حجج الولايات المتحدة ضدّ الاتفاق النووي كذبة كبيرة


الكاتب الأميركي ستيفن والت ينتقد الحجج التي تسوقها إدارة ترامب من أجل إنهاء الاتفاق النووي واصفاً خطاب المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة بهذا الشأن بأنه مليء بالخداع والأباطيل متسائلاً عمّا إذا كان الكونغرس قادراً على تحمّل مسؤولية النتائج المترتبة على القضاء على الاتفاق؟

فلنتخيّل أننا عدنا للعام 1948 ولنفترض أن جوزيف ستالين عرض آنذاك وقف جهود الاتحاد السوفياتي لتطوير قنبلته الذرية لـ15 عاماً. فلنفترض أنه قبل كجزء من الاتفاق السماح لمفتشي الأمم المتحدة بالدخول إلى الاتحاد السوفياتي ومراقبة كل منشآته النووية، وصولاً إلى قبوله حتى بتفتيش منشآت سوفياتية أخرى شرط أن تكون لديهم أسباب وجيهة للاشتباه بوجود أنشطة محظورة فيها. لتجميل العرض أكثر من ذلك، فلنتخيل أن ستالين أعلن استعداده التخلي عن كمية كبيرة من اليورانيوم المخصّب التي كان الاتحاد السوفياتي قد راكمها سابقاً، والإبقاء على كمية أقل من تلك الضرورية لتصنيع قنبلة. ما الذي كان يريده في المقابل؟ مجرد بعض التنازلات الاقتصادية من أجل المساعدة على إعادة بناء الاقتصاد السوفياتي المدمّر.
فلنفترض أن ستالين أصرّ من خلال هذا العرض على الاحتفاظ بالقدرة على تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية (مثل مفاعلات الطاقة والاستخدامات الطبية). ولنفترض أيضاً أنه كان واضحاً بشأن عدم نيته سحب الجيش الأحمر من أوروبا الشرقية أو وقف محاولة نشر الشيوعية في الأجزاء الأخرى من العالم. باختصار لو حصل ذلك كانت ستستمر الحرب الباردة لكن الاتحاد السوفياتي لن يكون دولة مسلّحة نووياً طالما ظلّ الاتفاق ساري المفعول.
بالتأكيد من الصعب تصديق أن الديكتاتور السوفياتي المصاب بجنون العظمة كان ليقدّم مثل هذا العرض. لكن لو حصل ذلك هل تعتقد أن هاري ترومان وجورج مارشال ودين اتشيسون كانوا سيرحبون بذلك؟ هل تراهن أنهم كانوا سيفعلون ذلك؟ لو حصل هذا الاتفاق في عام 1953 لكان دوايت ايزنهاور وجون فوستر دالاس فعلوا كل ما بوسعهم من أجل الحفاظ عليه لسبب واضح وهو أنه كان سيبقي الاتحاد السوفياتي بعيداً من الحصول على أسلحة ذرية حتى بدايات الستينيات على الأقل وكان سيقللّ من احتمال قيام موسكو بمفاجأتنا بالاختبار الاستعراضي المفاجئ كما فعلت في عام 1949. على الأقل كان من شأن هذا الاتفاق أن يمدد فترة التحذير من أي جهد سوفياتي للتسابق نحو الحصول على قنبلة نووية.

من باب التأكيد فإن هذا السيناريو المغاير للواقع لا يمكن تخيّله تقريباً. مع ذلك فإنه يذكرنا كيف أن الحملة المتجددة ضدّ الاتفاق النووي مع إيران هي غريبة وقصيرة النظر وغير واقعية.
في الواقع فإن إيران وافقت على الشروط نفسها التي ذكرت أعلاه، لجهة إزالة أي احتمال لأن تصبح دولة مسلّحة نووياً للسنوات الخمس عشرة المقبلة على الأقل.
لكن على الرغم من أن هذه الصفقة هي لمصلحة الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين في المنطقة إلا أن منتقدي الاتفاق أنفسهم مستمرون بالتصويب عليه.
آخر جولات حملتهم هذه كان خطاب مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي المليء بالخداع والأباطيل الذي ألقته في معهد “أميركان انتربرايز” الأسبوع الماضي. الخطاب مفيد بمعنى واحد لجهة تقديمه ملخصاً مفيداً لكلّ الحجج الخلاقة والمثيرة التي عمل معارضو الاتفاق على طبخها منذ توقيع الاتفاق. لسوء الحظ فإن هذا الخطاب ليس دليلاً دقيقاً على مضمون الاتفاق أو وضعه الحالي والأهم من ذلك أنه لا يعبّر عن مصالح الولايات المتحدة.
من بين أمور أخرى ادعت هايلي خطأ أن “الاتفاق منح إيران ما تريده بشكل مقدّم في مقابل وعود مؤقتة بتسليمنا ما نريد”. الحقيقة هي مختلفة بـ180 درجة عن هذا الادعاء: إيران تخلّت عن اليورانيوم المخصّب ودمرت 13 ألف أجهزة طرد مركزي وفككت مفاعل آراك وسمحت للأمم المتحدة بوضع أجهزة مراقبة، ونفذت البروتوكول الإضافي لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية فضلاً عن مجموعة من التدابير الأخرى، كل ذلك قبل أن رفع الولايات المتحدة أو أي أحد آخر العقوبات عنها.

معارضو الاتفاق النووي هم العباقرة الاستراتيجيون أنفسهم الذين قالوا يوماً إن إسقاط صدام حسين سيكون سهلاً وغير مكلف وسيحوّل الشرق الأوسط إلى بحر من الديمقراطيات المؤيدة للولايات المتحدة.

هايلي ادّعت أيضاً أن إيران ارتكبت انتهاكات عديدة، وهو ما تكذبه حقيقة أن الحكومة الأميركية والوكالة الدولية للطاقة الذرية صادقتا مراراً على امتثال إيران للاتفاق. وقد تجاوزت إيران الـ130 طناً التي كان متفقاً عليها بخصوص المياه الثقيلة مرتين (بأقل من طن في كلّ مرة) لكن سرعان ما أصلحت هذه المسألة عند الإشارة إلى ذلك.
كررت هايلي حديث المحافظين الجدد حول أنشطة إيران المزعزعة لاستقرار المنطقة والتي لم تكن على الإطلاق جزءاً من الاتفاق بل يجب أن تكون سبباً لكي نفرح بالاتفاق كونه يمنع إيران من الحصول على القنبلة النووية، وأثارت الضجة بشأن “المواقع غير المعلنة” المفترضة التي لم تخضع لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
في منطق هايلي الملتوي، من المستحيل معرفة ما إذا كانت إيران ملتزمة بالاتفاق من دون تفتيشنا كل مختبر وقاعدة عسكرية ومسجد وغرفة في فندق وقسم أمومة في مستشفى وحظيرة غنم في مختلف أنحاء البلاد. من الأسهل اختراع التهم الزائفة بدلاً من الوصول إلى الحقيقة بما يجعل من عملية التحقق مما يقوله منتقدو الاتفاق عملية مرهقة لا نهاية لها.
للاطّلاع على المزيد من محاولات فضح زيف خطاب هايلي ما عليك إلا متابعة بول بيلار أو مشاهدة نشرة إيما اشفورد أو موقع “الدبلوماسية تنجح” (Diplomacy Works).
حين لم تسعف الحقائق والمنطق معارضي الاتفاق النووي لجأ هؤلاء إلى خرافة “الاتفاق الأفضل”. وبعد فشلهم في وقف المفاوضات الرئيسية التي أجراها أوباما يدّعون اليوم أن عدم المصادقة على الاتفاق هو الخطوة الأولى لإقناع إيران والأطراف الآخرين في الاتفاق بالقبول بإجراءات تغييرات رئيسية أو وضع قيود جديدة. كما ذكرت آنفاً فإن هذه الخطوة عبثية وفي أفضل الأحوال مجرد أمل.
بخلاف المصادر التي لا يمكن الاعتماد عليها مثل مراسل بلومبرغ ايلي لايك لا يزال الموقعون الآخرون على الاتفاق ملتزمين به التزاماً قوياً ويريدون بقاءه على حاله، حتى لو أنهم يرغبون أيضاً بأن تعدّل إيران بعض سلوكياتها بطرق أخرى.
الأهم من ذلك أن هذه الرؤية تفترض على نحو خاطئ أن لدى الولايات المتحدة نفوذاً غير محدود على إيران وأن التشدد الآن من شأنه أن ينتج بشكل سحري حلاً أفضل.
سياسة القبول الكامل أو الرفض المطلق تمّت تجربتها بين عامي 2000 و2012، بالرغم من ذلك فإن إيران انتقلت من صفر أجهزة طرد مركزية إلى أكثر من 12 ألف جهاز. ولم تتمكن الولايات المتحدة من قلب المسار إلا حين أبدت استعداداً لاستيعاب بعض الخطوط الحمراء الإيرانية. هذا المنطق نفسه لا يزال صالحاً اليوم.
بعيداً من التفاصيل، تبقى الحقائق المركزية للصفقة واضحة وصارخة، ولا يمكن لأي من المحامين المشكوك فيهم مهما بلغ عددهم أن يغيّرها. هناك، في الواقع، ثلاث نتائج واقعية فقط هنا. النتيجة الأولى هي الحفاظ على الاتفاق النووي (والحل الأمثل إشراك إيران في حوار بنّاء حول المناطق التي نختلف فيها وتلك التي قد تلتقي فيها مصالحنا).
وطالما واصل الموقّعون التقيّد بأحكامه وهو ما تفعله إيران، بمعزل عن تلميحات هايلي، لن تمتلك طهران القنبلة النووية والولايات المتحدة وحلفاؤها سسيكونون أكثر أماناً.
الخيار الثاني هو ترك الاتفاق ينهار، مما يزيل القيود المفروضة على برنامج إيران النووي ويترك لها الحرية في تطوير القنبلة إذا رغبت بذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أنه في حال ألغت الولايات المتحدة الاتفاق وواصل الصقور الحديث عن تغيير النظام عندها سيزداد المتشددون في طهران قوة وسيكون لدى إيران حافزاً أقوى للحصول على نوع من الردع مما يجعل دخول إيران إلى نادي الدول النووية أكثر احتمالاً. لذلك فإن الخيار الثاني يعني إيران مسلّحة نووياً. لكن إذا لم يعجبك هذا الخيار فإن هناك دائماً خياراً ثالثاً: الحرب الاستباقية. نعم، وكأن كل ما ينقص الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط الآن فعلاً حرب أخرى. ليس كافياً أننا ما زلنا نقاتل داعش وأن سوريا لا تزال متصدعة جراء الصراع فيها وأن اليمن ينهار على وقع التطرف والمرض وحملة القصف الجوي السعودية. إنه الوقت المثالي لبدء حرب مع إيران أيضاً مما يعني استدعاء الانتقام الإيراني إما على نحو مباشر أو من خلال وكلائها الإقليميين مثل حزب الله.

طبعاً لن تتفاجأ إذا علمت أن الأشخاص الذين يواصلون محاولة تفكيك الاتفاق هم بغالبيتهم الأشخاص أنفسهم الذين دعوا مراراً لاعتماد الحلّ العسكري ضدّ إيران. واحزر ماذا أيضاً؟ الجزء الأكبر منهم هم نفس العباقرة الاستراتيجيين الذين قالوا لك يوماً إن إسقاط صدام حسين سيكون سهلاً وغير مكلف وسيحوّل الشرق الأوسط إلى بحر من الديمقراطيات المؤيدة للولايات المتحدة.
من المذهل بعض الشيء أن هؤلاء الأشخاص لا يزالون يؤخذون على محمل الجد (ودعونا لا ننسى أنهم كانوا مخطئين بشأن الكثير من الأمور الأخرى) لكن أحداً لم يقل فيما مضى إن النظام السياسي الأميركي كان جيداً في مساءلة الناس هذه الأيام.

خلال ما يزيد عن 20 عاماً تمكن أعضاء الكونغرس من تسجيل نقاط سياسية غير مكلفة من خلال دعم القرارات المناهضة لإيران والعقوبات وغيرها من التشريعات التي جاءت استجابة للضغوط المستمرة من اللوبي الإسرائيلي واللوبي السعودي.

مع ذلك قد يكون هناك قطبة مخفية في مقامرة هايلي وبقية الحملة المخادعة هذه. فمع قرار ترامب إلغاء برنامج العفو عن الشباب المهاجرين المعروف باسم “داكا” لم توقف هايلي خطابها بشأن ضرورة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. في الواقع بدت وكأنها تستند إلى أساس منطقي لإعلان عدم امتثال إيران. هذه الخطوة هي أكثر ما يريد الرئيس دونالد ترامب القيام به (أيا كان ما يقوله له كبار مستشاريه للسياسة الخارجية) وهو ما يعني رمي المسألة كلها على عاتق الكونغرس.

للتذكير فإن الحاجة للمصادقة على التزام إيران بالاتفاق ليست جزءاً من الاتفاق نفسه. لقد كان الأمر بمثابة متطلبات فرضها الكونغرس حين تمّت الموافقة على الاتفاق في عهد باراك أوباما. إعلان عدم التزام إيران (بصرف النظر عمّا يمكن أن تكون عليه الوقائع) يرمي بكل بساطة الكرة إلى ملعب الكابيتول هيل حيث السؤال عمّا إذا كان الكونغرس مستعداً لتحمل مسؤولية نسف الاتفاق؟
لست متأكداً من أنهم في الكونغرس سيفعلون ذلك. خلال ما يزيد عن السنوات العشرين الماضية، تمكن أعضاء مجلس الشيوخ والنواب من تسجيل نقاط سياسية غير مكلفة من خلال دعم القرارات المناهضة لإيران والعقوبات وغيرها من التشريعات التي تهدف بمعظمها إلى إظهار مدى تشددهم والاستجابة للضغوط المستمرة عليهم من اللوبي الإسرائيلي (فضلاً عن اللوبي السعودي المشتبه به أيضاً).
القيام بذلك أسهل بكثير حين لا تكون لأفعالهم عواقب حقيقية. بيد أن إنهاء الاتفاق النووي على نحو مباشر يعني أن الكونغرس اعتمد سياسة قد تؤدي إما إلى حصول إيران على قنبلة نووية أو إلى وضع تجد الولايات المتحدة نفسها فيه مضطرة للذهاب إلى الحرب من أجل منعها من ذلك.
هل ثمّة أحد في الكونغرس يريد حقاً تحمّل المسؤولية الكاملة عن إحدى هذه النتائج؟ من المفارقات أن ينتهي التحفظ في الكونغرس بإبقاء الاتفاق على حاله.
بتجرّد كنت أفضّل ربما لو أن المزيد من أعضاء الكونغرس أكثر دراية وواقعية وانفتاحاً والتزاماً بالمبادئ في ما يتعلق بالشؤون الخارجية، وأكثر استعداداً للوقوف بوجه الذراع التنفيذية حين يتعلق الأمر بالقضايا الدولية الكبرى. لكن في الحالة القائمة ونظراً لمجموعة القوى اللاعبة فإننا أمام أشخاص ضعفاء وذوي مصالح ذاتية.

المصدر : “فورين بوليسي”

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!