جنون في السّفارة الأميركيّة من حزب الله!


معزلٍ عنِ الضّجيجِ السّياسيّ الذي افتُعِلَ من خلفِ انتصارِ الجرود، لا يمكن إخفاء الانزعاجِ الغربيّ من ما آلت إليه الأمور هناك والذي انعكس على شكلِ أوراق ضغطٍ محلّيّة – إقليميّة على حزب الله، فيما لم تستثنِ الزّجاجات المُتطايرة الجيش اللّبنانيّ الذي لا يجرؤ بعض المُنتقدين على تصويب السّهام نحوه علنيةً لكنّهم يَسعَونَ إلى ذلك من تحتِ الطّاولة.

منذ انطلاق معركة الجرود يدورُ حديث عن انزعاجٍ دوليٍّ حاصلٍ، لكنّهُ لم يأخذ مجدهُ حين كانت جرّاراتُ حزب الله البشريّة “تحرثُ” جرود عرسال لإزالةِ الشّوائب منه، ليس خوفاً من الحزبِ أو صوناً لهُ؛ بل لأنّ الظّروف لم تكن سانحةً آنذاك بعد أن عاينَ المُتضرّرينَ أنّ الحزب نجحَ بنيلِ تأييدٍ شعبيٍّ وإعلاميٍّ واسعٍ، وكان من شبهِ الانتحار الدّخول في معركةٍ معه خلالَ أداءِه مَهمّتَه، كون سبل الظّفر فيها كانت مُنعدمةً.


أتت المرحلةُ الثّانية من المعركةِ بوقائعَ مُختلفة عن الأولى تقريباً. كانت الولايات المُتّحدة قد حجزت لنفسِها دور موازاةٍ مع دور الجيش اللّبنانيّ على الجبهةِ ساعيةً للتلطّي خلفه وخلف المُساعدات التي تُقدّمها لهُ، وذلك بحثاً عن انتصارٍ ما؛ تستثمرهُ على ظهرِ جنودِنَا وتوظّفهُ في سيناريو التنغيصِ على حزب الله.

وبمعزلٍ عن روايةِ التّنسيقِ من عدمه، خِيضَت المَعاركُ على جانبي الحدودِ بمسؤوليّةٍ كاملةٍ وتناغمٍ واضح بين وسائط النّار، إلى أن رفعَ الدّواعش الرّايةَ البيضاء، ممّا أتاحَ لحزبِ الله مُنسِّقاً مع الدّولة فرض شروطِ الاستسلامِ على المُنهزمين من بقايا التّنظيم، لينتهي الأمر بهِ إلى رسم السّيناريو الأخير من معركةِ تنظيفِ الحدود اللّبنانيّة – السّوريّة على شكلِ “صفقة باصاتٍ” أنهت معركة 3 سنوات وأفرزت تطهيراً لمئاتِ الكيلومترات بدءاً من معبرِ الجديدة صعوداً حتّى معبر القصر على تُخومِ الشّمال.

ليس غريباً أن تختتمَ أيّ معركةٍ بسيناريو تفاوضيّ، فهذا واقعٌ معروفٌ في الحُروبِ، مارستهُ الولايات المُتّحدة وغيرها؛ وهي تدري جيّداً أنّ أي معركةٍ لا يُمكن إنهاؤها عسكريّاً بشكلٍ كاملٍ، نافذة تفاوض والميدان السوري أفضل مثالٍ يُحتذى.

السّيناريو الأخير الذي لجأ إليه حزب الله لم يكن مُرضياً، فدخلَ في شدٍّ وجزمٍ بين السّياسيّين، مُعتبرين أنّ إخراج الدّواعش “ليس إنجازاً” باحثين في أصلِ الفِكرة والتّشكيك بما تَحقّق في كونِهِ نَصراً أم لا، تماماً في سيناريو يَحملُ أوجهَ شبهٍ كثيرةٍ مع تمّوز 2006، وظهرَ أنّ هناك مَن هو غير راضٍ عن دورِ حزبِ الله في مسألةِ التّفويضِ المُعطى له بإخراجِ “الدّواعش” وفق سيناريو “الباصات”. أمّا في السّياسة فظهر أنّ هناك مسعى لتكبيلِ النّصر وإظهاره على شكلِ “هزيمة” بعد إغراقِ البلد بعوامل سحبِ الشّعورِ بالانتصار تماماً كما حصل في تمّوز 2016، لكن على مقلبِ المُشغّلين، لا يبدو أنّ النّظرة هي ذاتها.

يُسرَبُ أن ماءً مغليّاً نزل على رؤوسِ مَن يجلس على كرسيّ القرار في السّفارةِ الأميركيّة ببيروت، ربّما وصل إلى “كيّ الجلد” منه للصراخِ وجعاً، نتيجةَ تقديمِ الدّولة لـ”انتصارٍ مجانيٍّ مُعلنٍ للحزب”؛ كانت السّفارةُ قد عَمِلَت طِوَالَ أشهرٍ على مُحاولة تفريغِ السّاحةِ من إمكانيّة أن يلعبَ حزب الله أيّ دورٍ مباشرٍ فيه. يقولُ مصدرٌ متابعٌ إنّ “السّفارة الأميركيّة أخرجت حزب الله من الباب ليدخُلَ إليها من الشّبّاك” وهو ما نغّصَ عليها شعور الشّراكة في الانتصار بعد أن راهنت على إقحامِ الجيش اللّبنانيّ وحدهُ في الميدان بغيةَ سحبِ الذّرائعِ من أمامِ حزب الله.

لم ينزل الماء المغليّ بَرداً وسلاماً على الفريق الدّبلوماسيّ الأميركيّ الذي فعّل اتّصالاته للتعبيرِ عن انزعاجِهِ من تَركِ القطبة الأخيرة يُحيكها حزب الله و “يستحوذ على استثماراتِ الإنجاز” ويظهر في الإعلام أنّه المَخرج الفعليّ للمشهد، بينما اقتصر دور الحكومة اللّبنانيّة على لَعِبِ دور الشّاهد على حُسنِ سيرِ الأمور وتدبيرها ولم تَقُم بأيّ فعلٍ أو ردّة فعل للتذكيرِ بدورها اللّهم سوى إعطاء الأمر بانتشارِ الجيش، الذي أنجزَ ما عليه وأنهى وُجود هؤلاء في الجزءِ اللّبنانيّ.

كان الغضبُ الأميركيّ قد بدأ حين قرَّر حزب الله تطهيرَ جرودِ عرسال ونجحَ في ذلك. أوعز يومها إلى الفريق المحلّيّ بتشويهِ النّصر، لكن كان مُحرجاً ووجدَ صعوبةً بالتبخر بعد مُعاينته الالتفاف الشّعبيّ والإعلاميّ، فصمت وعمل على مُحاولةِ التّطويق من زاويةِ دعمهِ المُستجد للجيش.

ثَبُتَ بالوجه الشّرعيّ أنّ هذا الفريق لم يَقُمْ بدعمِ الجيش إلى نكايةٍ من حزبِ الله مُراهِناً على استقلاليّة معركة جرودِ رأس بعلبك عن مُحيطها. بدأت المعركةُ ثمّ انتهت، وكان لا بدَّ من “حبكةٍ” ما تُنهي آخرَ فصولِ النّزاع، فوُجِدَ أنّ الحلّ الأمثل يكمنُ في إخراجِ المُسلّحين وهذا ما كان.

المُناوئون لحزب الله رفعوا لافتات “الصّفقة” وبدأوا يجولونَ فيها دونَ أن يكون لهم أيّ اقتراحٍ بديلٍ عن “حلِّ الباصات” سِوى الاعتراض وإظهار أنّ هناك تكاملاً بين “داعش وحزب الله”. نجحَ هذا الفريق هنا في التنغيصِ على انتصاراتِ حزب الله وردّ الاعتبار للإدارة الأميركيّة عن الصّفعة التي تلقّتها، لا بل ردّ اعتبار عدمِ الوقوفِ بوجهِ دخولِ الحزب إلى جرود عرسال وتحقيقه نصراً؟

ذهب الصّالح في عزا بالطالح كما يقول مصدرٌ مُتابع. نجحَ الفريقُ الآخرُ من “شيطنةِ دورِ حزب الله على الحدودِ” مُستغلّاً صفقة الخروج. وكون اللّبنانيّ صاحب ذاكرةٍ فاشلةٍ دائماً، نَسِيَ ما كان عليه بالأمس في جرود عرسال وانكبَّ يرمي الاتّهامات جزافاً في مسألةِ “صفقةِ رأس بعلبك”! كان الحريّ بمن يزيد من الوطنيات أن يقدّمَ الاقتراحات البديلةَ لا أن يقفَ على قارعةِ الرّصيفِ يكيلُ الاتّهامات!

عُموماً كلّ هذا الكلام لم يُقدّم ولم يُؤخّر، فما كُتِبَ قد كُتِب، وما حَقّقهُ حزب الله مُتعاوناً مع الدّولةِ اللّبنانيّة مُمثّلةً باللّواء عبّاس إبراهيم كان بات أمراً واقعاً حتماً إنجاز القسم الأخير من تحريِر الجرودِ خدمة القراءة اللّبنانيّة التي جرى رسمها على أساس “أكل العِنب لا قتل النّاطور”، أي تحرير الجرودِ بأقلّ كُلفةٍ مُمكنةٍ وبعمليّةٍ نظيفةٍ وهذا ما كان.

عبدالله قمح

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!