فورين بوليسي| لماذا يُعادي أردوغان صحيفة زمان


ترجمة- آية سيد

المصدر- فورين بوليسي

أعطت محكمة تركية الضوء الأخضر لمصادرة مجموعة “فيزا” الإعلامية بموافقة الحكومة. تمتلك الشركة صحيفة زمان، أكثر الصحف رواجاً في الدولة، وواحدة من أكبر وكالات الأنباء الخاصة. احتشدت الجماهير خارج مقر زمان في إسطنبول لحماية الصحفيين من الإجلاء على يد الشرطة، التي حاولت فتح طريق من خلالهم باستخدام مدافع المياه. لكن إذا كانت الأحداث السابقة تشير إلى أي شيء، فإن أصدقاء حرية الصحافة لن يقدموا الكثير من المساعدة.

على الرغم من أن الحياة لم تكن سهلة على نقاد الرئيس رجب طيب أردوغان وإدارته مؤخراً، إلا أن هذا الاعتداء الشامل على أحد أكثر الأصوات المستقلة قوة في تركيا يعتبر حداً فاصلاً. تشير الحكومة إلى أنه لا يوجد حدود لحملتها القمعية على المعارضة.

إن عداء أردوغان لصحيفة زمان تعود جذروه إلى التنافس بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وحركة كولن, وهي شبكة إسلامية سرية سهلت من قبل صعود الحزب. لعبت زمان لفترة طويلة دوراً رئيسياً في إمبراطورية أعمال كولن المنتشرة على نحو واسع, وأصبحت صوتاً بارزاً بصورة متزايدة في لازِمة نقاد أردوغان في السنوات الأخيرة. إن شدة المشاعر السيئة عند الجانبين تتعلق بلا شك بحقيقة إنهم اعتادوا أن يكونوا حلفاء.

عندما وطد حزب العدالة والتنمية هيمنته في أوائل الألفينات وبدأ في تطهير الموظفين العلمانيين من بيروقراطية الدولة، قامت حركة كولن – بقيادة فتح الله كولن، وهو رجل دين منفي يعيش الآن في الولايات المتحدة – بتوفير قوى عاملة لتحل محلهم. في محاكمتين بارزتين في 2008 و2010، قام رجال الشرطة والمدعون التابعون لكولن بتقديم مسئولين علمانيين وعسكريين إلى المحاكمة بتهمة محاولة الإنقلاب. لفت الكثير من المحللين الخارجيين الإنتباه إلى وجود أخطاء في تلك القضايا والتي تشير إلى أن التهم تم تلفيقها لأسباب سياسية.

انتهت المحاكمات بإدانة مئات ضباط الجيش, مما حيد بفاعلية الجيش التركي الذي كان قوياً من قبل كقوة سياسية. قامت وسائل الإعلام والصحفيون التابعون لكولن بنشر المحاكمات من خلال مقالات مبنية على مستندات تحقيق مُسربة. لمصلحة العالم الخارجي, إستخدمت المنافذ التابعة لكولن وسائل الإعلام باللغة الإنجليزية للترويج لـ”نموذج تركي” جديد والذي يُفترض إنه وفق بين الديموقراطية والإسلام.

بعد ذلك تدهورت العلاقة. إختلف كولن وأردوغان حول علاقات تركيا مع إسرائيل؛ في 2010, شجب أردوغان الذي كان رئيساً للوزراء حينها إسرائيل وقطع العلاقات الدبلوماسية. واختلفوا أكثر حول كيفية التعامل مع حزب العمال الكردستاني, الذي يقوم بتمرد مسلح ضد الحكومة منذ 1978. توصل أردوغان إلى إتفاقية لوقف إطلاق النار مع الجماعة وفتح مفاوضات السلام في 2013, لكن حركة كولن استاءت من وصول الحكومة إلى الأكراد. إن أتباع كولن, مثل حزب العدالة والتنمية, رأوا أن الإسلام هو السبيل لتوحيد الأتراك والأكراد. إن مفاوضات السلام بين حزب العدالة والتنمية وحزب العمال الكردستاني, المناصر للقومية الكردية, جاءت كخيانة لهذا النهج.

في أواخر 2013, بينما اشتدت التوترات بين الجانبين, إتجه حزب العدالة والتنمية إلى غلق شبكة المدارس التابعة لحركة كولن, وهي جزء رئيسي من تمويلهم وجهود التجنيد. بيد أن هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير. في ديسمبر من نفس العام, رد المدعون ورجال الشرطة التابعون لكولن, حيث ألقوا القبض على عشرات المسئولين ورجال الأعمال التابعين لحزب العدالة والتنمية بتهم فساد. وفجأة غمرت التسجيلات المسربة لمسئولين بارزين متورطين في صفقات فساد, من ضمنهم أردوغان نفسه, وسائل التواصل الإجتماعي.

الآن يبدو أن الحكومة تأخذ بثأرها. لقد نجا أردوغان وحزبه من الهجمات الأولية في 2013 و2014 عن طريق فصل وتعيين الآلاف من رجال الشرطة والمدعين, وأيضاً عن طريق الفوز بسلسلة من الإنتخابات. الآن هم يبدون مستعدون لإنهاء المهمة. تواجه حركة كولن إتهامات بمحاولة الإنقلاب في قضية لا تقل تعقيداً عن تلك التي دفعتها ضد الجيش من قبل. إن مصادرة “زمان” اليوم, مثل مصادرة “إيبك ميديا” المرتبطة بكولن في أكتوبر الماضي, قائمة على إتهامات جنائية غير مُثبتة بأن الحركة أنشأت جماعة إرهابية تسعى للإطاحة بالدولة, وأن هذه هي الأذرع الإعلامية للجماعة الإرهابية.

أيا كانت السلبيات التي إرتكبتها حركة كولن, لم يُقدم أي إثبات على إنها شكلت تنظيماً إرهابياً. إن ضغط الحكومة على الإعلام الخاص في تركيا واسع بالفعل. كانت المنافذ التابعة لكولن, رغم كل عيوبها, من ضمن آخر الأصوات الناقدة التي بقيت.

إن مصادرتها الآن تشير إلى ضربة خطيرة, وربما قاتلة, لحرية الصحافة في الدولة. لقد تخطت تركيا العتبة ودخلت في فئة “ليست حرة” في تقرير حرية الصحافة التابع لفريدوم هاوس لعام 2014. هذا الحدث الأخير سوف يعمق هذا الإنحدار. يمكن التنبؤ بالخطوات القادمة بسهولة. سوف تحتل الحكومة مكاتب شركة “فيزا” المالكة لصحيفة “زمان” ” وتستبدل الصحفيين الحاليين بآخرين جدد. سوف تصبح صحفها اللسان الناطق بإسم الحكومة. سوف تتوقف صحفها المطبوعة في إسطنبول – وهي واحدة من الأكبر في تركيا – عن طبع إصدارات ناقدة, والذي قد يكون له أثر مضاعف على الصناعة. سوف يبدأ بعض صحفي “زمان” تشغيل منافذ جديدة, وبعضهم سيجد جمهور على الأرجح, لكنه سيكون أقل حجماً وتأثيراً. البعض الآخر سيهرب من الدولة, مثلما فعل الكثير من الأشخاص ذوي الصلة بحركة كولن. المزيد من الصحفيين سيتم سجنهم.

الهدف التالي على قائمة الحكومة سيكون على الأرجح حزب الشعوب الديموقراطية, وهو حزب ذو هيمنة كردية تجمعه صلات بحزب العمال الكردستاني الذي كان, منذ عام واحد, يعقد مؤتمرات صحفية إلى جانب ممثلي الحكومة للإعلان عن خارطة الطريق للسلام. بعد تهديد سيطرة أردوغان على السلطة بنتيجة قوية في أحد الإنتخابات البرلمانية للعام الماضي, وجد الحزب نفسه يتعرض لهجوم مدمر منذ ذلك الحين. الآن يوجد أصوات متصاعدة تطالب بحظره الشامل. سواء كنت صحفي أو سياسي, علماني أو إسلامي – هذه الأيام, لم يعد أحد بأمان في تركيا.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!