6f42874e-623f-456d-99df-c5e7a8a9241f

الحرب الإيرانية السعودية تصل إلى واشنطن


كتبت كيم غطاس فيفورين بوليسي:

يستنزف التنافس بين السعودية وإيران الشرق الأوسط في صراعات بالوكالة من اليمن إلى سوريا وصولاً إلى الخلاف الدبلوماسي الراهن مع قطر. لكن صراعهما لا يقتصر على ذلك، فالحرب الكلامية وصلت إلى شواطئ الولايات المتحدة واحتدمت في العاصمة. الصور الأخيرة لدونالد ترامب في الرياض، والذي أغدق بالمال السعودي واضعاً يديه على البلورة المتوهجة، إلى جانب صور الإيرانيين في شوارع طهران وهم يحتفلون بفوز الرئيس حسن روحاني فجّرت لأيام عدة وابلاً من التغريدات ومقالات الرأي المدافعة أو المهاجمة للإيرانيين والسعوديين.
في ردّ على التغريدات التي أشادت بالانتخابات الإيرانية على تويتر كتب علي الشهابي، المصرفي السعودي السابق الذي أسس مؤسسة السعودية في واشنطن، “كان لإيران ثورة، قتلت مئات الآلاف من شعبها. لا سلطة للانتخابات فيما الحاكم هم المرشد الأعلى غير المنتخب”.
في ردة فعل على صور ترامب وهو يتمايل إلى جانب الملك السعودي سلمان حاملاً سيفه في رقصة ترحيبية، وصفت الكاتبة في صحيفة “واشنطن بوست” آن ابلبوم المشهد بـ”طقوس الشر الذكورية” فيما غردت آن هاوثورن من مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط على تويتر “شخصياً، أجد هذه الصور لاحتفالات الانتخابات في إيران أكثر جاذبية من المشاهد الملكية الذكورية في المملكة العربية السعودية”.

من المؤكد أن هناك الكثير من الأسباب التي تدفع لانتقاد كلا البلدين. لكن مراقبي الخليج في واشنطن يتمترسون خلف مواقفهم، بنسب متفاوتة، بما يعكس الانقسام العميق نفسه في المنطقة.

هذا الأمر يتمظهر بأسلوب أكثر مراوغة في الولايات المتحدة. على سبيل المثال حين جرى تنظيم سلسلة من المعارض والمناسبات عن الفن والسينما الإيرانية في واشنطن، اشتكى بعض الأصدقاء ممن هم أكثر انحيازاً لدول الخليج العربي بأن الأمر عبارة عن بروباغندا لمساعدة الإيرانيين على تلميع صورتهم في الولايات المتحدة. كذلك يرى أصدقاء ودبلوماسيون سعوديون في اعتياد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف   على نشر مقالاته في “نيويورك تايمز” مراراً وتكراراً بما فيها في أعقاب زيارة ترامب للسعودية، تحيزاً من قبل وسائل الإعلام غذاه انفتاح الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما على إيران ونظرته المتعالية تجاه السعوديين.

رداً على ذلك، بدأ السعوديون بإغراق الولايات المتحدة بالمال والمسؤولين والفن والنقاد. خلال الأشهر القليلة الماضية استضافت واشنطن عدداً من المناسبات، من بينها اللقاءات الثقافية مع السعودية منى خازندار، وهي أول امرأة تترأس معهد العالم العربي في باريس، إلى مؤتمر “التحول في المملكة السعودية” الذي أراد من خلاله معهد دول الخليج في واشنطن والذي تموله الإمارات العربية، إظهار التطورات الاجتماعية والاقتصادية في المملكة.

النقاش حول ما إذا كانت السعودية أو إيران الحليف الأفضل لأميركا تركز على نحو كبير على تحديد أي منهما هو الأقدر على قيادة المعركة ضدّ الإرهاب.
لم يفوت ظريف أي فرصة لتذكير العالم بأن 15 من أصل منفذي هجمات 11 أيلول/ سبتمبر كانوا مواطنين سعوديين، ملقياً هذه الحقيقة في وجه نظيره السعودي خلال أحد الاجتماعات، حتى إن الحرس الثوري في إيران اتهم السعودية بالمسؤولية عن الهجوم المزدوج في قلب طهران الأسبوع الماضي. في هذا الوقت، يسارع السعوديون إلى استحضار الدعم الإيراني للميليشيات الشيعية في العراق اليوم والمجموعات المسلحة مثل حزب الله والتذكير بتفجير مقر قوات المارينز الأميركية في بيروت عام 1983.

وتلقى الرسالة السعودية صدى في أوساط صانعي القرار في الولايات المتحدة. يخبرني أحد المفاوضين النوويين الأميركيين أنه في كل مرة كان يتواجد فيها في الغرفة نفسها مع وزير الخارجية الإيراني اللطيف والناعم محمد جواد ظريف، كان يتخيل التهديد الذي يشكله قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الذي يدرب الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، بما يذكر بأكثر أدوار إيران شراً في المنطقة.

كذلك يعمل السعوديون بجدية على تلميع صورتهم بهدف فصل الوهابية، المصطلح الذي يستخدم للدلالة على النسخة السلفية في المملكة، عن التطرف. وفي هذا الإطار دفع المدافعون عن المملكة مؤخراً بهذا الاتجاه من خلال مقالات رأي ومناسبات كالمؤتمر الذي استضافته المؤسسة السعودية في 7 حزيران/ يونيو بعنوان “الوهابية والإرهاب: هل السعودية هي مشعل الحريق أم الإطفائي؟” حيث مال النقاش بشكل كبير نحو وصف السعودية بالإطفائي.

استفاق المسؤولون السعوديون على فكرة أنهم بحاجة لهزيمة ظريف بالأسلوب نفسه. وبالتالي انتقلوا من مجرد العزف على سلوك إيران السيء إلى طرح رسالة أكثر إيجابية حول الإصلاح والغنى الثقافي في السعودية، بدت أكثر قبولاً مؤخراً بفعل مسار الإصلاح في ظل ولي ولي العهد الشاب محمد بن سلمان.
بعيداً من محاربة التطرف فإن السؤال الكامن هو أي البلدين يبشر أكثر بالخير على المدى البعيد؟ بين إيران والسعودية أي منهما يمكن أن تكون “تشبهنا” أكثر في الغرب؟

حتى وقت قريب، يبدو الجواب لدى صانعي القرار في الولايات المتحدة إيران، بمعزل عما عن ينقصها من خطوات. هذا ما كان يسمع على لسان المسؤولين في إدارة أوباما في اللقاءات الخاصة إن لم يكن في العلن، حين كانوا يدافعون عن السياق العام للاتفاق النووي. وكان يهمس المسؤولون الأميركيون بأنه في ظل بلد يتمتع بانتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية ومجتمع مدني نابض بالحياة من شأن الاتفاق النووي أن يسمح للشعوب المؤيدة للولايات المتحدة في المنطقة أن تمارس شيئاً فشيئاً المزيد من النفوذ على النظام الاستبدادي.

بيد أن أصحاب وجهة النظر السلبية في إدارتي أوباما وترامب أو الواقعيين كما يحلو لهم وصف أنفسهم، يرون أن من الصعب جداً التغلب على القيود المفروضة على مسألة التحرر في الجمهورية الإسلامية. فالحرس الثوري تسلل إلى كل جوانب الحياة السياسية ويحكم قبضته على الاقتصاد، فضلاً عن أن الكلمة الأخيرة في كل شيء هي للمرشد الأعلى، وبالتالي فإن فكرة “تصدير الثورة” هي صنيعة الدستور الإيراني.

إن التغييرات في إيران تتطلب تحولها إلى لاعب مقبول على الساحة الدولية، لكن تخلي الحرس الثوري عن مسألة الرقابة وتحول دور المرشد الأعلى إلى دور شرفي، ليسا بكل بساطة في الأفق.
لكن مهما بدا الوضع قاتماً في إيران فإنه حتى وقت قريب لم يبذل أي جهد تقريباً لبناء مستقبل ليبرالي في السعودية. فالمملكة تحكمه الشريعة أو القانون الاسلامي وفق ما هو منصوص عليه في النظام الأساسي للحكم عام 1992. في السعودية مئات الأمراء الذين يبطئون تطور النظام، لم تنظم انتخابات بلدية سوى مرتين فيما المجتمع المدني يبدو غير قادر على التكيف. تأثير الدين يبدو كبيراً جداً فيما المجتمع أكثر تشدداً من حكامه. (نعم النساء لا يمكنهن القيادة ويواجهن عدداً كبيراً من القيود، لكن ما تحتاجه النساء السعوديات أكثر من قيادة السيارة وفق ما قالت لي ناشطة سعودية هو نظام يعترف بحقوق كل المواطنين”).

بالرغم من ذلك فإن المملكة تملك هامشاً أفضل اليوم للقيام بما لم تتمكن من القيام به خلال السنوات القليلة الماضية. إذ إن ولي ولي العهد يحاول تنفيذ خطة إصلاح اقتصادي واجتماعي وهو يقول إنه يريد التخلص من الاتجاه الديني المحافظ والمتطرف في المملكة والذي بدأ عام 1979.
خلال العام الماضي قامت الحكومة السعودية بكبح سلطة الشرطة الدينية، ويقول محمد بن سلمان أن لديه خطة لمواجهة أي ردّ فعل عنيف من قبل رجال الدين غير الراضين عن الإصلاحات. وشهدت المملكة خلال الأشهر الأخيرة إقامة حفلات موسيقية وعروضاً كوميدية ومعارض فنية، مثيرة انتقادات واسعة في أوساط رجال الدين ومعهم عشرات آلاف السعوديين الذين اشتكوا من ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
المرة الأخيرة التي شرعت فيها البلاد بعملية تحديث وإصلاح واسعة النطاق بما في ذلك إدخال التلفزيون إلى بيوت السعوديين في الستينيات، أدت إلى اغتيال الملك فيصل عام 1975.

وضع آل سعود خطط الإصلاح على الرف في أعقاب الثورة الإيرانية وهجوم مكة عام 1979 حيث خشيت المملكة أن يهدد إزعاج المؤسسة الدينية بقاء العائلة الملكية.
مهما بلغت المقاومة التي يواجهها محمد بن سلمان اليوم فإنه تمكن حتى الآن من الاستمرار. يقول أحد الأمراء السعوديين إن القلق يكمن في حجم وسرعة ما هو مطروح لكن الهدف ينطوي على مخاطرة كبرى، في محاولة الحصول على تأييد أكبر عدد من الشعب السعودي. إذا تمكن الأمير الشاب من الصمود، وحصل التغيير في أعلى الهرم في السعودية فإن الأخيرة يمكن أن تتفوق على الجهد البطيء لتقويض قبضة المرشد الأعلى على إيران.
في حين يبدو السعوديون والإيرانيون مشغولين في الحصول على اعتراف أميركا وقبولها، فإن التنافس الحاد بينهما خارج حدودهما قد يتصاعد نحو الحرب والعنف والانقسامات المذهبية في جميع أنحاء المنطقة. لذلك حتى لو كتب الطرفان مقالات رأي تدعو إلى الحداثة والإصلاح، ونظما حفلات موسيقية ومعارض فنية للأجانب، أو انتقدا بعضهما البعض عبر تويتر، فإن سوريا واليمن تحولا إلى ركام، ومن يدري إلى أين سيؤدي الخلاف مع قطر. لكن على الأقل سيكون لدى السعوديين قريباً متنزه ترفيهي، وسيكون بوسعنا جميعاً الاستمتاع بموسيقيين متجولين شباب يعزفون في شوارع طهران. من المؤسف عدم تحمس الشباب السعودي والإيراني على الأقل للتغييرات الحاصلة في بلد الآخر. الأمر الذي يتطلب رقصة أخرى بالسيف كتلك التي أدّاها الملك سلمان يوم كان أميراً شاباً خلال زيارة شاه إيران للسعودية عام 1978 يوم كان التنافس ودياً بين البلدين، في ما يبدو وكأنه من العصور القديمة أو من عالم آخر.

comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!