كفاس أبيض: هل سيتعوّد الزبائن على الطعم واللون والرائحة القديمة – الجديدة؟


وفقاً للتقاليد الروسية، الكفاس لم يكن مشروباً منعشاً جدّاً وأساساً لكلّ الأطباق، بقدر ما كان يعتبر كالمرق. مصنع روسي كبير أعاد إحياء الوصفة القديمة للكفاس الأبيض والآمال لإعادة الروس إلى عادات أجدادهم.

ظاهرياً، الكفاس الروسي الذي يتم تقديمه للأجانب لا يختلف كثيراً عن الكولا التي اعتادوا عليها: لون غامق، وشفاف وحلو. أمّا المشروب الذي تمّ إصداره مؤخراً في مصنع أوتشاكوفوفو يبدو مختلفاً كليّاً: أبيض تقريباً، بلون الشعر الأشقر.

إن ما يُدعى بالكفاس الأبيض، صيغته أكثر شبهاً بوصفة روسية قديمة كانت موجودة منذ ألف عام تقريباً، واستمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر. يشرح يفغيني شاتيلوف، مدير متحف الكفاس في مصنع أوتشاكوفو ذلك، قائلا:” عندما كان المزارع الروسي يذهب إلى الحقل، كان يأخذ معه إبريقاً من هذا الكفاس وقطعة كبيرة من الخبر. من الناحية النظرية، يستطيع المرء أن يشربه من دون خبز: يحتوي الكفاس على العناصر الغذائية الرئيسة”.

القرن العشرون، لم يدمر فقط عقوداً من الامبراطوريات، بل دمر أيضا الطلب التقليدي على الكفاس. فقد أصبح الكفاس مختلفاً تماماً- ليس أفضل من السابق ولا أسوأ-، إنه فقط مختلف. وتحضير هذا المشروب وفق تلك التقاليد، يمكن أن يُعدّ منتجاً مبتكراً. فلم يتم تصنيعه في ظروف صناعية منذ ما يقارب المائة عام، ناهيك بظروف صناعته: تخمير في مصنع عصير ضمن صهاريج تتسع لخمس وستين ليتراً.

من أجل إعادة إحياء الوصفة القديمة، سافرت سفيتلانا غولوبيفا، مديرة الإنتاج في المعمل، إلى عشرات القرى، وقامت بزيارة مئات من الجدات والسيدات المسنّات. ويقول المتحدث باسم الشركة عن إعادة إحياء منتجهم:” وأخيراً، علم مدراء إنتاجنا أن الكفاس الأبيض يُصنع في بعض القرى في مناطق تامبوف وريازان وفورونيج”.

كان الكفاس الأبيض موجوداً، والجدّات يرغبن في مشاركة أسرارهن، لكن تقنيات المصنع شيء والوصفة الريفية شيء آخر. حيث تقول إحدى الجدّات اللواتي يصنعن الكفاس:” عليك أن تأخذي حفنتين إلى ثلاث حفنات من دقيق الشعير، والقمح النابت، وطبخها حتى درجة الغليان. ثم تحتاج إلى إضعاف النار تحتها حتى يصبح جاهزاً”.

وبقيت وصفة المبتدئ غامضة جدّاً. فقم تمّ توارثها من منزل إلى منزل، ومن جيل إلى جيل، وكانت الخميرة تنقل من بيت إلى بيت. لم يكن واضحاً ما الذي ينظم مكوناتها- فالجدّات في القرية لم يدرسن علم الأحياء الدقيقة.

واستغرق الأمر عدّة سنوات لإعادة المشروب القديم-الجديد. وكانت المكونات: ماء، والقمح النابت (بداءات القمح)، والشعير (حبوب كاملة)، والسكر والملح. أما التخمير فيتكون من شقين: الخميرة العادية (كما هو الحال في البيرة)، وبكتيريا حمض اللاكتيك (كما في اللبن الرائب). وأما الكائنات الحية الدقيقة التي يتم استخدامها فتبقى سرّاً من أسرار الشركة.

يقول يفغيني شاتيلوف بشكل قاطع:” الكفاس الغامق اللون، هو رمز للقرن العشرين”. ثم بدأ بإخباري رأيه عن تاريخ الكفاس: ” الكفاس الروسي التقليدي كان أخف، خاصة عندما كان القمح يُستخدم بدلاً من الشعير أو الشيلم. ولكن فوق هذا كله، درجة تحميص القمح النابت هي التي تحدد لون الكفاس. ويشرح قائلاً:” يحتوي الكفاس على نكهة قشرة الخبز بسبب تحميص القمح النابت. أنت تشرب الخبز المحمص على وجه التحديد. في الماضي، كان يوجد الكفاس الأبيض فقط في القرى؛ وكان بإمكانك إيجاد الكفاس الغامق اللون في المدن”.

وليس واضحاً بشكل كلّي لماذا بدأ لون الكفاس يبدو أكثر قتامة في بدايات القرن التاسع عشر. يفغيني شاتيلوف لا يستبعد إمكانية ربط ذلك بزيادة شعبية البيرة الغامقة اللون؛ على أي حال، هذه المشروبات مرتبطة ببعضها. بدايةً، كانت الجعة البيرة الفاتحة اللون موجودة فقط في روسيا. وكان بطرس الأول قد أدخل الجعة الغامقة إلى روسيا من أوروبا، ولكن هذا المشروب لم يثر حماسة كبيرة في ذلك الوقت. ولم تصبح الجعة الغامقة اللون شائعة في المجتمع الراقي إلا في عهد كاترينا، إن لم يكن في وقت لاحق. وراح لون الكفاس يقتم جنباً إلى جنب البيرة الجعة.

وعلى الأغلب، فإن الكفاس الغامق الشفاف المعروف انتشر في عهد نيكيتا خروشوف، الذي كان يعشق البيبسي كولا، وسعى إلى تصنيع مشروب محلي مشابه لها.

وقد بدأ الكفاس الأبيض بالظهور في الحانات مؤخراً. ولكن نمو مبيعاته لا تزال متوسطة- فالناس لم يعتادوا عليه بعد. تخيّل أنك تقدّم حليباً أخضر أو نقانق حلوة الطعم في السوق. بالطبع لن تلاقي الرواج، ولكن أفكار المستهلكين النمطية عن الطعام تحتاج إلى تعديل جذري.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!