حرب المعلومات في العصر الرقمي.. روسيا في مواجهة الغرب


معروف عن فلاديمير بوتين الرئيس الروسي أنه يعشق ركوب الخيل والسباحة والتصوير ولعبة الشطرنج. رئيس جاء من قلعة المخابرات الروسية وظيفته في الأساس كانت المعلومات. جمعها، تصنيفها، تحليلها، رسم صورة للقرارات التي ينبغي اتخاذها. يدرك تماما أننا في زمن المعلومات وأننا نعيش العصر الرقمي “The Digital Era” وأن وسائل التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”تويتر” تلعب دورًا متناميًا في تشكيل الرأي العام، وصارت لها قوة لا يستهان بها عند صناعة القرارات المصيرية. يقول فرانسيس فوكوياما -أحد أبرز المفكرين السياسيين في عالمنا اليوم، وصاحب كتاب نهاية التاريخ- إن بوتين عرف مبكرا أهمية أدوات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ومواقع الأخبار الإلكترونية، فكلها تشكل نقمة ونعمة، فيمكن أن تستخدمها لتنشر أخبارك وأفكارك ومشاريعك، ويمكن أيضا أن تنشر من خلالها الأكاذيب والإشاعات والفوضى. رغم أنه لا يوجد دليل قطعي نهائي على أن من اخترق إيميلات هيلاري كلينتون ولجنة الحزب الديمقراطي الأمريكي هم الهاكرز الروس العاملون لصالح مخابرات بلادهم، فإن فوكوياما يعتقد أن روسيا خلف الفوضى التي سببتها اختراق إيميلات هيلاري كلينتون، وساعدت بقدر كبير على فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية، ولحين انجلاء الحقيقة تبقى الشكوك هي دلالة واضحة على حرب من نوع جديد، حرب المعلومات ونشر الفوضى عبر وسائل الاتصال التي ابتكرها في الأساس الغرب.
بالقرب من ميدان تايمز سكوير بنيويورك تجد سيارة جيش واقفة في منتصف منطقة تتوسط الشارع، ومسورة بسور صغير، وبجوارها مكتب للجيش الأمريكي. وما بين السيارة والمكتب لافتة مكتوب عليها “الحرية تحتاج إلى تكلفة وتحتاج إلى من يحميها انضم إلينا لتحمي الحرية”.
يدرك الجيش الأمريكي أن جنوده هم من يحمون حرية بلادهم، وهي حرية قيادتها في صناعة القرارات الأممية، وحرية شركاتهم في النفاذ للأسواق العالمية وحماية حرية ملاحتهم البحرية وحرية بلدهم من الاعتداءات الإرهابية وبناء قواعدهم العسكرية حول العالم.
لكن حرب المعلومات وفوضى الأخبار التي تسيدها بوتين تحتاج إلى جنود من نوع جديد، جنود لا يرتدون الزي العسكري التقليدي، ولا يحملون بنادقهم على أكتافهم، إنهم جنود تحليل المعلومات وتصنيفها والرد عليها وحماية الرأي العام من الأخبار الكاذبة ومن فوضى أدوات التواصل الاجتماعي. يعمل هذا الجندي من خلف شاشات الكمبيوتر ليحمي ذلك الجندي الواقف في ميدان المعركة، الذي بدوره يحميه من إرهابي متطرف يشق طريقه ليفجر نفسه أو يطلق رصاصاته أو يستخدم سكينه لقتل الأبرياء.
إنها حرب تتطلب تكاملا ما بين هذا وذاك، وإلا أصبحت المجتمعات في حالة فوضى لا يأمن فيها المرء على مستقبله. على الجانب الآخر من الأطلنطي بدأ الرئيس الفرنسي ماكرون الاستعداد لأي اختراقات روسية للحياة الفرنسية، ففي أثناء حملته الانتخابية رفض ماكرون مشاركة قنوات “RT” و”سبوتنيك” في تغطية مؤتمراته الانتخابية، وعمل الأمن الفرنسي ليلًا ونهارًا لمراقبة وصد أي اختراق محتمل من مجموعات الهاكرز الروسية، التي تديرها من خلف الستار مخابرات روسيا.
في قلب أوروبا أحداث تتسارع قبل الانتخابات الألمانية التي ستجري يوم الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الحالي. تجلس المستشارة الألمانية ذات النفوذ القوي على مكتبها وتحدق في الخطط التي أمامها في كيفية مواجهة الاختراقات الروسية المحتملة لبنية المعلومات الألمانية. سيدة أوروبا الأولي تستعد أن تخوض انتخابات المستشارية للفترة الرابعة على التوالي. ساحة المنافسة تبدو في صالحها لكنها استعدت لأي شيء غير متوقع، فهي لا تريد تكرار ما حدث لهيلاري كلينتون، التي أشارت كل التوقعات إلى فوزها، لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي هيلاري.
في مايو الماضي أقر البرلمان الألماني قانونًا يلزم شبكات التواصل الاجتماعي بإزالة المحتويات التي تحض على الكراهية، أو تروج للإرهاب، أو تنشر أخبارًا كاذبة تؤدي إلى إثارة الرأي العام. واشترط القانون أن تتم إزالة المحتوى في غضون 24 ساعة من نشرها، وفي حال المحتوى المشكوك في مضمونه يمهل القانون منصات التواصل الاجتماعي مدة لا تزيد على سبعة أيام لإزالتها، وإذا لم تلتزم شبكات التواصل الاجتماعي بهذا القانون، فإنها ستكون معرضة لدفع غرامة تصل إلى 50 مليون يورو، أي ما يوازي مليار جنيه مصري.
بعد صدور القانون صرح وزير العدل الألماني هايكو ماس بأنه لا يجب أن نتسامح إزاء الاستثارة الغوغائية الإجرامية، التي تنتشر من خلال شبكات التواصل وتؤدي إلى بلبلة الشارع.
بهذا القانون تريد ألمانيا إحكام السيطرة علي أية تدخلات محتملة من جانب الهاكرز في تغيير سلوك الرأي العام إزاء عمليتها الانتخابية والحشد لتأييد اليمين المتطرف.
في مقابلة مع مجلة “التايمز” يقول الدكتور سيمون هيجليش أستاذ العلوم السياسية بالجامعة التقنية بميونخ، إن المستشارة الألمانية قامت بطلب مقابلته لتعرف منه كيف يمكن التأثير على توجهات الناخبين من خلال أدوات التواصل الاجتماعي. يؤكد هيجليش أن الديمقراطية هي الوجه الآخر للرأي العام، فإذا تم إفساد الرأي العام سنشهد نوعًا جديدًا من الديمقراطية لا يعمل لصالح المجتمع.
بدوره أقر مارك زوكربيرج مؤسس “فيسبوك” بأن المجتمع من حقه مساءلة شركات التواصل الاجتماعي عن مصداقية مصادر المعلومات التي تروج لها، إلا أنه يعترف بأن المصداقية شيء يصعب إثباته دائمًا والحقيقة معقدة دائمًا بشكل كبير. تتوقع مؤسسة الدراسات والأبحاث العالمية “جارتنر” أن تصل تكلفة منتجات وخدمات أمن المعلومات إلى 86 مليار دولار مع نهاية 2017، وبزيادة مقدارها 7% على عام 2016، بل تتوقع أن الأعوام التالية ستزداد القوانين والأدوات التي تعمل على حماية المعلومات والتصدي لفوضى تزييف الوعي الجمعي للإنسان من خلال نشر الأخبار الكاذبة.
الاهتمام بتنقيح المعلومات من الأخبار الكاذبة وحماية المعلومات سواء معلومات الأفراد أو الشركات أو المؤسسات الوطنية صار على قمة أولويات الحكومات الغربية ومراكز التفكير وصانعي السياسات. حماية المعلومات والحفاظ على حيادية الرأي العام نابعة من الإيمان العميق بمبادئ الديمقراطية، التي أدت إلى ازدهار وتقدم الغرب. هذا الإيمان يدفع المفكرين لكيفية التعامل مع هذا التحدي الجديد الناتج عن العصر الرقمي. فهل نحن على الخريطة أم أن مصالحنا القومية والفردية ليست على الأجندة، لأننا لا نزال خارج العصر الرقمي بدليل سرعة الإنترنت، حيث إن ترتيبنا يأتي في ذيل القائمة باحتلالنا المركز 130 من أصل 135، وفق تقرير شركة “أكامي تكنولوجيز”.

comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!