هل جعل ترامب إيران أكثر شعبية؟


كتبت روبن رايت في “نيويوركر”:

 

يوم الإثنين الماضي، جلست في “وان يو أن بلازا” الفندق الشاهق الذي يقع في شارع الأمم المتحدة في نيويورك، وأنا أشاهد موكباً من الدبلوماسيين الأوروبيين أثناء توجههم للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني. بوريس جونسون وزير الخارجية البريطاني الاشقر يتجول في رواق الفندق وهو غارق في محادثة عميقة مع وفده. الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون، يتقدمه ضابط عسكري يرتدي كيبي مميّزة ويرافقه بضعة مساعدين فيما يهرع قبله عدد من المصورين.
واحداً تلو الآخر أجرى الأوروبيون محادثات مع زعيم بلد كان لعقود منبوذاً من العالم الخارجي، لكن ليس بعد الآن. العالم الخارجي بات الآن يذهب نحو إيران.
خلال حملته ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض استهدف الرئيس ترامب الدولة الإسلامية بأكثر الكلمات تعبيراً عن الغضب. في جلسة افتتاح الجمعية العامة في الأمم المتحدة الثلاثاء وصف ترامب إيران بـ”المتهورة” و”الديكتاتورية الفاشلة” على طريق إراقة الدماء والإرهاب. كرر ضمنياً أنه يريد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه مع القوى الست الرئيسية الكبرى في عام 2015.
يجب على الرئيس وفق ما هو مطلوب منه في الكونغرس أن يصادق كل 90 يوماً على أن إيران ملتزمة بالاتفاق. سبق لترامب أن صادق مرتين لكنه أشار إلى أنه قد يبدّل رأيه في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر، بما قد يقوّض اتفاق عدم انتشار الأسلحة النووية الأكثر أهمية في العالم (سواء أعجبتك شروطه أم لم تعجبك) منذ أكثر من ربع قرن.
خلال هذا الأسبوع تهكم ترامب على وسائل الإعلام وأغاظ رؤساء دول آخرين من خلال التلميح إلى نواياه. يوم الأربعاء قال للمراسلين ثلاث مرات “لقد اتخذت قراري” ولدى سؤاله عن التفاصيل قال مرتين “سأعلمكم بذلك”. حتى إن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي لم تتمكن من إقناعه بمشاركتها قراره وفق ما قال وزير الخارجية ريكس تيلرسون للصحفيين. بيد أن كلام ترامب القاسي وطرائفه غير الناضجة أدت إلى نتائج عكسية. إذ إن القوى الرئيسية في العالم وأقرب حلفاء أميركا والغالبية العظمى من الحكومات أعلنت من الأمم المتحدة بوضوح أنها تفضل الاتفاق. هذه المرة هم منحازون إلى إيران.
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فريديريكا موغريني استضافت اجتماعاً لوزراء خارجية إيران والدول الست الموقعة على الاتفاق الأربعاء. كانت تلك المرة الأولى التي يلتقي فيها تيلرسون نظيره الإيراني محمد جواد ظريف. بعد اللقاء كانت موغريني مباشرة وصريحة قائلة في مؤتمر صحفي في الأمم المتحدة “إن الاتفاق النووي قائم ويعمل”.
ثمانية تقارير للوكالة الدولية للطاقة الذرية آخرها صدر في وقت سابق من هذا الشهر، كلها أثبتت التزام إيران الكامل، كما قالت موغريني. عواقب الخروج من الاتفاق وإلغائه ستكون مكلفة. قالت موغريني “دعوني أؤكد على مسألة يجب أن تكون بديهية بالنسبة لجميع العالم وهو أن وجود اتفاق نووي قائم بين يدينا هو أداة استراتيجية بيد المجتمع الدولي وهو ليس جزءاً غير ذي صلة من الأمن العالمي. وأضافت “لدينا أصلاً أزمة نووية محتملة. وبالتأكيد لا نحتاج واحدة أخرى. الاتفاق حال دون وجود برنامج نووي. دعونا لا ننسى ذلك”.
في ردّ غير مباشر على ترامب، أشارت موغريني إلى أن الاتفاق الذي أبرم بعد سنتين من الدبلوماسية المضنية ليس ملكاً لدولة واحدة. كما أنه تم تأييده بقرار في مجلس الأمن. وبناء عليه فإن جميع الاعضاء في الأمم المتحدة يجب عليهم الالتزام به. الاتفاق ملك للمجتمع الدولي.

في خطابه في الأمم المتحدة رفض ماكرون أيضاً رؤية ترامب بشأن الاتفاق النووي. قال “إن التنازل عنه سيكون بمثابة خطأ جسيماً وعدم احترامه ينمّ عن عدم المسؤولية لأنه اتفاق جيد وضروري للسلام في الوقت الذي لا يمكن فيه استبعاد حصول حريق. كما أن ماكرون قال لمجموعة من الصحافيين في نيويورك إنه كان مباشراً للغاية في حديثه مع ترامب الثلاثاء قائلاً له إنه يريد القضاء على الاتفاق لأنه اتفاق أوباما. خلال لقائها مع ترامب أعادت وزيرة الخارجية البريطانية تيريزا ماي التأكيد على الالتزام الشديد بالاتفاق بوصفه هاماً وحيوياً لأمن المنطقة، وفق بيان صحفي.
روسيا والصين اللتان تملكان علاقات استراتيجية ودبلوماسية أو حتى تجارية مع طهران هما من الموقعين على الاتفاق ولطالما فضلوا التوصل إلى اتفاق معها. أما الأوروبيون الذين يمثلون جميع اللاعبين الآخرين الرئيسيين فعلى قدر من الأهمية نظراً لأنهم كانوا متناغمين مع الولايات المتحدة منذ الثورة الإيرانية عام 1979. بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة قضايا مشتركة متشابهة من بينها التجارب البالستية الإيرانية ودعم إيران للمتطرفين وانتهاكاتها لحقوق الإنسان واعتقالها لمواطنيها وصولاً إلى التدخل الإيراني المتزايد في الصراعات في الشرق الأوسط لا سيما في سوريا والعراق واليمن، بيد أنها المرة الأولى منذ قرابة أربعة عقود التي يبدو فيها الأوروبيون مستعدين للابتعاد عن واشنطن.

قال تيلرسون إن لقاءه الأول مع ظريف كان فرصة للمصافحة والتعارف. لم يصرخ أحدنا على الآخر ولم نتراشق الأحذية. لم تكن هناك نبرة غاضبة على الإطلاق. كان الأمر عبارة عن تبادل الآراء حول نظراتنا المختلفة جداً للاتفاق. حتى إن تيلرسون مدح الإيرانيين قائلاً “إنهم مثقفون بشكل جيد ومتطورون وقادتهم كذلك ووزير الخارجية ظريف هو بالتأكيد من تلك الفئة”.
إن صراع ترامب مع إيران يعود إلى التأويلات المختلفة للجملة الثانية من الفقرة التمهيدية للاتفاق والتي تقول إن القوى الست الكبرى تتوقع أن يساهم التنفيذ الكامل للاتفاق بشكل إيجابي في السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي. تصرّ إدارة ترامب على أن إيران انتهكت هذه الجملة مراراً وبالتالي الاتفاق برمّته. قال تيلرسون “من المؤسف أنه منذ دخول الاتفاق حيّز التنفيذ لم نرَ المنطقة أكثر سلاماً واستقراراً” مضيفاً “إن طهران قد تكون التزمت بالجوانب التقنية لكن لم تلبِّ الطموحات الأوسع”.
كذلك يشعر الرئيس بالقلق حيال البنود التي تسمح لإيران باستئناف بعض الأنشطة بعد انقضاء مهل محددة بدءاً من عقد إلى ربع قرن. موغيريني ردّت أيضاً على هذه الحجة حيث أخرجت نسختها من نص الاتفاق وقرأت الجملة الثالثة من المقدمة التي تتبع الجملة موضوع الخلاف مع الولايات المتحدة والتي تقول “إن إيران تؤكد مجدداً أنها لن تسعى مطلقاً تحت أي ظروف إلى تطوير أو حيازة أسلحة نووية”.

التقيت روحاني مرتين خلال إقامته التي استمرت ثلاثة أيام. المرة الأولى كانت بعد انتهاء زيارة وفد الزعماء الاجانب له حيث حضر اجتماعاً مع مسؤولين أميركيين سابقين من بينهم أعضاء كونغرس سابقون وباحثون أميركيون وصحافيون. المرة الثانية كانت خلال مؤتمر صحفي بعد خطابه في الجمعية العامة الأربعاء. في المرتين حظي روحاني بحماية الأجهزة الاستخباراتية الأميركية كونه رئيس دولة. بدا المشهد لافتاً بين العناصر الأميركيين بربطات العنق الملوّنة والوفد الإيراني الذي لا يرتديها في خطوة ترمز لرفض الهيمنة الغربية.
أعيد انتخاب روحاني رجل الدين والسياسي الوسطي الحائز على دكتوراه من سكوتلندا في أيار/ مايو حيث نال 73% من الأصوات أي أكثر بمليون صوت من الأصوات التي حصل عليها في ولايته الأولى عام 2013.
ويبدو أن القيادة الإيرانية الحالية تشعر بثقة أكبر في تعاملها مع العالم بعد سنوات من القطيعة المتبادلة. من على منبر الأمم المتحدة، مرتدياً عمّة وعباءة رجل الدين، أطلق روحاني مواقفه تجاه ترامب قائلاً “إنه سيكون من المؤسف تدمير هذا الاتفاق من قبل الوافدين الجدد إلى عالم السياسة”.
وأضاف أن “الخطاب الجاهل والسخيف والبغيض والمليء بالمزاعم التي لا أساس لها من الصحة والتي تم الإعلان عنها أمام الجمعية العامة لا ينسجم مع منظمة أنشئت لتعزيز السلام والاحترام بين الدول” متعهداً بأن “إيران لن تكون أول من يخرق الاتفاق النووي”.
خلال قمم مصغّرة بين الزعماء في نيويورك هذا الأسبوع سرت أحاديث كثيرة عن التنازلات المحتملة مثل الحفاظ على الاتفاق مع اطلاق مفاوضات جديدة لتمديد مهل بنود الانقضاء. يوم الاربعاء سألت روحاني إذا كانت إيران مستعدة لتغيير أي من شروط الاتفاق. فقال لي “إن الاتفاق منجز ولا عودة إلى الوراء والى التفاوض مجدداً أو اجراء تغييرات فيه” مضيفاً “إن الاتفاق ليس شيئاً يمكن لأحد أن يلمسه. إنه عبارة عن بناء من النوع الذي ينهار كلّه في حال أخذت لبنة واحدة.
روحاني، مستشار الأمن القومي السابق والمفاوض النووي، حذر من أن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق سيعني أن الخيارات أمامنا مفتوحة للقيام بما هو في مصلحة بلادنا قائلاً إنه بدأ بالفعل النقاش حول الخيارات في طهران.

لطالما أرادت إيران أن تنتج وقودها الخاص للمفاعلات النووية مع تنويع مصادر الطاقة لديها. القوى الرئيسية في العالم لم تثق يوماً بكلام إيران عن تعهدها بعدم تطوير قنبلة نووية بالرغم من كل الوعود التي أطلقتها. أحد أبرز الأهداف من الاتفاق هو منع إيران من نقل اليورانيوم المخصب إلى مرحلة تصنيع قنبلة.
كما حذر روحاني ترامب من أنه سيدفع ثمناً باهظاً إذا رفض الاتفاق مشيراً إلى أن واشنطن تحظى بدعم زعيم واحد هو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنجامين نتنياهو. أكثر من 190 دولة تؤيد الاتفاق النووي.
قال روحاني في مؤتمر صحفي “إذا كان المسؤولون الجدد في الولايات المتحدة يعتقدون أن خرق الاتفاق النووي سيشكل ضغطاً على إيران فإنهم مخطئون تماماً”. وعلى الصعيد العالمي توقع أن تصبح الدبلوماسية الأميركية موضع شكوك إذا قرر الأميركيون الخروج من اتفاق كانت لديهم اليد الأكبر في صياغته.
بدلاً من ذلك أبلغ الزعيم الإيراني الصحفيين أن “موقع إيران في العالم سيكون أقوى وأفضل من السابق”. هذا قد يكون كلاماً مبالغاً به نظراً لسياسات هذا البلد الكثيرة التي تعتبر على نطاق واسع خطيرة على كل من الشعب الايراني والعالم الخارجي.
النظام لا يزال يحتجز عدداً من المواطنين الأميركيين وحاملي البطاقة الخضراء، بعضهم حكم عليه بالسجن بتهمة التجسس من بينهم موظفون سابقون في الامم المتحدة. لكن إيران لا شك حظيت بالتعاطف في الأمم المتحدة حيث كان حلفاء أميركا يدافعون عن  إيران في مقابل إدارة ترامب.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!