أحادية اللون في منتصف ليل أتاكاما. وفي عام 2002، اكتشف عالما الأحياء ديفيد بيرسون من جامعة براون وسامر حتر من جامعة جونز هوبكنز نوعًا خاصًا من الخلايا التي تستخدم هذا الصباغ (تم وصفها لأول مرة، ولكنها نسيت بعد ذلك، في عام 1923). وقد أطلق عليها اسم “خلايا العقدة الشبكية الحساسة للضوء” ، رغم أنها لا علاقة لها بالرؤية، ولكنها تشعر بالضوء، الذي يتواصل وجوده مباشرة مع الدماغ. ومن خلال دراسة عيون المخلوقات البدائية مثل الجلكيات والأسماك المخاطية، تمكن العلماء من اكتشاف أن هذه الخلايا الخاصة كانت موجودة في شبكية العين الفقارية لمدة لا تقل عن 500 مليون سنة. وهذا يعني أنه منذ نشأة الحيوانات الفقارية، كانت مجهزة لتتبع نظام الليل والنهار، وتنمية دورات أيضها وفقًا لذلك.

عندما تفكر في حقيقة أن البشر استخدموا النار قبل 250 ألف سنة، والكهرباء قبل 130 عاما فقط، تبدأ أهمية الضوء لأدمغتنا في الوضوح أكثر وأكثر. وكما يقول ستيفنز، فإن الساعة البيولوجية هي صميم جميع الأحياء، بما في ذلك البيولوجية البشرية. ويدرس راندي نيلسون، عالم الأحياء البيولوجية في جامعة ولاية أوهايو، تأثيرات الضوء على الاكتئاب والسمنة منذ عام 2004، عندما تم نقل أحد الطلاب إلى المستشفى لتلقي علاج من عدوى ستاف.

اشتكى الطالب من الأضواء الساطعة في غرفته وفي مدخل المستشفى الذي سلبه النوم وأرق عينيه. ومن هنا قرر نيلسون وطالبة دراسات عليا أخرى، هي لورا فونكين، التحقق من هذه الشكوى باستخدام القوارض كحيوانات تجارب. ووجد الباحثان أن الفئران التي تعرضت للضوء الساطع المستمر أظهرت أعراض الاكتئاب، وتتحرك بخمول متجاهلة حصتها من الماء المحلى بالسكر. ثم وجدا أن نفس الأمر حدث عندما تعرضت الفئران لـ 5 لوكس فقط في الليل، عندما تكون الحيوانات نشطة في العادة. وهذا هو ما يعادل، كما لاحظت فونكين، ترك التلفزيون مفتوحًا في غرفة نومك، أو شاشة الكمبيوتر بجانب رأسك عندما تريد النوم. وفي وقت لاحق، عمل الفريق مع جرذان الحقل النيلي النهارية بدلا من الفئران الليلية، ووجدا نفس الشيء. لم تتعرض الفئران للاكتئاب فقط، ولكن تعرضت أيضًا لتغييرات واضحة في توصيل الخلايا العصبية في “الحصين”، وهو جزء من الدماغ مسئول عن عمليات التعلم والذاكرة والاستجابة العاطفية.

كما لاحظت فونكين أيضا شيئًا غير متوقع، فقد اكتسبت القوارض المعرضة للضوء مزيدًا من الدهون، على الرغم من أنها كانت تأكل نفس كمية السعرات الحرارية التي تتناولها المجموعة المعزولة في الظلام. ولكن الذي تغير هو إيقاعهم اليومي. حيث كانت هذه القوارض تأكل في وقت ينبغي أن تكون فيه غير نشطة، مما يزيد من نشاط الجهاز الهضمي والتمثيل الغذائي. إضافة إلى أن أحد الآثار الجانبية للفئران المخبرية هو أن بعضها لم يعد ينتج الميلاتونين، وقالت فونكين إن هذا يعني شيئا آخر ربما قطع ساعتهم الداخلية. وقالت فونكين يمكن استخلاص الكثير من الاستنتاجات البشرية من هذه الدراسات على القوارض، ولكن الأدلة الوبائية تشير إلى أن الآثار الجانبية على البشر يمكن أن تكون أكثر عمقًا.

ويعد الأرق هو احد أكثر الشكاوى شيوعا من أعضاء الطاقم الفضائي. فهم يتناولون حبوب النوم بشكل منتظم، ولكنهم لا يستطيعون النوم إلا لمدة ست ساعات فقط، على الرغم من أنهم يجب أن يناموا ثمانية ساعات. ويوصي ستيفن دبليو لوكلي، عالم الأعصاب في جامعة هارفارد، بتغيير الضوء لتحسين الوضع. وفي عام 2012، نصح مهندسي وكالة ناسا بتغيير المصابيح الكهربائية في محطة الفضاء الدولية إلى نوع من مصابيح ليد يمكن أن تنير ضوءً أزرقًا أثناء “النهار”، أثناء عمل الطاقم، ويتحول الضوء إلى اللون الأحمر عندما يحتاج الطاقم للراحة. ولماذا هذا الفرق؟ فالساعة البيولوجية اليومية المستقبلة للضوء، حساسة بشكل خاص للضوء نحو النهاية المزرقة من الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والنيلي والبنفسجي وطيف الضوء المرئي.

كذلك يأتي الضوء الأزرق أيضا من الهاتف أو الكمبيوتر اللوحي أو شاشة الكمبيوتر. هذا الضوء، في طوله الموجي يشابه ضوء النهار، وقد تبين أنه يؤدي إلى تفاقم حالة الأرق في عشرات الدراسات. وفي عام 2007، قام الباحثون البلجيكيون بدراسة 1656 مراهقًا حول استخدامهم للهواتف المحمولة بعد إطفاء الأنوار، ووجدوا أن أولئك الذين يستخدمون الهاتف أقل من مرة واحدة في الأسبوع كانوا أكثر عرضة ليكونوا “متعبين جدا” بعد عام. وبالفعل فإن استخدام الهاتف بعد إطفاء الأنوار التدريجي حوالي مرة واحدة في الأسبوع زاد من خطر التعرض “للتعب الشديد” خمس مرات. وفي عام 2012، أظهر باحثون في معهد رينسيلار التقني أن ساعتين من التعرض لشاشة مضيئة في الليل، مثل جهاز آي باد أو جهاز كيندل، خفضت مستويات الميلاتونين بنسبة 22 %. وتقول المؤسسة الوطنية الأمريكية للنوم إن أكثر من 90 % من الأمريكيين يستخدمون بانتظام نوعا من الأجهزة الإلكترونية في ساعة ما قبل النوم.

والأرق هو بالكاد أسوأ الآثار الجانبية للتلوث الضوئي. فالعمال المتحولون، الذين يستيقظون في الليل ويعملون تحت الضوء الأزرق، لا يعيقون الساعة البيولوجية اليومية والحرمان من النوم فحسب، بل تزداد خطورة إصابتهم بسرطان الثدي والبروستاتا. هذه السرطانات، التي تتطلب الهرمونات للنمو، تتوقف في وجود الميلاتونين، كما كشف ستيفنز. وفي عام 2010، نشر ستيفنز تقريرًا حول حساسية سرطان الثدي في 164 بلدا، ووجد زيادة بنسبة 30 إلى 50 % في خطر الإصابة بالسرطان في الدول التي تعاني من أسوأ تلوث ضوئي، ولكن لا يوجد انتشار متزايد للسرطانات التي لا تعتمد على الهرمونات في نفس العينة التي تم فحصها.

كما ناقش ستيفنز مجموعة من المشاكل لها علاقة بالضوء، وسألت ستيفنز: “هل من الجائز أن نسأل إذا كان الضوء هو العامل الرئيسي في الإصابة بالاكتئاب والبدانة والسرطان؟ وهل هناك احتمال بأن يكون الضوء هو السبب وراء كل تلك الأمراض؟” أجاب بـ “نعم” وقال بشكل قاطع: “لا شك في ذلك”.وأضاف أنه سيأتي اليوم الذي يشعر فيه الأطباء بالثقة عند قول ذلك، كما يقولون الآن إن التدخين يسبب سرطان الرئة. ولذلك فالجزء الغامض هو ما يجب كشفه في هذه المسألة.

سيل من الأضواء هو ما قد نطلق عليه “مشكلة العالم الأولى”. وحتى في الوقت الذي تحاول فيه المدن الغربية إعادة ليالي النجوم المشرقة، فإن الطلاب في جميع أنحاء الدول النامية في جنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لا يزالون يقرأون على ضوء الشموع.

وتميل المناطق التي تعاني من التدهور الاقتصادي إلى أن تكون أكثر قتامة؛ فبعد انهيار الشيوعية، أظهرت صور الأقمار الصناعية العديد من دول الاتحاد السوفيتي السابق كانت خافتة الأضواء في الليل.

وفي العالم الصناعي، عندما لا نتمكن من إطفاء الأضواء، فهناك آثار مفيدة قابلة للقياس على إيقاعات ساعتنا البيولوجية. ففي ورقة نشرت الصيف الماضي، أخذ كينيث رايت، من جامعة كولورادو في بولدر، ثمانية طلاب للتخييم في جبال روكي لمدة أسبوعين. لم يسمح لهم باستخدام أي ضوء اصطناعي بعد غروب الشمس، فقط وهج نيران المخيم. بعد أسبوع، بدأ هرمون الميلاتونين لديهم في الزيادة عند غروب الشمس، ويبلغ ذروته عند منتصف الليل، و وينخفض تدريجيًّا مع شروق الشمس، مما دعا رايت إلى كتابة نتيجة “رائعة”، وهي أن “الوقت البيولوجي الداخلي في ظل ظروف الضوء الطبيعي المظلمة تزامن بإحكام مع الوقت البيئي، وفي هذا الصدد، فالبشر يشبهون الحيوانات أخرى”.

بطبيعة الحال، عدد قليل جدا منا سيذهب إلى التخييم ليلاً، أو يتوقف عن العمل عند الساعة 4:30 مساء في فصل الشتاء، ناهيك عن اغلاق محطات الطاقة وأبراج التجارة العالمية. وحتى وأنا أقف حدادًا على فقدان الليل، فلم أكن أنا نفسي لوديًّا [مناهض الآلات]. وقد قرأت دراسة رايت وغيرها الكثير بينما كنت أجلس في السرير، بعد ساعات من غروب الشمس، استحم في الطيف الأزرق المنبعث من الآي باد. إنني أعشق السهر ليلاً وأشرب الكهرباء في نهم العطشان مثل أي شخص آخر. ولكن هناك بعض الأشياء التي يمكننا القيام بها جميعا.

فكما كشفت وكالة ناسا أن المصابيح الحمراء، بدلا من الزرقاء، هي الخيار الأفضل للقراءة في السرير. و يشعرعلماء الوقت البيولوجي بالقلق إزاء الدوامات الفلورية التي ستتألف من غالبية المصابيح الأمريكية عندما يتم حظر المصابيح المتوهجة أخيرا. حيث ينبعث منها الكثير من الضوء الأزرق – يجب علينا استخدام المصابيح الحمراء بدلا من تلك الزرقاء. والشيء نفسه ينطبق على العديد من أضواء البناء و مصابيح الشوارع. وإلى جانب إبقاءنا أكثر استيقظا، فإن هذا الضوء فضولي لنفس سبب كون السماء الزرقاء، حيث ينتشر بشكل أكثر سهولة، مما يتسبب في المزيد من التلوث الضوئي.

يمكن لمصابيح الشوارع الموجهة نحو الأسفل أن تضيء مساحات أكبر بينما تترك ظلالا أقل وتوهجا نحو السماء. ويمكن استخدام مصابيح أكثر ذكاءً وكفاءة توفر المال والطاقة. وكان هذا عاملا قويا في استعادة الليل في مدن مثل برينرد ومينيسوتا، وباريس– مدينة النور. منذ يوليو 2013، بدأت العاصمة الفرنسية تسير في الظلام لعدة ساعات ليلا لتوفير المال و “تقليل تأثير الإضاءة الاصطناعية على البيئة الليلية”، حسب قول وزارة البيئة. في ورقة نشرت في يناير الماضي، ذكر جوناثان بيني وزملاؤه في جامعة إكستر أن بعض المناطق المتقدمة اقتصاديا، وخاصة في جميع أنحاء أوروبا، تتجه لأن تكون أكثر ظلمة في الليل.

بالنسبة لمدمني الهواتف والألواح الإلكترونية المتوهجة، فتطبيق يسمى F.lux يمكن أن يساعدهم . فهو “يدفئ” شاشة جهازك بحيث تتحول إلى الضوء الأحمر في المساء، كما أنه أكثر توافقا مه المصابيح المتوهجة وتدرج غروب الشمس. مجرد نظرة خاطفة على هاتفك المحمول وقت النوم تكفي لتعريض شبكية عينك للضوء الاصطناعي، ولذلك فالتصدي لمثل هذا الاقتحام الضوئي الشامل ربما يكون ممارسة عقيمة. ولكن حتى لو كنا لا نستطيع إخماد عطشنا للضوء بالكلية، فيمكننا أن نصنع بادرة صغيرة واحدة، وهو الأمر الذي قد يدفعنا إلى إطفاء المزيد من الأضواء.

أحاول القيام بذلك كلما كانت السماء فوق سانت لويس واضحة. بعد أن أركب سيارتي، ولكن قبل أن أفتح بوابة السياج، وقبل أن أفتح جهاز استشعار حركة الضوء، أتوقف، وأتطلع إلى السماء. أومئ لكوكب المشتري، اللامع في الشرق. وأحيي كوكبة الجبار في شكلها الشمالي المألوف. ثم ألتفت إلى سطح القمر إذا كان ساطعًا، وأفتح عيني على اتساعها، على أمل أن أرى المزيد من النجوم تتسلل عبر ضباب المدينة لتصل إلي وأنا أقف في الظلام.

المصدر – aeon
comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!