عودة اللاجئين الفلسطينيين من منظور إسرائيلي: إلى غزة والضفة


يشكل حق العودة للاجئين الفلسطينيين أحد أهم الملفات التي يفترض التوصل إلى حل بشأنها في اتفاقيات الحل الدائم. ويبدو أن هناك نوعاً من التسليم الفلسطيني الرسمي بأن هذه العودة ستكون رمزية، وأنها ستنحصر في العودة إلى “أراضي الدولة الفلسطينية” في الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصةً أنها مقرونة كما هو معلن، بمقولة “الحق بالعودة أو التعويض”، في إشارة إلى التعويض المالي لمن لا تشمله العودة. وقد أصدر مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، مذكرة خاصة حول مسألة عودة اللاجئين، مع التركيز مسبقاً على أن الحديث ينحصر في العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبحسب المذكرة التي وضعها الباحث في المركز، يهودا غرينفيلد غيلات، وحملت رقم 166، فإن الهدف من المذكرة بالأساس طرح “إطار عام” من الأفكار التي يمكن أن تضع بنية أساسية وتقترح شروطاً يمكن لها، عندما يحين الوقت، التوصل إلى حل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين. لكن المذكرة تبدأ منذ البداية، بالتشكيك بالمعطيات الرسمية المتوفرة بشأن أعداد اللاجئين، مع الإشارة إلى أن معطيات وكالة تشغيل اللاجئين الدولية “أونروا” غير دقيقة، كما أن المعطيات الرسمية الفلسطينية المتوفرة غير محدّثة.

وترى المذكرة أن أعداد اللاجئين الفلسطينيين مختلف عليها، منها مثلاً أن دائرة الإحصائيات الفلسطينية تقول وفقاً لتقارير من العام 2013، إن عدد الفلسطينيين الكلي في العالم هو 11.8 مليون شخص، يعيش 4.5 ملايين منهم في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونحو 1.4 مليون فلسطيني في الداخل ممن يحملون جنسية دولة الاحتلال الإسرائيلي. وبحسب هذه المعطيات، تصل الدائرة إلى القول إن عدد اللاجئين في الضفة الغربية والقطاع يصل نحو مليوني لاجئ يعيش 1.2 مليون منهم في قطاع غزة ونحو 820 ألفاً في الضفة الغربية، بينما تشير معطيات الـ”أونروا” إلى أن عدد اللاجئين في القطاع هو 1.35 مليون، أما في الضفة الغربية فيقدر عددهم بنحو 940 ألف لاجئ.

وتضيف المذكرة الرسمية أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال، في اتفاقيات الحل الدائم، الحديث عن عودة اللاجئين إلى داخل أراضي فلسطين المحتلة، لأنه من غير الممكن التوصل إلى اتفاق من دون أن يشمل مواقف رمزية، تعترف فيها إسرائيل بمسؤولية معينة عن نشوء مشكلة اللاجئين، وهي مسألة في صلب الطلب الفلسطيني الرسمي بشأن قضية اللاجئين.

مع ذلك، تشير المذكرة إلى أن كل سيناريو، مهما كانت طبيعته وتداعياته على شكل الحل النهائي لمشكلة اللاجئين، ستتمخض عنه عودة مئات آلاف اللاجئين من لبنان وسورية والأردن إلى “الكيان السياسي الفلسطيني” الذي سيكون جاراً قريباً لإسرائيل. وعليه، فإن لإسرائيل مصلحة بأن يتم استيعاب أفراد هذه المجموعة من العائدين على أفضل نحو، ودمجهم في المجتمع والاقتصاد والدولة الفلسطينية عندما تقوم. وتحذر المذكرة من أن فشل هذه العملية قد يضع أمام إسرائيل تحديات سياسية وأمنية خطيرة على حدودها. وينبغي بالتالي الاستعداد مسبقاً، وخلق أفق اقتصادي واجتماعي لانخراط العائدين في المجتمع الفلسطيني عبر تطوير حلول إسكانية، وبناء مدارس وعيادات وإيجاد أماكن عمل، وفق المذكرة
ويتطلب هذا الأمر من إسرائيل، بحسب كاتب المذكرة، أن تدخل تغييراً، حتى قبل التوصل إلى الاتفاق، في سياستها في كل ما يتعلق بالأراضي، وتخصيص أراضي مناطق “سي” وتطويرها، وتحفيز التعاون المشترك في مجالات عدة، مع تعديل وملاءمة منظومات الضرائب والجمارك وسياسات التصدير وترشيد وتطوير الاقتصاد في السلطة الفلسطينية.

لكن مقابل ذلك، تقول المذكرة إنه ينبغي عدم تجاهل ما يحدث في العالم على خلفية أزمة اللجوء العالمية، وتحوله في حالة الشرق الأوسط من حال لجوء إنسانية إلى أزمة تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي. وتلفت المذكرة إلى أن التحديات أمام كل من إسرائيل والفلسطينيين للوصول إلى تسوية دائمة، هي تحديات هائلة قد تعترض طريق الوصول إلى الاتفاق، لا سيما أنها غنية بالعقبات الرمزية. وتضيف أن هذه التحديات، شأنها شأن العوائق الموضوعية، ستزيد من صعوبة استعداد الطرفين استراتيجياً، للبدء في خطوات حل مسألة اللاجئين بعد الاتفاق على صيغة بين الطرفين: بدءاً من مسائل تجنيد وجمع الأموال اللازمة لعملية توطين اللاجئين العائدين، ودفع التعويضات، وتحديد مواقع المدن والبلدات التي ستقام لاستقبالهم، وإطلاق الحوار مع وكالات ومنظمات الأمم المتحدة وجهات دولية أخرى. وتؤكد المذكرة أن تنظيم مثل هذه الأمور والاستعداد لها بشكل صحيح هو أمر شبه ممكن حالياً في ظل أجواء التشكيك والعداء السائدة حالياً بين الطرفين.

وبحسب المذكرة، فإنه يتوجب على القيادة الإسرائيلية، على الرغم من كل العقبات، أن تعتبر نجاح أي حل لتسوية ملف اللاجئين بالتوافق بين الطرفين، مصلحة استراتيجية من الدرجة الأولى، فهي تتعلق بسيناريو يقوم على اتفاق يجب في إطاره تطبيق التفاهمات بشأن اللاجئين، كما تتعلق بسيناريوهات أخرى حول رغبة إسرائيل في منع تدهور أمني على خلفية هذا الملف.

وجاء في المذكرة أنه ينبغي أنْ يكون واضحاً بأن حل مسألة اللاجئين وتطبيق حق العودة، يجب أن يكون جوهرياً، مهما اختلفت الطروحات داخل الضفة الغربية نفسها. وتتابع أنه حتى في حال القبول بعودة أعداد منهم إلى داخل إسرائيل، فسيكون الحديث عن أعداد صغيرة وليست ذات أهمية. وتلفت المذكرة في هذا السياق، إلى أن قيادات في “منظمة التحرير الفلسطينية” نفسها، كانت ميّزت في جولات سابقة من المفاوضات، بين الاعتراف بحق العودة وبين ممارسة هذا الحق وتطبيقه. وفي هذا السياق، تشير المذكرة أيضاً إلى مواقف رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في مقابلة مع القناة الإسرائيلية الثانية، العام الماضي، عندما أعلن أنه لا يتوقع العودة إلى مسقط رأسه في صفد. وعاد وأوضح على أثر الانتقادات التي وجهت له، بأن تصريحاته لا تعني التنازل عن حق العودة الذي هو حق فردي لا يمكن لأي قائد فلسطيني أن يتنازل عنه.

لكن مثل هذه التصريحات تبدو عنصراً أساسياً في الموقف الإسرائيلي الرسمي، وتشير إلى أنه في حال تم تطبيق حق العودة، ستكون هذه العودة إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى إسرائيل. وتتبنى مذكرة مركز أبحاث الأمن القومي هذا الموقف باعتباره المرجعية وحجر الأساس في أي اتفاق مستقبلي بشأن مسألة اللاجئين وحق العودة.

أما في ما يتعلق بالمسؤولية التاريخية عن نشوء مشكلة اللاجئين، ولأن القانون الدولي يلزم الدولة التي طردت مواطنين من أراضيهم خلال الحرب، بإعادتهم، فإن المذكرة تقترح اعتماد موقف يقول بالتمييز بين المسؤولية القانونية، التي بموجب القانون الدولي تحتم عودة اللاجئين، وبين “المسؤولية الرمزية”، أي الاكتفاء بمجرد الإعلان عن مسؤولية إسرائيلية في نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين، الأمر الذي يمكن له أن يفضي إلى تسوية مقبولة بين الطرفين.

في المقابل، وبعد استعراض المذكرة للاقتراحين أو الخطين الأساسيين للحل، أي “عودة فقط إلى الضفة الغربية وحدود الدولة الفلسطينية، واعتراف بمسؤولية رمزية”، تقترح ربط كل الملف أيضاً بما تسميه إسرائيل “بمشكلة اللاجئين اليهود” الذين تدعي دولة الاحتلال أنهم طردوا من البلدان العربية وتم سلب ممتلكاتهم والاستيلاء عليها. وهذه محاولة واضحة للتنصل من العمليات السرية والعلنية التي قامت بها دول الاحتلال، وتم بعضها بموجب اتفاقيات مع رؤساء دول وأنظمة عربية، من أجل جلب يهود الدول العربية إلى فلسطين بعد النكبة عام 1948، وتوطينهم ليس فقط في أراضي فلسطين بل وحتى في بيوت الفلسطينيين التي ظلت قائمة بعد حرب النكبة، على غرار ما حصل في بيوت البقعة وتل بيوت والقطمون، في الشطر الشرقي من مدينة القدس.

ويمكن اختصار نقاط الحل المقترحة، بحسب المذكرة، بالمبادئ الآتية: أولاً، أن تكون العودة فقط إلى أراضي الدولة الفلسطينية؛ ثانياً، ضمان آلية وسياسة لتأهيل اللاجئين العائدين إلى الدولة الفلسطينية وتسهيل اندماجهم وانخراطهم فيها؛ ثالثاً، مساعدة اللاجئين الذين يقررون عدم البقاء في بلاد اللجوء وعدم العودة إلى الدولة الفلسطينية، بل يختارون الهجرة لدول أجنبية؛ رابعاً، إقامة آلية وصندوق مالي لتعويض كل عائلات اللاجئين التي تستوفي شروط حق التعويض عن المعاناة التي تعرضت لها وعن خسارتها لممتلكاتها.

comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!