العيادة النفسية حيث لا يجرؤ الآخرون!


ما إن تدخل إلى المكان حتى تشعر بأهمية هذا الرجل، شهاداته العلمية المعلّقة على جدار أبيض وإنجازات تصقل خبراته … كل شيء في هذا المكان مرتب الكتب مرصوفة بشكل ملفت، فنجان القهوة ينبىء أن الرجل على استعداد لبدء عمله. انتظرنا قليلاً حتى وصل صديق طفولته، هو يرتاح جداً لوجوده، يشعر بالطمأنينة ويقول “أنا أمرّ بأوقات لا أعرف فيها ما أريد. يعيش في داخلي مارد الفوضى يعبث بكل مشاعري أريد الهدوء، أريد الاستقرار النفسي كي لا أشكّل خطراً ربما على عائلتي أو على نفسي. نعم أقول بصراحة مطلقة ولا أخجل صحتي النفسية ليست على ما يرام”.

حال وليد قد يشبه حال الكثيرين، فالصحة النفسية وإن كانت على هامش أولويات الفرد في مجتمعنا، فهي حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيّف مع حالات التوتّر العادية والعمل بشكل منتج ومفيد، والإسهام في مجتمعه المحلي وليست مجرّد غياب الاضطرابات النفسية وذلك حسب تعريف منظمة الصحة العالمية.

في تعريف المجتمع، لا يزال هذا المصطلح يشوبه الضبابية، فقد يضع الناس كل الاضطرابات النفسية في سلة واحدة، في حين يخلط بعضهم بين المضطرب نفسيا والمجنون، ومردّ ذلك إما ضعف في ثقافة الصحة النفسية أو التعلق ببعض الموروثات الشعبية والغيبيات. ويؤكد الطبيب النفسي والخبير في علاج الإدمان الدكتور فضل شحيمي، أن الصحة النفسية تنقسم إلى جزأين أساسيين: المرضى النفسيون المدركين ويشكلون حوالي 85%، أما النسبة المتبقية من 10الى 15% فهم المرضى غير المدركين، وهؤلاء يفقدون الأهلية العقلية وهم بحاجة إلى وجود أحد من أفراد العائلة بصورة مستمرة. ويضيف شحيمي أن المريض النفسي في مجتعمنا قد يحارب في أغلب الأحيان، خصوصاً إذا لم يكن لديه الأهلية العقلية، فمريض “Schizophrenia”، أي الفصام، “ليس لديه إدراك عقلي، وعليه يحق للطبيب قانونياً إلزامه في أخذ العلاج، وقد يضطر إلى حجزه اذا لزم الأمر. إلا أن بعض الجمعيات ومنها الجمعية الأمريكية للطب النفسي ترفض أن يُعامل هؤلاء الأشخاص على هذا النحو، وتسأل: هل حجز المريض وتكبيله هو عمل أخلاقي؟؟ خصوصاً إذا لم يكن المريض يشكل خطراً على نفسه وعلى الآخر, وعن ارتباط الأمراض النفسية بالانتحار، يرجع شحيمي الأسباب إلى سوء التشخيص، فمعظم الدراسات الأوروبية والأمريكية تؤكد بأن المراهق قد يصل إلى الاكتئاب بسبب سوء التشخيص من جهة وعدم العلاج من جهة أخرى الأمر الذي يؤدي إلى الانتحار.


لماذا يهاب الناس الطبيب النفسي ؟

تدخل رنا (30 عاماً) إلى العيادة النفسية، حيث تأتي بشكل دوري لزيارة الطبيب النفسي، وهي تشعر بحال من القلق والتوتر، فهي تعاني من بعض الاضطرابات النفسية بسبب مشاكلها الأسرية. رنا التي رفضت الكشف عن اسمها الحقيقي كحال أغلب المرضى، لا أحد يعلم بأنها تزور الطبيب النفسي، حتى أفراد عائلتها، وتقول “أنا لا أريد أن ينعتني الناس بالمجنونة ولا أريد الشفقة والمنّة من أحد، المجتمع لا يتقبّل المريض النفسي، حتى عائلتي لن تتقبل الأمر، فهي لا تعي مفهوم الصحة النفسية”.

في حين يضحك هيثم (28 عاماً) ويقول “أنا لا يهمني أبداً ما يقوله الناس، همي الوحيد أن أكون متصالحاً مع نفسي، أن أعيِش مرتاح البال “. بنظرات حائرة وقلقة، يضيف هيثم أن المشاكل العائلية أثرت به بشكل كبير وهو في سن الرابعة عشر, أراد هيثم الهروب من هذه المشاكل، فبدل الذهاب إلى الطبيب النفسي، وقع في شرك التعاطي بالمخدرات، الأمر الذي زاد الطين بلّة. وحول التخلّص من الإدمان واللجوء إلى الطبيب النفسي يجيب هيثم “لو كان لدي ولدى عائلتي القليل من الوعي لما كنت وقعت الإدمان، أنا لا زلت في مرحلة العلاج  ولدي كل الثقة بطبيبي النفسي، وسأعمل جاهداً لكي أعاود حياتي الطبيعية، وسأكون على تواصل دائما مع طبيبي النفسي من دون أي خجل.

وعن سبب الخوف من الطبيب النفسي يؤكد شحيمي أن المرض النفسي يلامس روح الإنسان، والطبيب يحاول معرفة كل شيء عن المريض، أفكاره، خصوصياته، حتى أن التعابير والحركات يقرأها الطبيب كي يصل إلى التشخيص الصحيح، في حين يقوم معظم المرضى في الزيارة الأولى للطبيب النفسي بردة فعل سلبية تتمثل بعدم الكشف عن كل ما يروادهم من أفكار قبل أن يَطمئنّوا إلى الطبيب.

وعن تزايد نسية الوعي حول الاضطرابات النفسية وتقبل المجتمع لزيارة الطبيب النفسي، لا ينكر شحيمي تزايد حالة الوعي، ويُرجع ذلك إلى أسباب عدة، أهمها توافر وسائل المعرفة، من بينها وسائل الإعلام وبرامج التلفزة التي بيّنت بأن المرض النفسي قد يصيب كل فرد في المجتمع من دون استثناء، نتيجة الضغوطات التي يعيشها الفرد، والتي إن لم يحاول التكيّف معها ستخلق له اضطرابات نفسية مترافقة في بعض الأحيان مع الأمراض العضوية، ويضيف شحيمي “حتى وسائل الإعلام كانت تتعاطى مع الأمراض النفسية بشيء من الحذر والخوف، وتصوّر الطبيب النفسي على أنه غريب الأطوار في زيه أفكاره وتصرفاته. اليوم انقلبت الصورة أصبح الطبيب النفسي مطلوب لكي يوضح الكثير من الأسئلة وليكشف أن الأمراض النفسية يمكن علاجها، وأن عدم الاعتراف بها قد يؤدي الى نتائج لا تحمد عقباها”.

وبالنسبة للفئات الاجتماعية التي تتردد على العيادة النفسية، فيبيّن شحيمي أن هناك تغييراً جذرياًـ ففي الماضي كانت هناك طبقة اجتماعية معينة هي وحدها من تلجأ الى الطبيب النفسي، اليوم هناك صعوبة في حصرها بفئة معينة أو بمستوى اجتماعي معين، إلا أنه يوضّح أن الأفراد الذين يترددون على العيادة النفسية في بداية مشكلاتهم عادة ما يكونون على مستوى من الوعي والثقافة أكثر من غيرهم، لافتاً إلى أن بعض الزيارات للعيادة النفسية تكون نتيجة عدم تحمل الأفراد لنوعية الحياة الرديئة، الأمر الذي يتفاوت من شخص لشخص، بحسب ثقافته وامكانياته.


اختيار الطبيب النفسي

الشعور بالقلق المستمرّ من دون أسباب تذكر، والتوتر الدائم الذي يعيق حياتك، عملك أو تواصلك مع الآخرين، قد تكون مؤشرات ضرورية لزيارة الطبيب النفسي من أجل استدراك الأمر وعدم تفاقمه. ويؤكد شحيمي بأن أكثر الأمراض النفسية شيوعاً الاكتئاب، يليه القلق النفسي والوسواس القهري. وعن الخطوات التي يجب أن يتأكد منها المريض قبل زيارة الطبيب النفسي معرفة لماذا يجب زيارة الطبيب النفسي؟ يتبعها ضرورة بناء علاقة قوية مع الطبيب أساسها الثقة من أجل الوصول إلى الحل.

كما يجب الالتفات الى أن الطبيب النفسي يختلف عن المعالج النفسي، فالأخير يهتم بأساليب العلاج النفسي وليس لديه الحق في إعطاء الأدوية ووضع التشخيصات الطبية، أما الطبيب النفسي فهو كغيره من الأطباء درس الطب العام وبعدها طباً داخلياً، وهو طبيب محلّف وله الحق في صرف الأدوية, والجدير بالذكر أن عدد الاطباء النفسيين المزاولين للمهنة في لبنان بحدود الخمسين طبيبا. ويذكر دكتور فضل شحيمي بأن الطبيب النفسي ليس حكَماً، بل هو طبيب همّه علاج المرضى، مشدداً على أن المريض النفسي من حقه أن يمنع أي أحد من معرفة أمور تتعلق بمريضه، معوّلاً على دور التربية الإيجابية والوعي في تجنب الكثير من الاضطرابات.

من جانبها تؤكد المشرفة الصحية الاجتماعية فاطمة منصور على أن تكامل الأدوار مهم جداً بين الثلاثي: الطبيب النفسي، المشرف الصحي الاجتماعي والمعالج النفسي. فالدور الأول الذي يقوم به المشرف الصحي الاجتماعي هو استقبال المريض ومساعدته على التحرر من الإحساس بالخوف، وطمأنته وفهم الحالة التي يمرّ بها من خلال تكوين علاقة مهنية مع الأسرة، وفهم الأسباب الحقيقة وراء الاضطرابات النفسية ومساعدة أسرته على تقبل طبيعة المرض النفسي وكيفية التعامل معه، وإقناعهم بأهمية العلاج وأن المرض النفسي كالمرض العضوي لا بد من علاجه أو دخول المستشفى إذا لزم الأمر. وتشدد منصور في هذا السياق على ضرورة التوعية والإرشاد بشأن الأمراض والإضطرابات النفسية والعناية والكشف المبكر عن الاضطرابات التي تحصل للفرد، معتبرة أنه من الضروري اليوم أن تلجأ المؤسسات كافة إلى إعطاء أهمية ومكانة للمرشد الاجتماعي، أو حتى المعالج والطبيب النفسي، خصوصاً في المدارس والجامعات، كي لا تحدث بعض المآسي جراء الإهمال والخوف من الاضطرابات النفسية كمحاولة الانتحار مثلاً.


Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!