حقوق الإنسان لا تزال ضحية الصراعات بين الدول


يُواجه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي أنشئ قبل 10 سنوات بدفع قوي من الدبلوماسية السويسرية، تراجعا في فعاليته وفي الامتثال لقراراته وتوصياته، بما في ذلك في الديمقراطيات الاكثر تقدما. ولا تسلم هذه الهيئة الدولية من ازدواجية المعايير ومن التوظيف السياسي.

في الأسبوع الماضي، توقف وزير الخارجية السويسرية ديدييه بوركهالتر، خلال لقاء نُظّم في جنيف بمناسبة مرور 10 سنوات على انطلاق أعمال مجلس حقوق الإنسان، وعلى هامش افتتاح الدورة الحادية والثلاثين لهذه الهيئة الأممية عند مفارقة ملفتة، وقال: “في الوقت الذي تم فيه تعزيز الإطار القانوني لحقوق الإنسان، شهدت هذه الحقوق في الواقع، تدهورا خلال السنوات الأخيرة”.

التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية، الذي صدر قبل أيام من انطلاق الدورة السنوية الرئيسية لمجلس حقوق الإنسان التي تنتهي يوم 24 مارس الجاري، يؤكد الإستنتاج السابق، حيث يشير إلى أن “العديد من الحكومات انتهكت بوقاحة القانون الدولي في بلدانها خلال عام 2015: أكثر من 122 دولة مارست التعذيب، أو غيره من ضروب سوء المعاملة، و30 أخرى على الأقل أجبرت بصورة غير شرعية لاجئين على العودة إلى بلدان جابهوا فيها أخطارا. وفي 19 بلدا على الأقل، ارتكبت جرائم حرب، وأشكال أخرى من الإنتهاكات لـ “قانون الحرب” من طرف جهات حكومية أو من قبل جماعات مسلّحة”.

وللتشديد على خطورة الوضع، تضيف المنظمة المتخصصة في الدفاع عن حقوق الإنسان: “أخطأت العديد من الحكومات في طريقة ردّها على التهديديات الأمنية: خنقت المجتمع المدني، وهاجمت الحق في احترام الخصوصية، وفي حرية التعبير، وسعت إلى جعل حقوق الإنسان أو المطالبة بها شيئا غير مرغوب فيه بالمرة – بتقديمها لها بوصفها متعارضة مع الأمن القومي أو النظام العام و”القيم الوطنية”، وذهب البعض منها إلى حدّ إلغاء تشريعاتها الخاصة بحماية حقوق الإنسان”. وتستوي في ذلك بلدان مختلفة جدا، كالإختلاف بين الصين الشيوعية، وفرنسا الديمقراطية الليبرالية.

“انتهاكات متنامية وخطيرة”

المفوّض السامي لحقوق الإنسان، زيد بن رعد الحسين، هو الآخر يدق ناقوس الخطر، وقال خلال كلمة ألقاها اثناء افتتاح الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان: “تشبه انتهاكات حقوق الإنسان تموجات جهاز قياس الزلازل، التي تشير إلى اقتراب وقوع زلزال. واليوم هذه التموّجات هي أسرع من ذي قبل وأوسع مدى. وهي تشير إلى انتهاكات متنامية وخطيرة لحقوق الإنسان وللمبادئ الأساسية. وهذه الصدمات سببها قرارات سيئة، وممارسات لا تستند إلى مبادئ، وهي إجرامية في أغلب الأحيان، وهي صادرة أيضا عن رؤى ضيّقة، وقصيرة المدى، تقوم على نظرة تبسّط قضايا معقّدة جدا”.

فهل نجح مجلس حقوق الإنسان، “حجر الزاوية في الدفاع عن هذه الحقوق وصيانتها”، كما أشار وزير الخارجية السويسري، في إحداث فارق حقيقي في هذا السياق الصعب، بالمقارنة مع لجنة حقوق الإنسان السابقة، التي عوّضها المجلس قبل 10 سنوات؟

الجواب، نعم، وفقا للمتدخلين الذين شاركوا في الإجتماع الذي نظّمته سويسرا، وحججهم في ذلك: اليوم يجتمع مجلس حقوق الإنسان ستّ مرات في السنة، بدلا من مرّة واحدة مع اللجنة السابقة. ويبدو مجلس حقوق الإنسان أكثر حضورا وتفاعلا مع أزمات معيّنة.

كذلك أشار المتحدّثون إلى التقدّم الذي أحرز مع إقرار المراجعة الدورية الشاملة التي تستعرض بالتفصيل أوضاع حقوق الإنسان في كل بلد عضو في الأمم المتحدة. وهو تمرين دوري يستغرق أربع سنوات قبل أن تتم العودة إلى البلد نفسه من جديد.

مجلس أقلّ تسيّسا

عندما أطلق مجلس حقوق الإنسان، قُدّم باعتباره وسيلة لتحرير منظومة حقوق الإنسان من ضغوط  الحسابات السياسات الخارجية للدول. وحتى لا تختار، نتيجة لذلك، دول ما الصمت أمام انتهاكات بلدان حليفة أو بلدان عظمى صديقة، أو توجيه الإتهام بعدم احترام المبادئ والحقوق الأساسية بالنسبة لبلد منافس اقتصاديا أو على مستوى الجغرافيا السياسية.

على هذا المستوى، لا يزال الهدف بعيد المنال. وهذا هو رأي أدريان – كلود زولّر، الخبير بخفايا وكواليس الأمم المتحدة، ومدير “جنيف، من أجل حقوق الإنسان”، وهي منظّمة غير حكومية معنية بالتأطير والتدريب في مجال الحقوق الأساسية ضمن الأمم المتحدة.

ويقول زولّر: “ما نستطيع قوله بعد 10 سنوات من قيام مجلس حقوق الإنسان، هو أنّه مسيّس بنفس الدرجة التي كانت عليها لجنة حقوق الإنسان السابقة”. والسبب في ذلك ببساطة لأنه “متكوّن من الممثلين للدول، وليس من المدافعين عن حقوق الإنسان”.

ويضيف زولّر أن “الأغلبية من الدول السبع والأربعين الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان تنتهك حقوق الإنسان. وحرصت تلك الدول للفوز بالعضوية لتجنّب اتخاذ المجلس لقرارات تدينها”.

وفي الجلسة التي انعقدت بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس مجلس حقوق الإنسان، أشار ساليل شيتّي، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية إلى أنه “بخلاف ما هو في الواقع، أي كون المجلس هيئة سياسية، علينا أن نطمح إلى ضغوط أقلّ من القوى العظمى ومن التحالفات، وإلى مزيد من السياسات البديلة (..)، ولابد من وضع حدّ للمعايير المزدوجة التي تسمح للقوى العظمى، ولحلفائها من الإفلات من الإنتقاد. لقد حان الوقت لأخذ هذه الملاحظات بجدية أكبر”.

هذه الرغبة التي عبّرت عنها منظمة العفو الدولية هل هي واقعية؟

في ذلك الوقت، استخدمت سويسرا الحجة القائلة بأن لجنة حقوق الإنسان السابقة كانت مسيّسة، لتبرّر اندفاعها القوي من أجل إنشاء مجلس حقوق الإنسان.

ومثلما يذكّر أدريان – كلود زولّر، فإن هذه الحجّة استخدمتها الأنظمة الإستبدادية في المقام الأول، ذلك أن “الانقلاب على لجنة حقوق الإنسان السابقة تكثّف وتعزّز بعد الحملة التي شنتها الولايات المتحدة ضد كوبا، والقرارات الأولى التي اتخذت ضد الصين”.

التنديد بـ “اللجنة المُسيسة” كانت هي أيضا عملية مُسيّسة للنخاع. لقد كانت وسيلة استخدُمت لتعطيل ظهور جهاز يشكّل خطرا على البلدان المنتهكة لحقوق الإنسان.

وإرادة التعطيل هذه لم تتوقّف إلى حدّ الآن. وهذا ما يجعل التقدّم الطفيف الذي أحرزه مجلس حقوق الإنسان بمثابة المعجزة. كما أن المفاوضات التي أدّت إلى إنشائه لم تؤدّ إلى تراجع ملحوظ في الدفاع عن الحقوق الأساسيّة في إطار منتظم الامم المتحدة.

ولكن البلدان الستيّن التي لا تريد تقدما في مجال حقوق الإنسان تواصل وضع العراقيل عندما تتحصّل على العضوية داخل المجلس. ويشير أدريان – كلود زولّر إلى أن “المستفيد من ازدواجية المعايير هي بلدان مثل الصين والولايات المتحدة الامريكية”.

وللخروج من هذا المأزق، يدعو ساليل شيتّي إلى نظام أكثر صرامة عند انتخاب أعضاء المجلس: “من المهمّ جدا ممارسة الضغط على الانتخابات التي تكون مثيرة للجدل (مع الزيادة في عدد المترشّحين مقارنة بالأماكن المراد شغلها، (كما تنص على ذلك القواعد المعمول بها). ويجب على المترشّحين تقديم التزامات محددة للوفاء بها في حالة انتخابهم خلال جلسات الإستماع. وكذلك على الجمعية العامة استخدام سلطاتها لتعليق عضوية أي بلد يرتكب انتهاكات جسيمة وممنهجة في مجال حقوق الإنسان”.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!