هل اقتربت طباعة الأعضاء البشرية من أن تصبح واقعًا؟


مجرد أن أعلن السيد «كيريل كايم» نائب رئيس مؤسسة «سكولكوفو» في نوفوسيبيرسك الروسية أن علماء المؤسسة تمكنوا من ابتكار طابعة بيولوجية تطبع الأعضاء البشرية، وبدا الأمر في الأوساط الطبية والعلمية وكأن فتحًا طبيًا جديدًا على وشك الحدوث. ولا شك في ذلك، فمسألة زراعة الأعضاء البشرية تحتاج بالفعل إلى دفعة تكنولوجية جديدة تخلصها من تعقيدات النظام السائد الآن في نقل الأعضاء بين البشر وأزمات المتبرعين والقوانين المنظمة لذلك إلخ. وقد أكد «كيريل كايم» أن شركة «ناش ريزيدينت»، وهي إحدى خمس شركات في العالم ابتكرت الطابعة البيولوجية، طبعت بالفعل عضوًا عاملا (غدة درقية) وزرعته في جسم فأرة، مشيرًا إلى أن الغدة المزروعة في جسم الفأرة تعمل بصورة طبيعية وتفرز الهرمونات المطلوبة، ما اعتبره المتحدث اختراعًا علميًا ليس له مثيل.

وأشار «كايم» إلى أن التجارب المقبلة ستقوم بطابعة كلى وأكباد وغيرها من أعضاء الجسم الحيواني، مضيفًا بأن طباعة أعضاء جسم الإنسان سوف تحتاج إلى فترة طويلة قد تزيد عن 15 سنة، لا سيما وأن المشكلة الأساسية التي تواجه العلماء هي كيفية جعل هذه الخلايا المطبوعة تتمايز وتنمو بصورة صحيحة.

تجدر الإشارة إلى أنه سبق للمختبر الروسي «دي بيوبرنتينغ سوليشن 3» الذي يحوي أول طابعة ثلاثية الأبعاد تقوم بطباعة الغدة الدرقية، أن قام بنقل الأعضاء الصناعية إلى الفئران الحية، خلال شهر مارس 2015 مما يمهد الطريق لزراعة غدد درقية في جسم الإنسان. وتم إثبات أن الغدة الدرقية، التي صُنعت بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد، تقوم بوظائفها الحيوية بشكل كامل، ويقول الخبراء إن النتائج تشكل ثورة في المجال الطبي. وصرح العاملون في هذه المختبرات العلمية بأنهم سيبدأون طباعة الغدد الدرقية للإنسان في حال نجاح التجربة. وأكد الباحثون في تلك المختبرات أنهم مستعدون للبدء في طباعة ثلاثية الأبعاد للغدة الدرقية للإنسان وكل ما يحتاجونه هو خلايا مسؤولة عن إنتاج هرمونات الغدة الدرقية وإفرازاتها.

ولعل أهمية هذا الاكتشاف العلمي تكمن في أنه يمثل ثورة في الميدان الطبي، خاصة وأن هناك 665 مليون شخص في العالم يعانون من اضطرابات هذه الغدة بحسب منظمة الصحة العالمية. يذكر أنه ليست هذه المرة الأولى التي تستخدم التكنولوجيا فيها لصناعة أعضاء بشرية، ففي سنة 2014 كان زرع الفقرة المطبوعة من أول إنجازات طابعة الأعضاء البشرية، حيث تمكن أطباء صينيون من زرع أول فقرة مصنوعة من التيتانيوم بواسطة طابعة ثلاثية الأبعاد، بعد عملية جراحية معقّدة استغرقت خمس ساعات، وذلك في تجربة هي الأولى من نوعها في العالم.

وفي تاريخ سابق لذلك من نفس السنة تمت طباعة أنوف وآذان وأوعية دموية في المختبر في مستشفى بشمال لندن في محاولة جريئة لتصنيع أعضاء بشرية باستخدام الخلايا الجذعية باستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد. كما أعلن فريق من خبراء جامعة «لويزفيل» الطبية بالولايات المتحدة الأميركية، إطلاق مشروع لصناعة القلوب الحية باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد. ونفّذ فريق من الجراحين الهولنديين عملية زراعة جمجمة تمت طباعتها على طابعة مجسمة بنجاح لمريضة تبلغ من العمر 22 عاما، واستمرت العملية لمدة 23 ساعة متواصلة. وقام فريق من الأطباء من جامعة أوترخت الهولندية بعمل جمجمة بلاستيكية مطبوعة بتقنية الطباعة المجسمة لتحل محل الجمجمة الأصلية.

والواقع أن التطور التكنولوجي الذي يشهد عالمنا اليوم في مجال الطابعات ثلاثية الأبعاد يؤثر بالإيجاب يومًا بعد يوم، على مجال البحوث الطبية، ويفتح آفاقًا جديدة تؤذن بفتح علمي جديد حيث بات من الممكن، بفضل اختراع هذه الطابعة البيولوجية، توفير  أعضاء الجسم من أجل حالات زراعة الأعضاء على نحو لا مثيل له. صحيح أن الانتهاء من البحوث والتجارب وصولا لطباعة الأعضاء البشرية يحتاج مزيدًا من الوقت والبحوث والتجارب السريرية وغير ذلك من الإجراءات الطبية المعتمدة، غير أن الطريق نحو تحقيق ذلك بات قريبًا. وعلى الرغم من أن تكنولوجيا صناعة الأعضاء والأنسجة تسمح بخلق أنسجة حية مختلفة بواسطة طابعات ثلاثية الأبعاد ثم زرعها في جسم الإنسان أو استخدامها لاختبار الأدوية، إلا أن إنماء هذه الأنسجة لا يزال من نوع واحد على هيكل يذوب في المرحلة النهائية وهو الأمر الذي لا ينطبق على الأنسجة الغضروفية أو العضلية. ولكن تقدم العلم يثبت يومًا بعد يوم أن المستحيل كلمة ليست في قاموسه، وأن العقل البشري قادر دائمًا على إيجاد الحلول وتجاوز العقبات. ولعل تجربة المعامل الروسية في طباعة الغدة الدرقية وزراعتها في جسم فأرة تكون بداية زراعة المزيد من أعضاء الجسم الأخرى وصولا إلى تطبيقها على الإنسان؛ وهو الأمر الذي سوف يسهم في تجاوز التجديات والعقبات والصعوبات القائمة في مجال زراعة الأعضاء وأزمات المتبرعين، ناهيك عن القضاء على مافيا تجارة الأعضاء العالمية. وإن غدًا لناظره قريب!

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!