ملف – كيف تعاملت الصحف اللبنانية مع القرار الروسي بسحب جزء من القوات العسكرية من سوريا -3-


السفير

إيران وروسيا: شفير الاتفاق والخلاف حول سوريا

سامي كليب

فقدت إيران وحليفها الأول في العالم «حزب الله» كثيراً من خيرة ضباطهما ومقاتليهما في سوريا. كان سبب انخراطهما العسكري المُلكف واضحاً: منع انهيار نظام الحليف العربي الأول الرئيس بشار الأسد. كان انهياره يعني بداية انتهاء محور المقاومة وتشديد الطوق على إيران، وفقدان طهران القدرة على الاحتفاظ بدورها الذي كبر كثيراً في المحيط العربي وضد إسرائيل في السنوات التي أعقبت سقوط نظام الرئيس صدام حسين.

استفادت إيران من صمود الجيش السوري وقتال «حزب الله» الى جانبه. ربحت اتفاقاً نووياً بشروط جيدة. عادت الى ساحات العالم من بواباته الواسعة. صارت شريكاً في محاربة الإرهاب وشريكاً في البحث عن حلول سلمية لحروب عربية. رفعت عنها العقوبات وبدأ سيل الصفقات التجارية مع الغرب. المصلحة إذاً مشتركة بين دمشق وطهران. فإيران ساعدت كثيراً وربحت أيضاً كثيراً. ولا حاجة للتذكير بالوقوف التاريخي للرئيس حافظ الأسد الى جانب طهران ضد النظام البعثي الآخر في المنطقة أي نظام صدام.

مع الانخراط الروسي العسكري المباشر في سوريا، ظهر تحليلان، أولهما يؤكد أن الانخراط هو بالأصل ثمرة اقتراح إيراني مقرون بالوثائق والخرائط، وثانيها يجزم بأن دخول روسيا من الباب الواسع يعني بداية خروج إيران من الأبواب نفسها، وأن الجيش السوري قد يفضل في نهاية المطاف التعامل مع جيش روسي، وأن دمشق عاجلا أو آجلا ستعود للانفتاح على الغرب أيضا. (كلام الدكتورة بثينة شعبان عن إيجابية الاتفاق الروسي الأميركي لافت).

 

الآن يبدو أن العلاقة الروسية الإيرانية في سوريا تزداد تعقيداً، لماذا؟

في المعلن أولا، يمكن أن نقرأ تصريحاً لافتاً أدلى به قبل فترة الجنرال محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري الإيراني لوكالة «مهر» الإيرانية، قال فيه: «إن جارتنا الشمالية (أي روسيا) تساعد في سوريا، لكنها غير سعيدة بالمقاومة الإسلامية، وعلى أي حال فإنها تقدم المساعدات على أساس المصالح المشتركة، ولكن ليس من الواضح أن مواقف روسيا تتطابق مع إيران بشأن الرئيس الأسد».

هل هذا يعني أن إيران متمسكة بشخص الأسد أكثر من موسكو؟ ربما نعم. فروسيا قالت مراراً إنها لا تدعم شخصاً في سوريا وان قضية الرئيس هي من صلاحيات الشعب السوري. لذلك عاد جعفري يقول بحزم أكثر لوكالة «فارس»: «إيران لا ترى بديلا للأسد وتعتبره خطاً أحمر وتعتبر تجاوزه ممنوعاً». هذا ليس كلاماً عابراً، فهو للصديق والعدو على السواء. لا ننسى أن جعفري يمثل القوة العسكرية الأولى في البلاد ويمثل المرشد السيد علي خامنئي.

في المعلن ثانياً، أن الرئيس حسن روحاني الذي صار أكثر ميلاً للتفاهمات بدل الثورات والحروب وفق ما فُهم منه بعد الانتخابات الأخيرة، قال مُحذراً: «إن تناغمنا مع روسيا لا يعني أننا نوافق على أي خطوة تقوم بها في سوريا». ثم قال في معرض آخر: «لقد أبلغنا جميع الأصدقاء والجيران وروسيا صراحة، أن سيادة بلدان المنطقة على أراضيها مبدأ يحظى بتأييدنا، سواء في ما يتعلق بالعراق وسوريا أو في أي بلد في المنطقة، فالسيادة الوطنية ووحدة التراب أمر مهم بالنسبة لنا». أليس في هذا الكلام تحذير لروسيا من قبول الفدرالية أو التقسيم أو قيام دولة كردية؟ ألم يكن هذا هو سبب اللقاء بعد جفاء بين أنقرة وطهران؟ بلا تردد، نعم.

في المعلن ثالثاً: أن وزير الحرب الإسرائيلي موشيه يعلون قال جهاراً إن إسرائيل وموسكو متفقتان بشأن السماح للطيران الإسرائيلي بضرب «حزب الله» في سوريا. اختصر الموقف بجملة واضحة: «اتفقنا ألا نزعجهم ولا يزعجونا». هذا طبعا يزعج إيران جداً، فهي جاءت الى سوريا لتعزيز دور المقاومة وليس للسماح بضربها.

 

ماذا في غير المعلن؟

تعمل إيران على تعزيز المصالحات وشراء بعض القوى العسكرية المعارضة. هذا يوفر عليها وعلى حلفائها شهداء وتضحيات واستنزافاً. لكن هل أنها كانت فعلا متحمسة لوقف سريع لإطلاق النار بعد التقدم المتعدد الجبهات والاتجاهات الذي حققه الجيش السوري و «حزب الله» وقوات أخرى مدعومة من إيران ومن الطيران الروسي؟ حتماً لا.

في غير المعلن أولا: ان وزير الدفاع الإيراني العميد حسين دهقان، حين زار موسكو بعد أيام على القرار الدولي بوقف العداوات، أبدى الكثير من مبررات القلق والتوجس من هذه الخطوة. قال إن القرار جاء سريعاً وكان من الأفضل تأجيله. لم يسمع إلا تبريرات غير مقنعة.

في غير المعلن ثانيا: أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية لعبت دوراً مهماً في إرجاء وربما منع تسليم موسكو صواريخ حديثة الى إيران. ثمة تكتم شديد حول الأمر. سيزداد الأمر صعوبة مع فتح اللوبي اليهودي مجددا في أميركا النار على الصواريخ الباليستية الإيرانية وضرورة العودة الى العقاب الدولي. هذه نسخة مكررة عن ضغوط البرنامج النووي.

نتنياهو الذي تربطه ببوتين علاقة جيدة حاليا خلافا لعلاقته بأوباما، رحب بوقف إطلاق النار في سوريا لكنه قال في تهديد واضح آخر الشهر الماضي: «إن أي إجراء في سوريا يجب أن يأخذ بعين الاعتبار وقف العدوان الإيراني ضد إسرائيل من الأراضي السورية. لا نوافق على تسليم حزب الله أسلحة متطورة… لا نسمح بفتح جبهة إرهابية ثانية في مرتفعات الجولان، ان هذا كان وسيبقى خطاً أحمر».

في غير المعلن ثالثا: ان زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داوود اوغلو الى طهران، جاءت بعد وصول الصدام بين انقرة وموسكو الى حد التهديد باندلاع حرب عالمية ثالثة، وذلك في أعقاب إسقاط تركيا طائرة روسية. صحيح ان ثمة من قال ان طهران تسعى للتقريب بين الدولتين، لكن الصحيح حتما ان بوتين الذي كان قد خفض 10 في المئة من ثمن تصدير الغاز الى تركيا وعقد معها سلسلة اتفاقيات هامة، لم يكن في هذه اللحظة بالضبط راغباً ربما بتحسين العلاقات الإيرانية التركية وبإعادة تعويم دور أردوغان من طهران.

في غير المعلن رابعا: ان روسيا الدولة العلمانية القلقة من كل ما هو نشاط إسلامي، ربما تريد اليوم ان تطرح نفسها وسيطا وليس طرفا في نزاعات المنطقة، ولعلها تقول لخصوم إيران انه كلما تعزز دول الدولة السورية وجيشها، كلما ضعفت الحاجة لوجود إيراني. هذا يغري إسرائيل ودول الخليج وأميركا على الأرجح وصولا الى تركيا لاحقا. لا شك بأن شكر وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف لدور السعودية في مفاوضات جنيف أمس الأول، يشي برغبة بانفتاح أكبر قد تكلل بزيارة الملك سلمان لموسكو. لم يكن بالصدفة اتفاق بوتين وضيفه ملك المغرب في اليومين الماضيين على توسيع جبهة محاربة الإرهاب. قد نشهد قريباً ترحيباً روسياً بضم قوى عربية سنية.

هل ثمة خلاف بين روسيا وإيران؟

هناك اختلافات في بعض التوجهات وليس خلافات. فالتنسيق العسكري بين الجيش الروسي وإيران و «حزب الله» كان ولا يزال كبيرا على الأراضي السورية. علاقات البلدين شهدت نمواً هائلاً في الأعوام القليلة الماضية توّجت بزيارة بوتين لطهران وإصراره على التوجه مباشرة من المطار لمقابلة السيد علي خامنئي. خرق بذلك كل البروتوكولات المعهودة في دولتين عريقتين بالبروتوكول كروسيا وايران.

في العلاقات التجارية، تحتل ايران المرتبة الخامسة بين جيران روسيا. يسعى البلدان الى رفع التبادل الى 70 مليار دولار سنويا (هو حاليا أقل من 3 مليارات). فتحت روسيا خطا ائتمانيا بمبلغ 5 مليارات دولار لدعم مشاريع مشتركة. تفاهم البلدان على إيصال الاستثمار في مجال الطاقة الى 40 مليارا، وعلى مشاريع لسكك الحديد بـ5 مليارات، وتحديث محطات الكهرباء بـ6 مليارات. قدمت وزارة الطرق والإعمار الايرانية لموسكو 21 مشروعا في مجالات البنى التحتية بما يقارب 25 مليارا. يجري حاليا تذليل العقبات المصرفية وخطوط التواصل البري. وقّع البلدان مذكرة تفاهم استراتيجية في مجالات النفط والغاز والكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والقطاع المصرفي وغيرها.

ولو أضفنا الى كل ذلك التعاون الهائل في بحر قزوين وآسيا الوسطى والقوقاز ومنظمة شنغهاي وغيرها، ناهيك عن الصفقات العسكرية المعلنة والسرية، نفهم أن بين البلدين طموحات استراتيجية كبيرة للتعاون وللضغط على الغرب الأطلسي… أحدث دليل، هو رفض موسكو فرض عقوبات جديدة على طهران بذريعة الصواريخ الباليستية.

الآن ومع ركوب الحرب السورية قطار التسويات والصفقات والتفاهمات الأميركية الروسية، يجد بوتين فرصة للعب دور الوسيط. أوباما يسلمه مفاتيح الحل. إسرائيل ليست منزعجة. لا بد من جذب دول مجلس التعاون الخليجي والمعارضة؟ فهل يُقدم على خطوات تزيد التوجس الإيراني حين يحين زمن التنازلات المتبادلة؟

ربما نعم، لكن الرجل لم يخدع عبر مسيرته أياً من شركائه، فكيف اذا كان الشريك بأهمية ايران؟ لا شك بأنه سيحاول الحفاظ على أوراق قوته وربح أوراق أخرى. مصير الأسد والدولة الكردية العتيدة ومستقبل المغامرات الإسرائيلية هي الفيصل. يبدو أن المنطقة أمام أشهر خطيرة قبل الانتخابات الأميركية. عممت إيران قبل فترة على مؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية أن تستعد لكل الاحتمالات من إسرائيل الى سوريا فالعراق… لننتظر ونر.

 

النهار

هذا الانسحاب الذي يشبه الهجوم

جهاد الزين

قراءة في موقع القرار الروسي على خارطة “الجريمة المنظمة” أو الإسم الجديد للشرق الأوسط الذي أطلقه الرئيس باراك أوباما:

 

تدخل الحرب السورية مع القرار الروسي بسحب “الجزء الأكبر” من التواجد العسكري في سوريا مرحلة جديدة في مسار طويل جدا لا زلنا في بدايته وربما استغرق عقدا، من محاولة إيجاد حل سياسي. هذه هي “البيئة السلمية للحرب” بعدما كانت قبل الاتفاق الأميركي الإيراني ومنذ العام 2011 بيئةً حربية للحرب. لكن في الحالتين الحرب مستمرة.

استحصل قرار الرئيس بوتين هذا على إعجاب شامل في العالم المعني بالحرب السورية. حركة شطرنجية من الانسحاب الذي هو أقرب إلى الهجوم:

– كسر نظرية التورّط الروسي والتشبيه بالتجربة السوفياتية في أفغانستان. هذه الثرثرة لن تكون متيسرة بسهولة بعد الآن. كذلك يلغي القرار أي تشبيه مع تجربة بوتين في تشيشنيا التي دخلها الجيش الروسي ولم يخرج حتى قضى نهائيا على الانفصاليين بكلفة عالية جدا.

– تعويم البعد السياسي على العسكري مع استمرار جهود جنيف.

– إضعاف بل إقفال أي مجال للضغط الداخلي الروسي الشعبي يعتبر سياسة بوتين تبديدا للثروات الروسية في مغامرات عسكرية في وقت تظهر فيه مؤشرات الاقتصاد الروسي غي مطمئنة.

– إعطاء الفرصة للرئيس رجب أردوغان بتغيير سياساته المتطرفة دون إهانته. بل اعتبار القرار الروسي إنجازا له يسمح بتغطية تراجعه عبر الانضمام إلى جهود التهدئة السياسية.

ولذلك علينا أن ننتظر ماذا ستكون الخطوة التركية الكبيرة المقبلة إذا كان هذا القرار البوتيني، عكس الرائج، جزءاً من اتفاق ما كبير غير معلن، لا سيما مع واشنطن، يتضمن عددا من “التراجعات” للدول الأساسية في الصراع. إذ يجب أن لا ننسى أن “عسكرة” الثورة السورية أواخر عام 2011، القرار الذي جعلها حربا لا ثورة، هي بكل بساطةٍ وتبسيطٍ فتحُ الحدود عسكريا مع سوريا بقرار غربي إقليمي. كما يجب أن لاننسى أن الدخول العسكري القتالي الجوي الروسي إلى سوريا قبل أشهر لا زال يحمل شبهة التفاهم مع واشنطن في أجواء ما بعد الاتفاق النووي السداسي.

قوة هذا القرار البوتيني الشطرنجية أنه يربح الكثير ولا يخسر شيئا.

لم يترك الرئيس فلاديمير بوتين سوريا. القرار يعني في الميدان ترك منطقة إدلب لتركيا ومعظم الحدود التركية السورية للأكراد عدا بعض المناطق الضيقة لتركيا أقصى شمال حلب وتوسيع رقعة نفوذ النظام في جنوب دمشق مع ترك مناطق معينة لإسرائيل والأردن وعبره السعودية. هذا اعتراف روسي بمناطق نفوذ وإن كان لا يكفي حتى اليوم لاعتماده أساسا واقعيا للفدرالية الآتية لا محالة إلى سوريا الجديدة والتي ثبت عبر التجربة العراقية أنها “ناجحة” في قيام تقسيم أمر واقع داخل دولة واحدة. وقد تكرّست منطقة الساحل السوري وجبالها بكاملها مع امتداداتها إلى دمشق منطقة تحت الحماية الروسية. فالرئيس الروسي يسحب “الجزءالأكبر” وهو يعرف والجميع يعرف أن بقاء طائرة روسية واحدة شمال اللاذقية جاثمة على أرض القاعدة العسكرية الروسية هناك يكفي لتأمين الحماية السياسية لتلك المنطقة حتى دمشق وجعل وجودها رادعا.

المحللون الغربيون عموما أكثر تحفظا منا نحن العرب في الاسترسال بتوقعات جازمة. لكن ما يلفت النظر هواتفاق كارهي النظام السوري ومحبِّيه على القول أن هدف إعلان انسحاب “الجزء الأكبر” من القوات الروسية هو عملية ضغط على هذا النظام وسحب الذرائع من أمام معارضيه الداخليين والخارجيين في آنٍ معاً. يعني الضغط على كل الأطراف.

أظن هذه عملية ترويج إيجابية وإن تكن مبالغا بها من جهة تأويلها على العلاقة الروسية مع الرئيس بشار الأسد. فمثلما قيل مراراً ولأسباب تعبوية أن الروس سيفاوضون على أوراق أخرى وعندما يحصلون عليها سيتخلّون عن سوريا، وظهر خلال هذه السنوات أن سوريا موقع ثابت وهام في الاستراتيجية الروسية لا تراجع عنه، الآن ستصم آذانَنا وعيونَنا موجةُ تحليلات وتوقعات عن تخلّي بوتين عن الأسد والسعي للمساومة على رأسه. هذا لا يعني أن أي حل نهائي بعد سنوات لن يلحظ بالنتيجة إنهاء دور الأسد أو تخلِّيه طوعاً عن دوره ضمن سلة تحفظ موقع الطائفة العلوية وتحالفاتها في الصيغة الداخلية السورية. لكن لا زلنا بعيدين جدا عن تسوية من هذا النوع حتى لو انطلق الآن طبخ بيئة التسوية بين دول لا ننسى أنها هي التي اتخذت قرار العسكرة.

ولنراقب: هل يعيد هذا القرارُ- الجِسرُ الروسي الممدودُ الوجهَ البراغماتي لرجب طيِّب أردوغان ، الوجه الذي فقده في السنوات الأخيرة وآخر مظاهره المتطرفة وصفه لكل صحافي وأكاديمي وسياسي تركي بأنه إرهابي إذا دعا إلى موقف مختلف حيال المسألة الكردية.

على أي حال وبسرعة سيظهر البعد التوافقي لا الصدامي في هذا القرار الروسي عند معظم اللاعبين. القرار – الجسر مع أن السنوات الآتية من الحرب- الهدنة- المطبخ السوري سيمد ويفجِّر الجسور نفسها وغيرها ويعيد وصلها. الرواية طويلة في هذه “الجريمة المنظمة” الاسم الجديد للشرق الأوسط حسب وصفٍ “خلاق” للرئيس باراك أوباما في مقالة جيفري غولدبرغ معه وعنه في “ذي أتلانتك”!

عبر قراره الأخير، لا “يتفادى” الرئيس الروسي “الشرق الأوسط” كما دعا إلى ذلك الرئيس أوباما في المقالة المشار إليها، أي إلى تفادي منطقتنا. بالعكس لأن روسيا على حدود هذه المنطقة وجزءٌ من تفاعلاتها الدينية والجيوسياسية. فلاديمير بوتين ينظّم حضوره فيها.

والحرب – الهدنة- الحرب السورية طويلة.

 

النهار

الانسحاب الروسي لخفض النفقات والضغط على المفاوضين

خليل فليحان

توافرت معلومات مفادها أن ما يجري في جنيف من تفاوض جدّي، والعين الساهرة الاميركية والروسية لا تفارق أي تحرك يقوم به المبعوث الأممي الخاص الى سوريا ستافان دو ميستورا. ولفت أكثر من سفير غربي في بيروت الى أن هناك عقبات كثيرة ظهرت من وفدي النظام والمعارضة. واعتبر أحد السفراء ذلك أمرا طبيعيا، مستندا الى الأجواء في جنيف، علما أن المهمّ هو صمود وقف الأعمال العدائية وتحويله من هشّ الى دائم.

 

وأدرج أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمغادرة نصف عدد مقاتلات سلاح الجوّ الروسي التي كانت تتولى قصف مواقع “داعش” و”النصرة” في سوريا، في إطار المشجّع على دفع المفاوضات على طريق الحل، ودعمها، وإفهام النظام أن عليه أن يساعد على إنجاحها وليس عرقلتها بوضع شروط تعطّلها. ولاحظ أن تصريحات رئيس الوفد المفاوض السفير بشار الجعفري كانت أكثر ليونة، ولا تحاكي بشيء الموقف الذي سبق أن أعلنه وزير الخارجية وليد المعلم، وفُسّر بأنه تصعيد لا يخدم انطلاقة المفاوضات. وعوّل على الموقف المرحّب لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير بالانسحاب الجزئي لسلاح الجو الروسي من سوريا، واصفا إياه بأنه “خطوة إيجابية نأمل أن تجبر الرئيس بشار الأسد على تقديم تنازلات”.

وأعرب عن أمله في أن “يسرّع الروسي وتيرة الانتقال السياسي في سوريا”، كما أن دو ميستورا عدّل موقفه الذي كان يتحاشى التعليق على الانسحاب الى مؤيد له، لأنه يؤشر لإيجابيات قد تحصل بعدما تلقى معلومات من روسيا في هذا الصدد.

وتوقف سفير دولة كبرى معتمد لدى لبنان عند حرص وزارة الدفاع الروسية على الإعلان عن مغادرة المقاتلات الروسية قاعدة حميميم السورية مع صور متلفزة لمواعيد إقلاعها، ثم الإعلان عن هبوطها في قاعدة عسكرية جوية جنوب روسيا ساعة وصولها، خلافا لقواعد السرية المتبعة في تنقل السلاح الروسي. واستنتج أن موسكو أرادت أن تكون شفافة في ما تقوم به وتعلنه، من دون أي مواربة أو تخفّ بذريعة السرية، مع حرصها على التأكيد أنها خفضت عدد المقاتلات لتوفير النفقات لا للانسحاب، لأنها تعلم كل العلم أن المعركة ضد الإرهاب لا تزال طويلة وان ما ساعد عليه سلاح الجو الروسي أفسح في المجال أمام الجيش السوري لطرد “الدواعش” من مساحات وقرى كانوا يسيطرون عليها، وانه جرى تثبيت النظام الذي كان مهتزا قبل 30 أيلول الماضي.

وتقاطعت معلومات ديبلوماسية وردت الى بيروت من واشنطن وموسكو عن أن الخط المفتوح بين وزيري الخارجية الاميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف كفيل بأن يعالج ما يطرأ من خلافات بين الوفدين السوريين المتفاوضين، ويؤمل أن يثمر استقبال بوتين لكيري الاسبوع المقبل خطوة إيجابية في مسار المفاوضات. ولم يعد مهمًا معرفة الدافع الحقيقي لانسحاب نصف الأسطول الجوي الذي أتى الى سوريا منذ خمس سنوات ونصف سنة، لأن ذلك لا يعني الدور العسكري الروسي الجوي في سوريا، بل على العكس، إنه مستمر، والمقاتلات في مطار حميميم والوارج في قاعدة طرطوس البحرية مع نظام صاروخي متطور.

 

الجمهورية

موسكو للسوريين: القوة الروسية ليست للإيجار

جورج شاهين

لا يمكن أحدٌ أن يتجاهل الإنقسام اللبناني من الإعلان عن بداية الإنسحاب الروسي من سوريا. فبين مَن رحب به ومَن عبّر عن الخوف من تداعياته، هناك مَن يدعو الى التريّث في قراءة التطورات بحدَّيها السلبي والإيجابي ومدى انعكاسها على الإستحقاق الرئاسي واحتمال أن تضع حداً للشغور الرئاسي بمرشحين من خارج المعادلة السلبية القائمة. لماذا وكيف؟في ظلّ الحديث المفاجئ عن بدء انسحاب القوات الروسية من الأراضي السورية على خلفية ما أوضح الكرَملين في سلسلة بياناته، بقي الأمر مدار بحث وتحليل في الأسباب والنتائج المترتبة عليه.

كان الكرملين واضحاً عندما قال «إنّ المهمات الرئيسية المطلوبة من القوات المسلّحة حسب ما كلفتها بها وزارة الدفاع قد أُنجزت». وقد تمّ الاتفاق على «سحب القسم الأكبر من القوات الجوية مع الإبقاء على وجود جوي لمراقبة تطبيق وقف النار».

المهم أنّ هذه الخطوات جاءت عقب المحادثات الرئاسية الأميركية – الروسية والتي ترجمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع وزير دفاعه سيرغي شويغو والخارجية سيرغي لافروف بقرار نُفذ دون تجاهل الرئيس السوري بشار الأسد الذي أُطلع مسبقاً على العملية.

يعترف أحدُ الديبلوماسيين الكبار أنّ الإكتفاء بهذه المعلومات لتبرير الخطوة الروسية وفهم كلّ أهدافها والظروف التي قادت اليها غيرُ كاف. وأنّ انتظار مزيد من الوقت مهمّ وضروري لإستشكاف النتائج المترتبة عليها.

لكنّ القراءة الأولية تقود الى الملاحظات الآتية:

– ليس دقيقاً القول إنّ الإنسحاب الروسي يعني أنّ موسكو تخلت عن حليفها على رأس النظام السوري. فقد لفت قول رئيس ديوان الرئاسة الروسية بوريس إيفانوف: «نحن لا نغادر سوريا بل نسحب فائض القوات والمعدات».

ما يعني أنّ ما هو ضروري من حجم القوة باقٍ في القواعد الروسية القديمة والمُحدثة. وأنّ مهمة مراقبة وقف النار ليست مهمة عادية وتحتاج الى قوة لا باس بها لتغطية سماء وأرض دولة تتوزع فيها المعارك على أكثر من 185 جبهة نارية.

– وليس دقيقاً القول إنّ موسكو ستترك الأمور دون أيّ ضوابط طالما أنها أبقت أسلحة تتصل بالدفاعات الجوية المتطورة لمكافحة الإرهاب. وهو ما يعني أنها ستكون جاهزة لمواجهة أيّ محاولة لتغيير الستاتيكو القائم في البلاد، ولن تسمح بتفوّق المعارضة السورية على رغم أنّ تطوراً خطيراً سبق القرار الروسي تمثل بإسقاط طائرة للجيش السوري في الساعات التي سبقت الانسحاب بصاروخ أرض ـ جو يُطلق من على الكتف ظهر فجأة لدى المعارضة ولم يكن محسوباً قبلاً.

– لكن ما هو دقيق أنّ هامش المناورة أمام النظام الذي إستقوى بالقوة الروسية وتعالى على سير المفاوضات ورفع من سقوف المواقف قد تقلص وعليه أن يحتسب الخطوة جيداً. فالقوة الروسية لم تكن يوماً للإيجار في اللعبة وأنّ ما أرادته لحماية مصالحها قد لا يتلاقى مع مصالح حلفائه الإقليميين والمحليين.

وبمعزلٍ عن التطورات المتلاحقة وتلك المرتقبة فقد انطلق قطارُ التعليقات على الساحة اللبنانية حول القرار السوري وأسرع الرئيس سعد الحريري الى اعتبار الخامس عشر من آذار بـ «اليوم المجيد في تاريخ الشعب السوري وعنواناً للتمرد على القهر والاستبداد والارهاب». في وقت عبّر «حزب الله» عن التقليل من أهمية الخطوة تزامناً مع الإشادة الإيرانية بها والتي اعتبرت ما حصل أنه يقارب الإنجاز.

ولذلك، يقول الديبلوماسي إنّ من الخطأ الإسراع في إطلاق الأحكام الحاسمة من الخطوة الروسية وكأنها انتصار مبرم للمعارضة أو العكس. فهي من الخطوات التي يمكن تسويقها في كلّ الإتجاهات. وهي أنّ المعارضة لن تكتمل فرحتها في ظلّ الملاحظات الأميركية على أدائها ورعاتها الإقليميين والدوليين، التي تفرغها من أيّ إنجاز ينتظرونه.

وهو ما أوحى بأنها خطوة مشروطة في توقيتها وشكلها ومضمونها لتتقدم المخارج السياسية على العسكرية. بدليلٍ أنّ بوتين اوعز الى لافروف تكثيف الجهود الديبلوماسية في محادثات جنيف التي يقودها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الى سوريا ستيفان دوميستورا بين الفريقين على خلفية البناء على التوازن الدقيق بين الطرفين.

وبناءً على ما تقدم، لا يتجاهل الديبلوماسي المحنّك أن تفتح الخطوة الروسية كوة في أزمة الإستحقاق الرئاسي اللبناني موازية لتلك التي يمكن أن تقود إليها في المفاوضات السورية ـ السورية الجارية في جنيف، فجدّية التفاهم الأميركي رهن بترجمته في مكان ما.

وإذا صح أنهما اتفقا على تقليم أظافر طرفي النزاع على مستوى النظام وحلفائه الإيرانيين الذين زادوا من تشددهم مستغلّين الدعمَ الروسي من جهة، والمعارضة ورعاتها الذين زادوا من تعنتهم رفضاً للدور الروسي من جهة أخرى.

ويختم الدبلوماسي بالقول: «إن كان هذا التفاهم المنطقي قد تمّ التوصل اليه بين واشنطن وموسكو، فما الذي يمنع من أن يقودا طهران والرياض الى تفاهم مماثل يشكل المأزق اللبناني التجربة الأولى لترجمته.

فينفد عندها لبنان في لحظة ما برئيس للجمهورية، ويشكل ذلك خروجاً من المعادلة السلبية القائمة في البلاد نتيجة لائحة ترشيحات يستحيل أن يتوافر لأيٍّ من إبطالها الفوز بالسباق الى قصر بعبدا، ويتمّ التوافق على مرشح من خارج المعادلة القائمة، فالساحة اللبنانية ليست بعيدة من المفاجآت وهي تتوقعها في أيّ وقت.

 

اللواء

هل يدفع الانسحاب الروسي إلى خروج «حزب الله»

من سوريا أم يجعل الأسد أكثر تمسكاً به لحمايته؟

عمر البردان

أثار الانسحاب الروسي المفاجئ من سوريا تساؤلات عديدة عن توقيته وأبعاده وارتباطه بمسار الحل السلمي، في ظل استمرار الهدنة الهشة القائمة، في وقت اعتبرته أوساط سياسية مراقبة، بأنه لممارسة مزيد من الضغوطات على رئيس النظام السوري بشار الأسد، للقبول بالحل السياسي للصراع في سوريا والذي دخل عامه السادس، بعد التقدم الذي أحرز في الاتصالات الروسية الأميركية التي استطاعت تهيئة المناخات لاستئناف محادثات جنيف بين النظام والمعارضة، على أمل أن تقود إلى إنهاء العنف والدخول في المرحلة الانتقالية للبحث في مستقبل سوريا. وإذا كان الانسحاب الروسي قد حصل بالتنسيق مع النظام السوري، أو كان مفاجئاً له، سيما في ظل معلومات تشير إلى أن الرئيس الأسد لم يكن مطلعاً على كامل تفاصيله، إلا أن ما يهم لبنان بالدرجة الأولى من هذا الانسحاب، يتركز على انعكاساته المتوقعة داخلياً وما إذا كان سيدفع «حزب الله» المنغمس في الحرب السورية، إلى إعادة النظر في قراره الاستمرار في الدفاع عن النظام السوري والعودة تالياً إلى لبنان، وما إذا كانت هذه العودة، في حال حصولها، ستساهم في إيجاد حلول للأزمات الداخلية وفي مقدمها الاستحقاق الرئاسي؟

متابعون لمسار التطورات السورية، سيما ما يتصل بمشاركة «حزب الله» في الحرب الدائرة إلى جانب نظام الأسد، يعتبرون أنه من المبكر الحكم على تداعيات الانسحاب الروسي العسكري من سوريا وتحديداً على مصير وجود «حزب الله» في هذا البلد، لأن الأمور بحاجة إلى مزيد من الوقت للإحاطة بتفاصيل قرار الرئيس الروسي بسحب قواته من سوريا، وبالتالي فإنه من السابق لأوانه معرفة التوجه الذي سيسلكه «حزب الله» على الصعيد الميداني في الداخل السوري، خاصة وأن النظام السوري الذي لا يبدو من المعطيات المتوافرة سعيداً بالقرار الروسي، اعتمد بشكل أساسي قبل التدخل العسكري لموسكو، على «حزب الله» لتجنب هزيمة كانت ستلحق به على أيدي مسلحي «داعش» والمعارضة، حيث خسر أكثر من نصف الأراضي السورية وباتت قواته العسكرية في وضع لا تُحسد عليه أبداً.

ومن هنا، وكما يقول المتابعون، فإن الأيام والأسابيع المقبلة وحدها الكفيلة بإظهار طبيعة التداعيات المتوقعة للقرار الروسي على لبنان وتحديداً بالنسبة إلى «حزب الله»، رغم أن هناك تحليلات يرى أصحابها، بأن حاجة نظام الأسد إلى «حزب الله»، ستكون أكثر بعد الانسحاب الروسي، في ظل ظروفه السياسية والعسكرية غير المريحة، ولربما دفعه ذلك إلى التمسك أكثر فأكثر بالحليف الإيراني وحلفائه وفي مقدمها «حزب الله» وميليشيات عراقية، إذا فشلت المفاوضات السياسية ولم يتحقق الحل السياسي للأزمة، وهو ما سيدفع «حزب الله» إلى الاستجابة لطلب حليفه الأسد، بتوجيه إيراني، ما يعني إطالة أمد الأزمات في لبنان وتعثر الحلول وإبقاء الشغور الرئاسي الذي يستعد لدخول عامه الثالث قائماً، مع ما له من مخاطر سياسية وأمنية، بالتوازي مع شل عمل المؤسسات وتعثرها.

لكن في مقابل ذلك، فإن هناك وجهة نظر أخرى، يشير متبنوها إلى أن الحل السياسي الذي يعمل عليه في سوريا، سيقود إلى حصول انفراجات في لبنان، بعد أن أيقنت الأطراف الإقليمية والدولية أن لا مفر من سلوك طريق الحل السياسي للصراع الدموي في سوريا، بحيث أن الروس أرادوا من خلال انسحابهم من سوريا، أن يمهدوا الطريق لهذا الحل، وإن كانوا يعتقدون أن الطريق قد يكون طويلاً، لكن آن للحرب المستمرة منذ خمس سنوات، أن تتوقف وأن يبدأ السوريون حواراً لوضع حد للمأساة القائمة، وبالتالي فإنه عندما يتم التوافق على وقف الحرب في سوريا، فإن «حزب الله» سيجد نفسه مرغماً على الخروج من سوريا عاجلاً أم آجلاً والعودة إلى لبنان، وهذا من شأنه أن يخفف من الاحتقان السياسي والطائفي والمذهبي القائم في البلد، باعتبار أن انسحاب الحزب من سوريا، كان مطلباً لقسم كبير من اللبنانيين على مدى السنوات الماضية، ومن الطبيعي عندها أن يقود ذلك، إلى وضع الحلول للأزمات الداخلية على سكة الحل، على أمل التوافق على رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وقيام المؤسسات بدورها.

 

المستقبل

روسيا.. من الدعم العسكري في سوريا الى الدفع السياسي

ربى كبّارة

تقاطعت ردود الفعل على اعتبار ان اعلان روسيا، المفاجئ والمدوي، سحب الجزء الرئيسي من قواتها من سوريا، يوفر زخما للحل السياسي الذي يمر حاليا بمرحلة مفصلية نجاحا او فشلا. فقد حققت اهداف تدخلها الرئيسية، كما انها لا توافق بشار الاسد على مواقفه التصعيدية الاخيرة منتشياً بالانجازات العسكرية التي حققها في ظل الغطاء الجوي الروسي.

فمن وزير الخارجية الاميركي جون كيري الى نظرائه الاوروبيين والعرب تتقاطع الآمال بان تدفع الخطوة الروسية «الايجابية» مفاوضات جنيف. فمثلاً، لقد اعتبرها كيري افضل فرصة لإنهاء الحرب لتضافر ثلاثة عوامل: صمود الهدنة، الانسحاب الروسي، وانطلاق المفاوضات. وقوّمها نظيره السعودي عادل الجبير كـ«خطوة ايجابية نأمل ان تسرع وتيرة الانتقال السياسي»، كما رأى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا انها تطور مهم جدا آملا ان يكون له وقع ايجابي على تقدم المفاوضات.

تزامن اعلان فلاديمير بوتين الانسحاب مع انطلاق المفاوضات برعاية اممية، وأرفقه بتعليمات لوزير خارجيته سيرغي لافروف عن ضرورة تكثيف الجهود للوصول الى حل سياسي متوازن.

وقد اتى الانسحاب الروسي بعد تحقيق اهداف عدة منذ تدخله للمرة الاولى بدءا من آخر ايلول الماضي. فقد أنقذ نظام الاسد الذي هدده وصول المعارضة الى تخوم العاصمة دمشق. ولم يكن الهدف التمسك بشخص الاسد، وفق مصدر ديبلوماسي قريب من الدوائر الروسية، وانما الحفاظ على نظام يؤمن المصالح التي كانت تقتصر على قاعدة بحرية في طرطوس اضيفت لها قاعدة جوية في حميميم في ريف اللاذقية. كذلك الحدّ من التكاليف المالية الباهظة.

وعبر التدخل العسكري المفاجئ كما الانسحاب بتوقيت مميز، فرضت موسكو نفسها لاعبا رئيسا في الشرق الاوسط وممسكا وحيدا بالخيوط السورية، وكرست عودة لافتة الى الساحة الدولية بعد العزلة التي فرضت عليها جراء الازمة الاوكرانية.

اما الهدف المعلن للتدخل الروسي والذي اختصرته موسكو بالقضاء على الارهاب ممثلا بـ«داعش» و»النصرة» فهي لم تسع فعليا لتحقيقه، كون غاراتها استهدفت خصوصا الفصائل المعتدلة، وهي تنسحب قبل تنفيذه كاملا.

واضافة الى ذلك تعوّل موسكو على حل سياسي يمكن انجازه قبل انقضاء ولاية الرئيس الاميركي باراك اوباما، الذي شكلت سياسته الانسحابية من المنطقة ابرز عوامل النجاح الروسي، وذلك خشية تغيير اساسي مع خليفته. كما تأمل نيل مكاسب من السعودية عبر رفع اسعار النفط بما يساهم في تقليص معاناتها الاقتصادية، ومن الاميركيين عبر رفع العقوبات التي انهكتها ماليا.

وثمة تناقض واضح بين الموقفين السوري والروسي. فقد اعتبر الاول الخطوة «منسقة» فيما اكد الثاني انها اتت بقرار ذاتي صرف، وانها لا تهدف الى ممارسة الضغوط على الاسد، وهو ما عزاه المصدر الى محاولة انقاذ ماء وجه الرئيس السوري لا غير.

وبدا واضحا ان التفاهمات الاميركية- الروسية تتعارض مع رغبات الاسد الذي استبق المفاوضات بإعلانه منذ منتصف الشهر الماضي ان الحل السياسي لا يأتي الا بعد استعادة كامل السيطرة، والذي وُوجه فورا بانتقاد روسي علني على لسان سفير روسيا في الامم المتحدة فيتالي تشوركين الذي اعتبره موقفاً لا ينسجم مع الجهود الروسية. وقد عارض الاسد دون جدوى الهدنة التي بدأت في 27 شباط بتوافق اميركي ـ روسي واعلن عزمه اجراء انتخابات نيابية الشهر المقبل، خلافا لمقتضيات القرار الاممي 2254 الذي يشكل اساس التفاوض في جنيف وينص على تشكيل حكم تمثيلي جامع غير طائفي، وعلى وضع دستور جديد، وانتخابات في غضون 18 شهرا. ومؤخرا اعلان وزير خارجية النظام وليد المعلم ان بقاء الاسد بصلاحياته المطلقة خط احمر والتشدد بان محور التفاوض هو حكومة وحدة وطنية تضم اطيافا معارضة لا هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التي تتمسك بها المعارضة.

وبانتظار تبلور خلفيات واهداف الخطة الروسية بوضوح تام يبقى السؤال عما اذا كان الاسد سيبقى مغردا خارج سرب التسوية لاهثا خلف تحقيق حلم استعادة السيطرة على كامل الارض السورية.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!