1473144614

تركيا ترتّب أوضاعها الداخلية وتفعّل وساطتها في الخليج


د. هدى رزق

أدين عضو حزب الشعب الجمهوري العلماني، أنيس بيربيروغلو بعقوبة مدتها 25 سنة سجن من دون محاكمة بسبب كشف أسرار الدولة وتسريبها إلى صحيفة جمهوريت، وهو صحافي مخضرم عمل كرئيس تحرير صحيفة «حرييت»، في تركيا قبل الترشح للبرلمان.

اتهم بتسريب صور الشاحنات التي تديرها وكالة التجسس الوطنية التركية، التي كانت محملة بالأسلحة في كانون الثاني 2014 المتوجّهة الى سورية، والتي ادعى أردوغان حين كان رئيساً للوزراء أنها كانت تنقل مساعدات إلى التركمان العراقيين في سورية.

هو أول نائب لحزب الشعب الجمهوري يسجن بعد 15 عاماً من حكم حزب العدالة والتنمية، وهو سينضمّ الى 12 نائباً من المشرّعين المسجونين المنتمين الى حزب الشعوب الديموقراطي، ومن بين السجناء الرئيس صلاح الدين دميرتاش، الذي يواجه مجموعة من الاتهامات الإرهابية.

تعليقاً على هذا القرار، قال بربيروغلو إن الحكم هو رسالة تحذير للجمهور التركي، في ما قال البرلماني الجمهوري إنجين ألتاي إن «القضية التي تمّ البتّ فيها تشكّل أساساً يوفر ملاحقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كمجرم حرب في محكمة دولية».

وكان أردوغان قد هدّد جان دوندار رئيس تحرير جمهوريت بأنه «سيدفع ثمناً باهظاً» بسبب كشفه هذه الشاحنات. واتهم المدعون العامون المشاركون في القضية دوندار وزميله، وهو محرر في الصحيفة إرديم جول وأدين الاثنان وأودعا السجن، في أيار 2016 بتهمة نشر أسرار الدولة، أفرج عنهما في ما بعد ويعيش دوندار الذي يواجه اتهامات متصلة بالدعاية الإرهابية، الآن في المنفى في المانيا.

وكان البرلمان التركي قد وافق في أيار 2016، على مشروع قانون يقوده حزب العدالة والتنمية برفع حصانة المشرّعين الذين يواجهون المحاكمة. ووافق آنذاك 20 نائباً من أعضاء حزب الشعب الجمهوري ودعموا الإجراءات التي ساعدت في تمهيد الطريق أمام محاكمة بربيروغلو. ما يظهر عدم تماسك الحزب اتجاه قرارات يمكن أن تطال أعضاء منه كذلك يشير إلى قصر نظر في رؤية الحزب السياسية لمشاريع أردوغان الذي كان منذ 2010 يُعِدّ للانقلاب على الدولة الكمالية ورموزها.

يواجه حزب الشعب الجمهوري انتقاداً متصاعداً بسبب معارضته غير الفعّالة لأردوغان. ويذهب البعض إلى حد اتهام الحزب الذي أسسه كمال أتاتورك باستمراره في السكوت عن تسلّط أردوغان من خلال الاستمرار في الجلوس في البرلمان. كما يواجه رئيس الحزب كمال كليتشيدار أوغلو معارضة متزايدة داخل حزبه. وحمل العديد من أعضاء حزب الشعب الجمهوري، بمن فيهم نائبة الرئيسة السابقة سيلين سايك بوكي، التي استقالت من منصبها في 6 أيار، اللوم على رئيس حزب الشعب الجمهوري بسبب عدم الاستمرار في معارضة فوز أردوغان في الاستفتاء والتصعيد بسبب التلاعب في نتائج الانتخابات. وهو يقوم اليوم بمسيرة 450 كلم مطالباً بالعدالة في أنحاء تركيا معترضاً على سجن بيربيروغلو ومتهماً قضاة تركيا بأخذ الأوامر مباشرة من رئيس الجمهورية. يمكن رؤية مسيرة كيليشداروغلو الطويلة من أنقرة إلى اسطنبول كمحاولة لإعادة تأسيس سلطته في الحزب وتوليد الدعم الشعبي لحزب الشعب الجمهوري. لكن البعض يلقبه بـ«غاندي» أبي الهند الحديثة، بسبب مواقفه السلمية اتجاه سياسة أردوغان الذي يواجه استحقاقاً داخلياً وخيارات تتصل بقيادة الأركان لا سيما بعد التحقيقات التي طالت الجنرال خلوصي آكار في قضية الانقلاب الفاشل العام الماضي في 15 تموز 2016 والذي وجد نفسه فجأة في خضم الجدل حول عدم بذله جهداً كافياً لإحباط الانقلاب، واختياره المراقبة السلبية للتطورات في تلك الليلة.

اتهم الضباط الذين خرجوا منذ نحو خمس سنوات من القوات المسلحة التركية بسبب ما قيل عن تورّطهم في محاولة الاتقلاب على أردوغان «اركينجون والمطرقة»، آكار بعدم التنبه الى وجود الضباط المؤيدين لغولن الذين اخترقوا مكاتبه الخاصة. كما أن أحزاب المعارضة ترى أن الانقلاب كان «وقائياً» أي أن أردوغان كان على علم به وترك الأمور تجري، وأن آكار لعب دوراً كان مطلوباً.

تآكلت الصورة العامة لآكار بعد تصريحات عن الفشل في منع محاولة الانقلاب، لذلك يتمّ طرح تسريحه من الخدمة. فإذا كان أردوغان يريد الحفاظ على صورة الانقلاب الفاشلة في نظر الجمهور، من المرجّح أن يبقي عكار لمدة سنة أخرى. ولكن أردوغان يرى أن الوقت قد حان للتطبيع وأن البلاد في حاجة إلى بداية جديدة، لذلك يمكن لقادة الفروع الذين تمّ اعتقالهم من قبل الانقلابيين في تلك الليلة أن يكونوا من المرشحين للحلول مكان قائد الجيش.

سيتقاعد آكار إذا ما قرّر أردوغان أن هذا الحل هو الأفضل ويصبح السؤال مَن الذي سيحل مكانه..

منذ محاولة الانقلاب، ترد أوامر القوات البرية والقوات الجوية والبحرية من وزارة مدنية يديرها وزير الدفاع بعد أن كانت تحت السيطرة المطلقة لرئيس هيئة الأركان، ومع التغييرات الجذرية والإصلاحات العسكرية الأخرى التي نفّذت منذ 15 يوليو، ومع توسّع صلاحيات أردوغان إلى حد كبير بعد الاستفتاء على الدستور 16 نيسان، اصبح رئيس الاركان موظفاً مع رئيس منتخب له سلطة مطلقة. اصبح رئيس هيئة الأركان، «منسقاً/ استشارياً تابعاً للرئيس. وهو يدرك ذلك تماماً ويحاول التكتم للحفاظ على مكانته في تشكيلة البروتوكول. وهذا ما كان يفعله خلوصي آكار بأمانة.

وفي خضم الخلافات الإقليمية بين دول مجلس التعاون الخليجي ومحاولة تركيا التوفيق بين مصالحها الاقتصادية والسياسية وارتباطها العميق مع دولة قطر تمسك الإدارة الأميركية بخيوط اللعبة السياسية والاقتصادية في الخليج وتحاول إبعاد تركيا عن مشهد التحالف الخليجي بإعادة قطر إلى الحضن السعودي الذي لطالما تمرّدت عليه، وحشد طاقة الخليج ضد إيران والتلويح «بناتو عربي» على رأسه السعودية ومصر. تحاول تركيا بدورها إبعاد خطر أي حرب في الخليج تطال إيران وترى أن المستفيد الأكبر هو تقسيم المنطقة. وفي إطار آخر تم القبض على اثنين من مرافقي أردوغان في الولايات المتحدة بسبب الهجوم العنيف على المتظاهرين خارج مقر إقامة السفير التركي أثناء زيارة أردوغان في 16 أيار لواشنطن. وفي أعقاب هذه الحادثة، أدان السياسيون الديمقراطيون والجمهوريون أعمال الجانب التركي. يبقى أن هذا الحادث سيزيد العلاقات الأميركية التركية توتراً فيما تتصاعد موجة العداء لترامب داخل أوساط شعبية العدالة والتنمية بعد رهان على متغيرات في السياسة الأميركية لم تحصل.

البناء

comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!