العلوم النانوية تكشف سر السيوف الدمشقية!


سوزان أبو سعيد ضو

تميزت السيوف أو “السلاح الأبيض” في القرون الماضية، وتحديدا بين العصر البرونزي وحتى بدايات القرن التاسع عشر، بالاعتماد عليها خلال الحروب، ولا سيما لدى العرب، فالسيف لم يكن في عرفهم زينة فحسب، بل أداة حرب ورمز للعزة ومجالا لاظهار الشجاعة، بالإضافة إلى ما يتميز به هذا السيف من الإبداع الفني والبراعة والتفنن في صنعه، حتى غدا السيف بأقسامه الاربعة: النصل، المقبض، الغمد والحمائل، مجالا واسعا للابداع أيضا استحضر الفن العربي.

إلا أنه من بين كل أنواع السيوف العربية، تميز “السيف الدمشقي” بخصائص فريدة من نوعها، وتفوق بها على معظم السيوف المعروفة، ولم يستطع أحد من صانعي هذا النوع من الأسلحة منافسة هذا السيف العريق.

 

الداماسك وسلَّم محمـد

 

شهرة هذه السيوف العربية الواسعة وفاعليتها، وصلت الغرب، ولم يتمكن أحد من تقليدها ومعرفة سر صناعة فولاذها (وهو فولاذ استُعمل أيضا في صناعة الخناجر والفؤوس ونِصال الرماح)، واستعصى إنتاج الفولاذ المماثل على كبار علماء المعادن وأرباب صناعة النِّصال الأوروبيين، على الرغم من احضار عينات منه وتحليلها تحليلا مستفيضا، إلا أن سر فن إنتاج هذا الفولاذ اندثر في أرض نشأته.

ويتميز نصل هذا السيف، فضلا عن مرونته وصلابته المتفوقتين بميزتين هامتين، لم تتواجدا في أي نوع من الأنصال، أولها سطح نصل موشى برسم فسيفسائي يشبه الماء، يسمى الداماسك damask، وخصوصا الوشي المعروف باسم سُلَّم محمـد  Mohammed’s ladder، وفيه تتناسق التموجات بشكل سُلَّم على امتداد النصل، وكان يعتقد بأنها رمز إلى الطريق الذي يتبعه المؤمنون عندما يعرجون إلى الجنة، فضلا عن حدة لا تقارن في القطع، وقد قيل أن نصل هذا السيف قادر على قطع ريشة أو قطعة حرير إلى قسمين.

صلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد

 

وذكر المؤلف السكوتلندي السير والتر سكوت Walter Scott سيف دمشق الأسطوري في روايته “الطلسم” The Talisman، عند وصفه لقاء خياليا بين ريتشارد قلب الأسد والقائد العربي صلاح الدين الأيوبي، وحاول ريتشارد أن يظهر قوة سيفه بقطعه شجرة بضربة واحدة الى نصفين، عندها تناول صلاح الدين الأيوبي وشاحا من الحرير، ورمى به في الهواء ليهبط على حافة سيفه الدمشقي المعقوف ويقطع الوشاح إلى قسمين، دون مجهود يذكر من القائد الكبير!

 

أساطير

 

واشتهرت هذه الصناعة منذ أيام الإسكندر الأكبر، ويُجمِع الخبراء على أن آخر ما صُنع من سيوف دمشقية عالية الجودة كان قبل التسعينيات من القرن التاسع عشر، إلا أن صناع هذه الحرفة في دمشق ومنطقة الشرق الأوسط والبلاد الإسلامية الأخرى، فضلا عن إسبانيا أبقوا طريقة صنعها سرا، ضمن عائلات قليلة، وإن كانت هذه الصناعة العريقة قد اضمحلت في موطنها الأصلي دمشق، مع تحول السلاح من السيوف إلى السلاح الحربي، حتى اختفت تماما.

وقد حيكت الأساطير حول طرق صناعة هذا السيف، منها أنه يطفأ بعد صناعته بدماء التنين، أو داخل الأجساد القوية للمحاربين الأسرى.

وذكرت كتابات وجدت في آسيا الصغرى أن عملية “تلطيف” السيف الدمشقي تحتاج  إلى أن يسخن النصل حتى يضيء “مثل شروق الشمس في الصحراء”، ومن ثم يجب تبريده الى لون أرجواني ملكي، ويغرز في “جسم عبد مميز بالعضلات” بحيث يتم نقل قوته إلى السيف!

عملية التصنيع

 

وكانت عملية التصنيع وفقا للباحثين الإنجليز الأوائل تبدأ في الهند باستعمال سبائك  ووتز الهندية wootzingots المصنوعة من الفولاذ، أو كعكات الفولاذ الهنديwootz cakes، وهي سبيكة تتألف من مزيج مكون من الحديد والكربون، وكانت عملية تشكيل المعدن forging تتم مباشرة من هذه السبائك إلى النصال بعمليات تسخين heating وطرق hammering متكررة بشكل كبير، مع تغيرات مدروسة في الحرارة، علما أن الفولاذ يحتوي عدا عن الحديد كمكون رئيسي على نحو 1،5 بالمئة من وزنه من الكربون، إضافة إلى نسب منخفضة من الشوائب الأخرى مثل السليكون والمنغنيز والفوسفور والكبريت.

 

محاولات فرنسية وروسية

 

ولم تنجح المحاولات الحديثة في تقليد هذا النوع من السيوف، بسبب اختلاف المواد الخام وطرق التصنيع، على الرغم من أنه في العام 1824 أعلن الفرنسي آرجي بريان أنه نجح في كشف ما خفي من فنون صنّاع السيوف المسلمين، كما أعلن الروسي بافل أنوسوف  Pavel Anosov اختراعه في العام 1841 فولاذا أسماه Bulat وهو مشتق من الإسم فولاذ، اعتبره يتفوق على الفولاذ الدمشقي، إلا أن كل مجهوداته باءت بالفشل، ولم يتمكن أحد من إنتاج سيوف مشابهة من حيث المظهر الخارجي والتركيب الداخلي ومميزات السيوف الأصلية القديمة.

 

العلوم النانوية

 

قام علماء من “جامعة دريسدن” تترأسهم الباحثة في المجهر الالكتروني والمجهر ثلاثي الأبعاد ماريان ريبولد Marianne Reibold بكشف سر هذه السيوف، لافتة إلى وجود مادة مركبة من الحديد والكربون على مستوى النانومتر، أي أنها عبارة عن أنابيب نانوية كربونية، فبعد فحص قطع أثرية من الفولاذ الدمشقي ومعالجتها بالحوامض، وجد أن النصل مشبع بأنابيب وأسلاك بمادة الكربون النانوية، ما يفسر مرونته الكبيرة، فضلا عن تشبعه بالشوائب الأخرى بشكل متعمد، لإعطائه بنية مندمجة بصورة فريدة، إلا أن البنية المركزية مكونة من مادة الـ cementite ورمزها الكيميائي Fe3C، محاطة بطبقة من الصلب اللين.

وكشفت الأبحاث أن هذه الجسيمات الكربونية مستديرة الشكل ومتناسقة،  ويتراوح قطرها بين 6 و 9 ميكرونات، وتتباعد شرائط الجسيمات بعضها عن بعض بمقدار 30 إلى 70 ميكرونا، وهي مرصوفة بشكل مواز لسطح السيف، بما يشبه حبة قمح داخل لوح خشبي، وعند معالجة السيف بالحامض، تظهر الكربيدات على شكل شرائط بيضاء ضمن قالب فولاذي داكن اللون، شبيهة بحلقات النمو المتموجة الملتفة في الشجرة المقطوعة، ما يفسر تموجات شرائط الكربيد في أشكال الوشي الدمشقي على سطوح نصال السيوف، وحيث أن جسيمات الكربيد بالغة الصلابة، فإنه من المفروض أن اجتماع هذه الشرائط الفولاذية القاسية ضمن قالب فولاذي أكثر لينا ومرونة هو الذي يميز صلابة وحدة هذه على السيوف الدمشقية، ومرونة بنيتها في الآن عينه.

وصناع هذا النوع من الفولاذ يبادرون إلى طي الصلب وطرقه على نار منخفضة لإنشاء قالب من الصلب فائق اللدونة، قوي ومرن في الآن عينه، ثم يصب الحامض على النصل، ما يؤدي إلى تآكل بعض الصلب اللين، مبقيا على الأنابيب والأسلاك النانوية وطبقة خارجية حادة وقوية جدا، لتظهر نمطا مميزا على السطح يشبه خطوطا داكنة وفاتحة تميز هذا النصل.

 

محاولات واستخدامات حديثة

وقام العديد من العلماء بمحاولة تصنيع هذا الفولاذ الفريد، أبرزها محاولة الأستاذ الفخري في الهندسة وعلم المواد بجامعة ولاية أيوا الأميركية، جون فيرهوفن John D. Verhoeven الذي انصب جل اهتمامه على دراسة سر السيوف الدمشقية المصنوعة من الفولاذ الهندي (ووتز)، واشترك في هذا المجال مع حداد مختص Alfred Pendray، وأشار فيرهوفن إلى احتواء النصال الأصلية على أربعة شوائب، وهي الكبريت sulfur، الفوسفور phosphorous، السيليكون silicon  والمنغنيز  manganese، ونجح الفريق المكون من العالم والحداد في تصنيع نصل مشابه باستخدام نوع تجاري من الحديد الكندي باسم سوريل Sorel iron، واستخدم الحداد أوراق النبات الخضراء في عملية التصنيع، ما يسمح للفحم المستعمل في توليد الحرارة في عملية تشكيل النصل، بالإعتماد على الماء الموجود داخل الأوراق الخضراء، بحيث يتخذ المعدن النمط المميز المشابه للنصل الدمشقي، وقام العالم بدمج معدني التيتانيوم  titanium والفاناديوم vanadium بكميات ضئيلة، وخصوصا معدن الفاناديوم الذي تم إثبات وجوده بكميات نادرة بعينات من النصل الأصلي، وأثبت استعماله في النصل الحديث بنسب ضئيلة نتراوح بين 0،013 و0،014 بالمئة دوره الأساسي في تشكيل النمط المميز لسطح السيف على الرغم من أن الآلية لا تزال لغزا للجميع وحتى الآن.

وقام بعدها علماء من “جامعة ستانفورد” بإعادة اكتشاف عملية صنع سيف دمشق الأسطوري الصلب، وقام خبيرا المعادن metallurgy experts الباحثان جيفري وادزورث Jeffrey Wadsworth وأوليغ شيربي Oleg D. Sherby، بإعداد دراسات مقارنة للنصل الحديث المشبع بالكربون المصنع باستخدام التكنولوجيا الحديثة، مع عينات من الأسلحة القديمة، وأظهر البحث خواصا مماثلة للنصلين.

ويعتقد الدكتور وادزورث، والدكتور شيربي، أن الكربون المشبع في سيف دمشق أثناء تصنيع النصل يجب أن يكون بين 1 و2 بالمئة، مقارنة مع جزء بسيط عبارة عن 1 بالمئة في الفولاذ العادي، ويتم تشكيل الأنابيب النانوية الكربونية خلال هذه العملية، وهذه يحافظ على الصلب أقوى ومرن بما فيه الكفاية، وكشف النصل عن الأنماط المميزة لسطح المعدن المشابهة للسيف الأصلي.

 

ومن المفترض أن يستخدم الصلب الفائق اللدونة المشابه للصلب الأثري والذي ابتكره فريق ستانفورد في أبحاث المعادن، بهدف جعل المعادن أكثر ليونة ومرونة، وأقوى كذلك من الفولاذ الأصلي، بحيث يمكن أن يعاد تشكيله في المواد مثل تروس السيارات، مع الحد الأدنى من الحاجة إلى التصنيع الآلي، وبأسلوب منخفض التكلفة لاحتياجات مستقبلية عدة.

وتخليدا لهذا السيف رفع الدمشقيون نصبا له في ساحة الامويين وسط العاصمة دمشق، كرمز لقوة المدينة ومنعتها وارثها الحضاري، كونه يختزل تاريخا من المعارك والحروب والانتصارات والانجازات ودليلا على مهارة الحرفي الدمشقي.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!