مخططات أميركا في سورية مآلها الفشل… تصعيد أم حرف أنظار؟


ارتاب العالم مشكّكاً بالسردية الأميركية على وقع «تحذير» واشنطن لسورية بأنها عازمة على شنّ حرب واسعة مباشرة عليها «لمعاقبتها» على هجوم بالأسلحة الكيميائية لم يحدث بعد.

سيستعرض قسم التحليل أبعاد الخطوة الأميركية التي أتت عشية كشف المحقق الصحافي الشهير سيمور هيرش، عن «كذبة» إدارة ترامب باتهام سورية في حادثة خان شيخون، في نيسان من العام الحالي، وما ترويجها لحادثةٍ لمْ تَقع إلا محاولة لصرف الأنظار عن تقارير دامغة تدحض مزاعمها السابقة.

ايضاً، شعرت الإدارة الأميركية وأقطاب اليمين بالزهوّ لقرار المحكمة العليا الأميركية تقييد حركة سفر المهاجرين بحصر صلة القرابة بالمرتبة الأولى واستثناء الأجداد من حق لقاء أحفادهم وأقاربهم على الأراضي الأميركية.

أميركا والحرب على الإرهاب

استعرض مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية حقيقة المقايضات التي أدّت لتبني وزارة الدفاع الأميركية استراتيجيتها الراهنة والتي «يمكن إيجازها بأنها عبارة عن إدارة المخاطر وانتهاز الفرص في البعدين المعلوم والمجهول، وفي نفس الوقت التعايش مع سقف الميزانية السنوية التي أقرّها الكونغرس». وأوضح أنّ المهام الجديدة الملقاة على عاتق وزير الدفاع «تقوده إلى رفض التمسك بأسطورة القائد الاستراتيجي الأول.. والعمل مع أُطر الوزارة المتعددة والبيت الأبيض والكونغرس لتحديد واستغلال الآليات الضرورية للتنقل بين حدود القيود التي تواجه مستقبل القوات المسلحة». واستدرك بالقول إنّ السياسة الراهنة لا تأخذ بعين الاعتبار «التغيّرات التي ستشهدها طموحات تحقيق الأهداف الاستراتيجية وكلفة العمليات وتعديل بعض الموارد الضرورية قيمتها المقدّرة نحو 100 مليار دولار سنوياً، والتي ينبغي تطبيقها كي يتحقق «إنشاء أسس صلبة لهيكلية تحابي الإبداع».

اعتبر معهد كاتو أنّ «الحرب على الإرهاب فشلت»، وينبغي النظر في الدروس المستفادة، أبرزها «التقييم المبالغ به في تهديد الإرهاب على الولايات المتحدة، والذي أدّى لشنّ حملة واسعة لمكافحته لم تسفر عن حماية الشعب الأميركي من تلك الهجمات». أما الدرس الثاني فيتمحور حول «اعتماد استراتيجية طموحة للتدخل العسكري»، وما يقتضياه من ضرورة تبني الولايات المتحدة «توجهاً مختلفاً». وحث المعهد صنّاع القرار على «الإقرار أنه وبالرغم من صوابية المخاوف من الإرهاب، فإنه لا يمثل سوى تهديدٍ أمنيّ متواضع للأراضي الأميركية والإقلاع عن سياسة التدخل العسكري وإعادة تشكيل الدول في سياق الحرب على الإرهاب». وخلص بالقول انه يتعيّن على الولايات المتحدة «حث شركائها على مواجهة المجموعات الإرهابية خارج أراضيهم».

سورية

التصعيد العسكري الأميركي في سورية كان محط اهتمام مجلس السياسة الخارجية الأميركية معتبراً سورية «ربحت الجولة.. اذ انّ المقاتلة السورية شنّت غارتها على الرغم من تحذيرات قوات التحالف ولعلمها أيضاً انّ المقاتلات الأميركية تتواجد» بالقرب منها. وبرّر استنتاجه «بأنّ الرهان السوري كان إما أن تتردّد الولايات المتحدة بالتحرك، او أنها ستبادر لإسقاط المقاتلة وتصعيد التوترات في العلاقة الأميركية مع روسيا». واستطرد بالقول انّ هدف «الرئيس السوري.. لا ينحصر في القضاء على مجموعة الدولة الإسلامية بل أيضاً إعادة تأكيد سيطرة الدولة على كافة مناطق الدولة». ومضى موضحاً انّ توجه أميركا «للتحرّش سيضاعف كلفة بقاء القوات الأميركية في سورية، وربما الى نقطة لم تعد تستحقّ كلّ هذا الجهد». وختم بالقول انه يعوّل على «تسيُّد العقول الهادئة في واشنطن وموسكو، والإبقاء على هدف إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية حياً».

قطر وأزمة الخليج

اعتبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى أزمة دول الخليج مع قطر «تشكل تحدياً للولايات المتحدة.. اذ من الصعب فهم الكيفية التي تمّت بموجبها صياغة قائمة المطالب والتوصل إلى حلّ بدلاً من تقويض كامل للدبلوماسية ولا تدعو لتغيير النظام في قطر بل تغيير سياساتها». وأعرب عن خشيته مما يكمن وراء تلك المطالب «لربط الولايات المتحدة بالأزمة.. والتي طالب وزير الخارجية الأطراف المعنية بأنه ينبغي ان تكون المطالب معقولة وقابلة للتنفيذ» وتفاقمت المواقف الأميركية «بفعل رسائل متضاربة من البيت الأبيض، ووزارتي الدفاع والخارجية». واوضح المركز أنّ «تهوّر ولي العهد السعودي الجديد محمد بن سلمان يقلق الولايات المتحدة»، بالإضافة لتراجع دور ولي عهد ابو ظبي، محمد بن زايد «لتقييد» اندفاعة نظيره السعودي. وحذر المعهد صناع القرار من «استدراج الولايات المتحدة بفعل ضغوط متجدّدة من السعودية والإمارات للتخلي عن قاعدة العديد الجوية في قطر». وختم بالقول انه ينبغي على واشنطن «إجراء بعض المحادثات القاسية، وبسرعة، مع جميع حلفائها الخليجيّين، لكي تضمن لنفسها دوراً في الدبلوماسية، وتُخفّف من حدة الأزمة وتضع حداً لتصعيدها».

إيران

اعتبر معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الهجمات الصاروخية لإيران على مواقع داعش في محيط مدينة دير الزور السورية بأنها «إشارةٍ ثنائية واضحةٍ إلى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة»، ورسالة ردع أرادتها القيادة الإيرانية فضلاً عن «اختبار أحد تصاميم الصواريخ المحلية «الأكثر حداثة» في عملياتٍ حية». وألقى المعهد ظلالاً من الشك حول فعالية الصواريخ الإيرانية المذكورة، اذ «لا توجد أدلة كافية لدعم الادّعاءات الإيرانية بأنّ كافة الصواريخ وصلت إلى أهدافها المرجوّة وألحقت أضراراً جسيمة وأوقعت عدداً كبيراً من الضحايا». واستند المعهد الى «تقارير إسرائيلية» في تقييم فعالية الصواريخ اذ «أنّ إيران ربما تواجه مسائل خطيرة في ما يخصّ مراقبة الجودة والموثوقية المتعلقة ببرنامجها الصاروخي. وفي حين أنّ هذه الحادثة قد تدفع الإيرانيين إلى إعادة النظر في تدابير التصنيع ومراقبة الجودة وتقييمها، مما يزيد من تأخير مشاريعهم الراهنة، فقد تبحث طهران أيضاً عن حلول لهذه العيوب الواضحة في مصادر التكنولوجيا الأجنبية».

جدّدت الولايات المتحدة تهديداتها لسورية متوعّدة بتكبيدها «ثمناً باهظاً»، كما جاء في بيان البيت الأبيض، 26 حزيران، على خلفية مزاعم بأنّ «الولايات المتحدة حدّدت استعدادات محتملة لشنّ هجوم آخر بالاسلحة الكيميائية». وأكد رسالة التهديد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، 28 حزيران، بأنه لن «يتحدّث عن العمليات المستقبلية المحتملة على الاطلاق».

وأبلغ ماتيس طاقم الصحافيين المرافق له لحضور مؤتمر وزراء دفاع حلف الناتو انّ سورية «تبدو أنها انصاعت للتحذير» الأميركي دون عناء إبراز أدلة على تطورات جدّ خطيرة قد تنزلق فيها المنطقة الى حرب لا تُبقي ولا تُذر.

من الطبيعي ان تتطابق الردود السورية والروسية برفض الادّعاءات، وتحذير واشنطن في المقابل بأنّ الانتصارات التي يحققها الجيش السوري «لن تتوقف»، سواء في درعا والجنوب، أو دير الزور وتدمر، بعد ان ظفرت دمشق وحلفاؤها بمعركة التنف على الحدود المشتركة مع الأردن، وتهاوي المشروع الأميركي لدق إسفين في خاصرة رخوة لسورية، بشريط عمقه 12 كلم.

تفنيد السردية الأميركية الرسمية أتى مفاجئاً للبيت الأبيض كونه جاء من مصادر عدة من الصعب الطعن فيها، ولجأت بمعاونة وسائل الإعلام الرئيسة كافة الى تجاهل كلي لتلك التقارير، والتي سنأتي على ذكرها لاحقاً.

بداية، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن أنّ فريقاً من العسكريين الأميركيين، بعضهم في قيادة القوات المركزية، أعرب عن دهشته من تحذير البيت الأبيض، لهجةً وتوقيتاً، مشيرين الى أنهم لم يكونوا على علم بأيّ هجوم سوري من هذا القبيل، مما اضطر البيت الأبيض صباح اليوم التالي إلى إصدار بيان مفاده انّ القرار الرئاسي «صدر بعد التشاور مع وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الخارجية ومدير الأمن القومي». الأمر الذي يستدرج تساؤلات حول طبيعة وأبعاد القرار انْ كان بدافع توزيع الأدوار أم أنه يعكس خلافات حقيقية على رأس المؤسسة، وبشكل محدّد بين وزير الدفاع جيمس ماتيس ومستشار ترامب للأمن القومي هيربرت ماكماستر.

الجزم في هذه القضية ليس بالأمر اليسير، لكن القرار الرئاسي، مهما كانت أبعاده، يعدّ القرار النافذ وينبغي التعامل معه على هذا الأساس، على الرغم من شعور المحللين والساسة والمراقبين بالإجماع بأنّ «البيت الأبيض والمؤسستين العسكرية والاستخباراتية تفتقد بمجموعها لرأي متطابق او سياسة» واضحة المعالم.

من الضروري الإشارة الى انّ هاجس إدارة ترامب مرتبط عضوياً بقلق «إسرائيل» من تجذّر معسكر المقاومة وتراكم الخبرات العسكرية والميدانية بكمّ يُشهد له، وإعادتها تصويب السهام باتجاه إيران بشكل خاص.

أحد كبار العسكريين الأميركيين من المتقاعدين علق قائلاً إنه لا يستبعد مطلقاً مبادرة نتنياهو الاتصال بصهر الرئيس جاريد كوشنر وإبلاغه عظيم قلق المؤسسة «الاسرائيلية» من تراكم انتصارات سورية ميدانياً، لحث الرئيس ترامب الإقدام على عمل عسكري جديد. ترامب من ناحيته وجدها فرصة سانحة لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية وملاحقته قضائياً.

التفنيد الرئيس والأشدّ إيلاما للمؤسسة الأميركية الحاكمة جاء عبر تقرير مطوّل نشره الصحافي الاستقصائي الشهير سيمور هيرش، يوم 25 حزيران، قبل إعلان البيت الابيض، بأنّ أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تكن لديها أدلة يقينية تثبت مسؤولية الحكومة السورية عن الهجوم الكيماوي على بلدة خان شيخون في ريف إدلب، يوم 4 نيسان 2017 وذلك بناء على «مصادر موثوقة داخل البنتاغون ومجمّع أجهزة الاستخبارات الأميركية» أبلغته ذلك.

تقرير هيرش المطوّل بعنوان الخط الأحمر لترامب فحواه انّ الولايات المتحدة وأخطبوط أجهزتها الاستخباراتية كانت تعرف انّ الرئيس الأسد لم تكن لديه أسلحة كيميائية، قبل إصدار ترامب قراره بشنّ غارة جوية وإطلاق 59 صاروخ توماهوك، على قاعدة الشعيرات الجوية مؤكداً أنّ بعض المَسؤولين العسكريين الأميركيين، ومنهم ضباط ميدانيون، شعروا بالقلق من تصميم ترامب على تجاهل التقارير التي أرسلوها.

واعرب أحد العسكريين لهيرش عن الأسى الشديد داخل المؤسسة العسكرية الأميركية لتصرفات الرئيس ترامب قائلاً: «إنّ الأخير لا يقرأ شيئا، ولا يملك أيّ معرفة بالتاريخ، ويميل للتصرف بشكل متسرّع، ويخلط بين إدارة صفقات تجارية، وبين الأعمال العسكرية، ولا يعلم أنّ الخسارة في الأولى مالية، وأما في الثانية فهي إزهاق أرواح تلحق ضرراً بالأمن القومي الأميركي على المدى البعيد».

فجّر التقرير أيضاً حزمة من القضايا تدين الحكومة الأميركية، نقتطف منه إعادة تأكيده على «دور إدارة أوباما النشط في تهريب الأسلحة من ليبيا الى سورية، مروراً بالأراضي التركية.. وإنشاء جملة من الشركات الوهمية من قبل المخابرات التركية لتغطية تمويل وتسليح المجموعات الإرهابية» داخل سورية.

كما أعرب هيرش عن «استيائه من آلية تعاطي وسائل الإعلام الأميركية الرئيس للغارة الجوية التي نفذها سلاح الجو الأميركي في خان شيخون» والتي كانت تخضع لسيطرة ما يسمّى «هيئة تحرير الشام» ونقلها لروايات «شهود عيان» دون تمحيص بأنهم استطاعوا «شمّ رائحة غاز السارين من على بعد 500 متر » على الرغم من خصائص السارين الكيميائية بأنه غاز عديم الرائحة.

«اضطر» هيرش التوجه لصحيفة ألمانية «داي فيلت» لنشر تحقيقه بعد رفض كافة وسائل الإعلام الأميركية، خاصة تلك التي سبق له وعمل معها، بل لا يجد المرء ايّ إشارة لتقريره في أيّ من المواقع الأميركية الرئيسة.

ألمانيا لم تعد تخفي استياءها من سياسات واشنطن التصعيدية، وذكّرت المستشارة انغيلا ميركل أميركا بأنها بعيدة بضعة آلاف الأميال عن المنطقة، أما أوروبا فهي الأقرب ولا تملك ترف المجازفة بإشعال حرب غير محمودة العواقب.

بعد بضعة أيام، كشف المفتش السابق لأسلحة الدمار الشامل في العراق سكوت ريتر، 29 حزيران، عن وقائع تعزز ما ذهب إليه هيرش، في تقرير منفصل تحت عنوان ادّعاءات ترامب بغاز السارين مبنية على أكاذيب، نشره في أسبوعية «أميريكان كونسيرفاتيف».

أهمية مقال ريتر تكمن في إقراره بأنه اطّلع مسبقاً على استقصاء هيرش وقام «بمساعدته في التحقق من صدقية المعلومات المبيّنة»، نافياً ان يكون مصدراً لأيّ من المعلومات المتضمّنة.

وأوضح انه أثناء التحقق من وقائع حادثة خان شيخون «لم يتقدّم أحدٌ بدليل مادي يشير الى إطلاق سلاح كيميائي.. فريق الاتهام ضدّ سورية بنى رواية عناصرها ظرفية صرفة العديد من الضحايا ومن هم على فراش الموت، لكن لا دليل يربط مأساة اولئك بحدث مادي محدّد» يمكن إخضاعه للقواعد العلمية الدقيقة.

كما فنّد ريتر «تقارير» منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الدولية التي «استنتجت انّ غاز السارين او عنصر مشابه للسارين» تمّ استخدامه في خان شيخون. ودحض ريتر مزاعمها بالتأكيد على انّ «المنظمة غير مؤهّلة في اطلاق حكمها كما ورد»، نظراً لإقرارها لاحقاً بأنّ فرقها المنتشرة «لم تتمكّن من دخول خان شيخون في أيّ وقت».

يشار في هذا السياق الى تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» مؤخراً كشفت فيه «مسؤولية» الولايات المتحدة وقوات تحالفها الدولي استخدام الفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة بالسكان في الموصل والرقة. المتحدث الأميركي باسم قوات التحالف، العقيد ريان ديلون، لم يؤكد أو ينفي استخدام الفوسفور المحرّم دولياً، مكتفيا بالزعم أنّ «قوات التحالف تأخذ كافة الاحتياطات لتقليل خطر الإصابة العرضية لغير المقاتلين». أما «منظمة هيومن رايتس ووتش» اكتفت بالتعليق بأنها «لا تزال تحقق في ما إذا تعرّض المدنيون حقاً لهذا النوع من الذخائر».

خيارات واشنطن

الخوض في خيارات واشنطن المتاحة والممكنة يستند الى فرضية تسيّد منطق دعاة الحرب بالمضيّ قدماً في «توجيه ضربة استباقية لمزاعم حيكت مسبقاً وتنفيذ إحدى آخر حلقات المشروع الأميركي بهجوم مباشر لتقسيم سورية».

من بين الخيارات الأميركية:

شنّ غارة جوية «استباقية» ضدّ قاعدة او سلسلة قواعد جوية سورية وما تستدعيه من حركة استطلاع جوية مكثفة وما يواكبها من حركة اتصالات نشطة، بالرغم ما ينطوي عليها من مخاطر ديبلوماسية وسياسية.

تعزيز الغارة الجوية بقصف لمدرجات الطائرات، كما حاولت عند قصفها قاعدة الشعيرات في شهر نيسان الماضي. وتدرك القوات العسكرية الأميركية انّ إصلاح مدرجات أيّ قاعدة عسكرية أمر محسوب مسبقاً لدى الطرف المتضرّر، وما هي إلا فترة زمنية قصيرة قبل أن تعود المدرّجات للخدمة الفعلية.

فتح جبهات مواجهة عسكرية مع الجيش السوري في مناطق أخرى بالإيعاز للمجموعات المسلحة المتحالفة مع واشنطن وهو ما يجري تطبيقه راهناً.

يستبعد القادة، عسكريين وسياسيين على السواء، انخراط إعداد كبيرة من القوات الأميركية في الحرب على سورية، ويرجّحون الأولوية لإطلاق صواريخ كروز بعيدة المدى، تواكبها حرب تشويش الكترونية، لإرضاء فريق المتشدّدين والأعوان الإقليميين لا سيما في دول الخليج.

الردّ السوري – الروسي

بداية لم يقدّم أحدٌ أدلة منطقية لماذا قد يلجأ الرئيس الأسد إلى استخدام عناصر كيميائية في ساحة حرب له الكفة الراجحة فيها ويحقق انتصارات ميدانية متسارعة، بفضل صمود سورية ودعم الحلفاء. فضلاً عن أنّ أيّ حرب يستخدم فيها السلاح الكيميائي غير مضمونة النتائج وعادة يلجأ لها الطرف المتراجع وليس المتقدّم، وتنتفي الحاجة لها في ظلّ المعادلات القتالية القائمة، لا سيما أنّ سورية أعلنت انضمامها لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، 12 أيلول/ سبتمبر 2013، وما ينطوي عليها من مسؤوليات وفق نصوص القانون الدولي.

أميركا، من وجهة نظر سورية وروسيا، تستغلّ «زوبعة» الكيميائي كذريعة لتدخلها المباشر في سورية وربما تكتفي أميركا بتفسيرها انْ أقدمت سورية على تدريبات وقاية من الأسلحة الكيميائية لشنّ عدوانها. وهذا يقتضي من سورية وروسيا معاً إبلاغ واشنطن مسبقاً بأيّ تدريبات وقائية قد تُجريها، وما يَستتبعها من حركة استطلاع أميركي مكثفة للتحقق من صدقيتها.

معادلة توازن الرعب يدركها جيداً الطرفان الأقوى، روسيا وأميركا، ويقع على الأولى عبء توضيح كلفة المغامرة لواشنطن التي لن تصغي لسواها، خلف الأبواب المغلقة.

المسألة في جوهرها أبعد من «أسلحة كيميائية»، محتملة أو مختلقة، بين القطبين العالميين. انها صراع على النفوذ ومستقبل سورية في منطقة لا تزال تشهد صراعاتٍ وهزاتٍ اجتماعية لن يغامر أحدهم بالتكهّن الى ما ستؤول اليه الأوضاع المقبلة. وهي صراع يحشد فيه الطرفان حلفاءهما، لا سيما حلف الناتو وتمدّده في أوروبا وبمحاذاة الحدود الطبيعية لروسيا.

الولايات المتحدة، من جانبها، لم تقلع بعد عن مخططاتها بتغيير بنية الأنظمة بما يتلاءم ومصالحها في الهيمنة والتبعية. روسيا، في المقابل، تتلمّس طريقها في صعودها ثانيةً بقوة على المسرح الدولي وأثبتت أنها بعيدة كلّ البعد عن إخلاء الساحة لخصمها اللدود وما تقاربهما في زاوية ضيقة «بمحاربة إرهاب داعش» إلا مرحلية سرعان ما تختفي ويأخذ الصراع الكوني بينهما آفاقاً أخرى.

القوى الأميركية النافذة في القرار السياسي لا يزال يراودها حلم إسقاط الدولة السورية، وتُقدّمه على أيّ أولوليات سياسية أخرى. إذ تكمن مصلحتها في إدامة أمد الحرب على وفي سورية، والمحاولة تلو الأخرى لجرّ سورية وروسيا لحرب هناك، خاصة في ظلّ انكشاف «سندها الاستراتيجي» بقرب القضاء على داعش وتراجع منطق ومتطلبات «الحرب الكونية على الإرهاب».

عند العودة للاستدلال على مغزى الاتهام الأميركي الجديد لسورية، يتشكل شبه إجماع متسارع مع مرور الأيام، بأنّ الإدارة الأميركية وأقطابها المتعدّدة رمت لإطلاق آخر ما في جعبتها «لصرف أنظار» العالم عن مضمون تقرير سيمور هيرش بوصفه ادّعاءها السابق في خان شيخون، بأنه «كذبة كبيرة».

ولعلّ الإجابة الحقيقية جاءت غير مقصودة بنشر صحيفة «نيويورك تايمز»، 29 حزيران، مضمون تقرير أعدّه مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت العسكرية يحذر من «اليوم الذي يلي القضاء على داعش».

وأوضح التقرير استناداً إلى شهادات «عسكريين وديبلوماسيين» أميركيين أنّ «التحدّي الأكبر من الإطاحة بدولة داعش.. ربما يكون إعادة البناء السياسي والاقتصادي في السنوات المقبلة».

اذن، القرار السيادي السوري كان ولا يزال هو الهدف طيلة سنوات الحرب الدموية والمدمّرة. وينقل الخبير البريطاني المرموق بالشؤون الروسية والاستخباراتية الكسندر ميركوريس، ما تضمره مجموعة «المحافظين الجدد.. الذين يتحكّمون فعلاً بمراكز قوى الدولة العميقة» في أميركا، للسيطرة التامة على «المصارف المركزية» للدول المختلفة وإبقائها مديونة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أمد غير مسمّى.

ويستطرد أنّ سورية في مرحلة إعادة البناء ستبقى تتحكم ذاتياً ودون تدخل من أحد في آليات مصرفها المركزي والذي باستطاعته إصدار عملته الوطنية كما تقتضيه الحاجة «دون ايّ إشراف خارجي او مديونية لصندوق النقد الدولي او ايّ طرف آخر».

جدير بالذكر انّ سورية طيلة سنوات الحرب عليها، بالوكالة ومباشرة، أبقت على تقديم خدماتها المجانية من تعليم وطبابة ورعاية صحية ودعم الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ومواد غذائية، فضلاً عن صرفها رواتب موظفي الدولة المنتشرين في كافة اأنحاء البلاد. ألا يقلق هذا الأمر الساسة والإقتصاديين الدوليين على السواء!

نشرة دورية تصدر عن وحدة «رصد النخب الفكرية» في مركز الدراسات الأميركية والعربية

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!