268d7503-f3b9-45b9-9144-529a93c761d3

أسوار تقام وأسوار تسقط


خلال الشهر الأخير فُتحت المعابر الحدودية بين الأردن والعراق، وبين العراق والمملكة العربية السعودية، وقريباً من المرتقب أن يُفتح المعبر الحدودي بين الأردن وسوريا. كما أن المعبر الحدودي بين لبنان وسورية مفتوح أمام حركة المدنيين، وحتى أنه كان في مركز الأخبار عندما وصل (الرئيس) الأسد إلى المنطقة لأداء صلاة العيد بعد طرد داعش منها.

وخلال السنوات الأخيرة اُغلقت كل هذه المعابر في أعقاب سيطرة داعش على المناطق الحدودية والخوف من تمدد التنظيم إلى الدول المجاورة – الأردن ولبنان والسعودية. وقد كان المعبر الحدودي بين العراق والسعودية مغلقاً منذ غزو صدام حسين للكويت في 1990 وقَطْع العلاقات بين الدولتين. إلا أنه حدث، خلال الأشهر الأخيرة، تقارب بين العراق والسعودية في محاولة لخلق تحالف قوي في مواجهة تمدد النفوذ الشيعي في المنطقة.

إن هناك الكثيرين في العالم العربي، وفي خارجه، ممن ينتقدون عملية رسم الحدود في الشرق الأوسط، والتي تم فرضها إلى حد كبير من قِبَل الدول العظمى الاستعمارية التي كانت تسيطر على المنطقة. ويطال هذا النقد خطوط الحدود، بشكل أساسي، والتقسيم العشوائي للدول التي لم تكن قائمة في الماضي. وحتى وإن كان هذا الإدعاء محقاً فإن خريطة دول المنطقة لم تتغير تقريباً منذ تأسيس تلك الدول، ويثبت اختبار الزمن أن الدول العربية قد تكيّفت مع الحدود التي فُرضت عليها، وأن المواطنين قد تبنوا هوية الدولة إلى درجة كبيرة. وعليه فإن السؤال الأهم هو ليس خط الحدود بل تداعياته: كيف تنظر تلك الدول إلى الحدود، وأي دور تلعبه بالنسبة لها؟

لقد أدت أحداث الربيع العربي إلى رد متسلسل لتحصين الحدود في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا، وحتى في أوروبا، التي اُضطرت لمواجهة سيل من اللاجئيين من سوريا. وبعد تاريخ مديد من السنوات الطويلة التي كانت فيها الحدود مفتوحة في العالم العربي الحديث، وما قبل الحديث، وبخاصة في فترات النزاعات والحروب، مرت حدود الدول في الشرق الأوسط في انقلاب حقيقي في القرن الحادي والعشرين، وذلك عندما بدأت بالعمل كحاجز للفصل المادي. وانشغلت الدول العربية، من المغرب وحتى اليمن، في مهمة ترسيم الحدود وتسييجها، مع وضع أجهزة رقابة مختلفة.

كما أن دولة إسرائيل قد تأثرت من هذه العملية. فقد أقامت في عملية بناء خاطفة، خلال السنوات الأخيرة، أسواراً وعوائق بينها وبين سوريا ومصر والأردن، على الرغم من علاقات السلام التي تربطها بالدولتين الأخيرتين. ويلاحَظ الدور الذي تلعبه الحدود بوصفها عائقاً، يُلاحَظ بشكل جيد في النزاع الأخير بين قطر وبين جاراتها في الخليج وذلك عندما أغلقت تلك الدول أبوابها في البحر والجو والبر وذلك كعامل لممارسة الضغط السياسي على قطر.

تدل هذه التطورات إلى حدوث تغيير حقيقي في النظرة إلى الحدود العربية. فالدول العربية تقوم باستخدام حدودها استخداماً سياسياً، سواء في السياق الداخلي، على صعيد العلاقة مع المواطنين، أو في السياق الخارجي لجهة العلاقة مع الدول المجاورة، على نحو يشبه سلوك دول الغرب. وتحظى عمليات تحصين الحدود، أو فتح المعابر الحدودية، باهتمام كبير في وسائل الإعلام المحلية، وهي توجد في مركز الخطاب السياسي.

وفي الجانب الداخلي ترمز الحدود إلى وسيلة للحماية وللسيادة الوطنية. وقد عُرضت عملية تحصين الحدود في الدول العربية وفي إسرائيل كعائق مادي ضد الإرهاب وضد عمليات التسلل غير الشرعية، وعليه فإن هذه العملية قد حظيت بتعاطف عام في أوساط الجمهور. وفي مقابل ذلك فإن فتح المعابر الحدودية يعكس إحساساً للثقة بالذات، والازدهار. وبالفعل فقد تم عرض عمليات فتح المعابر الحدودية، التي تمت مؤخراً، للجمهور على هذا النحو.

وفي جانب السياسة الخارجية فإن إغلاق المعابر الحدودية يشكل مرحلة دبلوماسية عالية في النزاعات بين الدول. وعيله فإنه بالإضافة إلى الآثار الاقتصادية لمثل هذه الخطوة فإن الحديث يدور عن مقولة سياسية من الوزن الثقيل. وعلى نحو مشابه فإن فتح الحدود يعكس الدفء في العلاقات الخارجية والرغبة في التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي. والمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، تستخدم حدودها كأداة لتمرير الرسائل السياسية لقطر. وهي قد أغلقت حدودها مع الإمارة الصغيرة، وقامت بعد ذلك بفتحها أمام الاحتياجات الإنسانية، واحتياجات نقل المسافرين لأداء فريضة الحج. وهي بذلك قد حولت الحدود إلى التعبير الرئيسي عن النزاع.

وعلى خلفية التحولات الحذرة في الحدود العربية، خلال الفترة الأخيرة، فإن دولة إسرائيل بالذات تصبح أكثر انغلاقاً من أي وقت مضى. ومن المرتقب أن تؤدي عودة الدفء إلى العلاقات بين لبنان وسوريا والأردن والعراق والمملكة العربية السعودية إلى زيادة التعاون والعلاقات العابرة للحدود، في الوقت الذي ستزيد فيه إسرائيل من عزلتها.

وتُبقي الصعوبة في خلق حركة جدية على صعيد السياحة والتجارة مع الأردن ومصر، تُبقي إسرائيل خارج الدائرة الاقتصادية الإقليمية وتحرمها من مجموعة متنوعة من الفرص. وفتح معبر القنيطرة على الحدود السورية لاستيعاب الجرحى وتقديم العون الإنساني، بالإضافة إلى التعاون مع الجيش المصري في سيناء، هي خطوات مشجعة، إلا أنها لا تدل على وجود تعاون مدني. والحركة على المعابر الحدودية المفتوحة لدولة إسرائيل على جانبي الحدود هي حركة ضعيفة. وعلى الحدود المغلقة مع لبنان وسوريا يزداد العداء. وليس من باب الصدفة أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد صوت في الأسبوع الماضي لصالح تمديد وجود قوة الأمم المتحدة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية وتعزيزها.

لم تكن الحدود بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، خلال القرن الأخير، مجرد خطوط للتقسيم السياسي بل هي أيضاً أداة وفكرة جديدة كانت المنطقة بحاجة إليها للدخول في مواجهة معها. وقد استطاعت غالبية الدول الإبقاء على خطوط الحدود الأصلية التي وضعتها الدول الاستعمارية بل وحصنتها. ولذلك فإنه من الأفضل أن يتم التركيز في تحليل الحدود في المنطقة على مفهوم فكرة الحدود ودورها.

ترجمة مرعي حطيني

comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!