تشومسكي يتحدث عن أول مئة يوم من حكم ترامب (2): الخطر النووي يتعاظم!


مع مرور مئة يوم على تسلم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أجرى موقع “ديموكراسي ناو” جلسة نقاش مع المفكر العالمي نعوم تشومسكي ، أدارتها آمي غودمان، وتطرقت إلى قضايا متعددة، بدءاً بالتغيّر المناخي، مروراً بكوريا الشمالية وإيران والحرب في سوريا، وصولاً إلى تهديدات الإدارة الأميركية بملاحقة مؤسس موقع “ويكيليكس” جوليان أسانج.

وتكتسب آراء تشومسكي أهمية كبرى في فهم السياسات الأميركية، وانطلاقاً من ذلك ينشر موقع “بوسطجي”،  ترجمة لما قاله عالم الألسنيات الأميركي، في تلك الجلسة الحوارية، التي استهلت بالحديث عن سياسات الجمهوريين المدمّرة للبشرية على المستوى البيئي.

ثمة شبح آخر نسعى إلى البقاء على قيد الحياة في ظله، وهو الحرب النووية. وتلك قصة اخرى كاملة. في هذا السياق، فإن إدارة أوباما، وبشكل أكبر إدارة ترامب، تعملان على زيادة المخاطر بشكل راديكالي. هذا التهديد يمكن رصده من خلال ملاحظات “نشرة العلماء النوويين” بشأن حال العالم. أظنكم تعلمون أن “نشرة العلماء النوويين” تضم مجموعة من العلماء والمحللين السياسييين ومختصين آخرين، الذين يحاولون تقديم تقديرات حول الأحوال التي وصل إليها العالم. والسؤال هنا: إلى أي مدى نحن قريبون من القضاء على كافة الأجناس؟ ولديهم ساعة رمزية، تعرف باسم ساعة يوم القيامة، وحين نصل إلى “منتصف الليل”، نكون قد انتهينا – بمعنى آخر تكون نهاية الجنس البشري وكافة الأجناس الأخرى. والسؤال الذي يطرح كل عام: إلى أي مدى يقترب عقرب الدقائق من “منتصف الليل”؟

حسناً، في البدء، وتحديداً في العام 1947، أي حين بدأ العصر النووي، كانت ساعة يوم القيامة عند الدقيقة السابعة قبل منتصف الليل، وهي ظلت تتحرك صعوداً وعوداً منذ ذلك الحين. كان عقرب الساعة أكثر قرباً من منتصف الليل في العام 1953، حين فجّرت الولايات المتحدة وروسيا قنابل الهيدروجين، التي تشكل تهديداً خطيراً للغاية على حياة البشرية. منذ ذلك الحين، بدأ تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وكان ذلك، في الواقع، أول تهديد خطير لأمن الولايات المتحدة. هناك قصة مثيرة للاهتمام وراء ذلك، ولكني سأضعها جانباً، ما لم يكن هناك وقت للحديث عنها. ولكن بعد ذلك، تحركت الساعة باتجاه دقيقتين قبل منتصف الليل، وهي تتحرك صعوداً وعوداً منذ ذلك اللحين.

قبل سنتين، بات المحللون يأخذون في الاعتبار، وللمرة الأولى، أمراً تم تجاهله في السابق، وهو حقيقة أن بداية العصر النووي تزامنت مع بداية حقبة جيولوجية جديدة، تسنى بـ”الانثروبوسين”، وكان هناك بعض النقاش حول العصر الذي يؤثر فيه النشاط البشري بشكل كبير على البيئة العامة. تمحور النقاش، بداية، حول تحديد العصر الذي بدأ فيها النشاط البشري يؤثر فعلاً على البيئة العامة، إلى أن حسمت المنظمة العالمية للجيولوجيا هذا النقاش، بالقول إن هذا العصر تزامن مع العصر النووي. إذاً، نحن الآن نعيش في عصرين تبدو فيهما إمكانية بقاء الجنس البشري على المحك، وبطبيعة الحال، يمكن القول إن كل الكائنات الحية، تعيش في ظل تهديد بالغ الخطورة. في العام 2014، بدأت “النشرة” تأخذ ذلك في الحسبان، ونقلت “الساعة” إلى ثلاث دقائق قبل منتصف الليل، وهو ما استقرت عليه في العام الماضي.

بعد أسبوعين تقريباً من بدء ولاية ترامب، تم نقل “الساعة” مرّة أخرى إلى دقيقتين ونصف الدقيقة قبل منتصف الليل، وهذا التوقيت هو الأقرب إلى ما كانت عليه ساعة يوم القيامة في العام 1953، ما يعني أن أن فناء كافة الكائنات بات سؤالاً مفتوحاً على احتمالات عدّة. لا أريد القول إن السبب في ذلك يعود إلى الحزب الجمهوري فحسب، ولكنهم (الجمهوريين) يقفون، بالتأكيد، في صدارة الداعين إلى تدمير الجنس البشري.

آمي غودمان: مع مرور مئة يوم على حكم ترامب، يتزايد التركيز على كل من كوريا وايران. هل أنت قلق إزاء فكرة أن الرئيس ذا الشعبية الأدنى في تاريخ الولايات المتحدة، يقوم بتركيز جهوده على الخارج، كما فعل الأسبوع الماضي، حين ألقى “أم القنابل” عل أفغانستان، وأصدر قراراً بقصف سوريا،  وراح يصعّد ضد كوريا الشمالية وإيران على وجه الخصوص، وهو ما عكسه قول مستشار الأمن القومي الجنرال ماكماستر إنّ التصعيد مع كوريا الشمالية آت. هل تعتقد أن ثمة احتمالاً في قيام الولايات المتحدة بشن هجوم على كوريا الشمالية؟

تشومسكي: هذه الإدارة لا يمكن توقع تصرفاتها. على الأرجح، فإن ترامب لا يملك أية فكرة حول ما سيقوم به خلال خمس دقائق من الآن. في حقيقة الأمر، لا يمكننا القيام بتوقعات موثوقة. ولكني أشك في ذلك (الهجوم على كوريا الشمالية) إلى حد كبير. السبب بسيط للغاية: أي هجوم على كوريا الشمالية سيتبعه قصف مكثف لسيول، وهي أكبر مدينة في كوريا الجنوبية، وموقعها قريب من الحدود، ما سيؤدي إلى محوها عن الخريطة، بما في ذلك القواعد الأميركية الموجودة فيها. لست خبيراً تقنياً، ولكن، بقدر ما أعلم، لا توجد أية دفاعات لمواجهة هذا الاحتمال. علاوة على ذلك، قد تلجأ كوريا الشمالية إلى التصعيد ضد القواعد العسكرية الأميركية المليئة بالجنود في تلك المنطقة، وأيضاً ضد اليابان. ربما ينتهي الأمر بهزيمة كوريا الشمالية، ولكن أيّاً تكن الحال، فإن الكوريين الشماليين سيردّون على أي هجوم، بشكل تلقائي، وماكماستر وماتيس يدركان ذلك جيداً. ولكن ما حجم تأثير هذين الرجلين؟ لا نعلم. ومع ذلك، فإنني أعتقد بأن الهجوم أمر مستبعد.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل من وسيلة لمعالجة المشكلة؟ ثمة اقتراحات عدة: فرض عقوبات، نشر منظومة دفاع صاروخية… ولكن ذلك سيشكل تهديداً للصين، وسيفاقم التوتر هناك. المخاطر العسكرية متعددة. ثمة من يقترح إرسال حاملة طائرات إلى كوريا الشمالية، ولكن كل هذه الاقتراحات قد تسير في اتجاه معاكس.

في المقابل، هناك اقتراح يتم إهماله، بالرغم من بساطته. فلنتذكر أن الهدف الرئيسي هو دفع كوريا الشمالية إلى تجميد منظومتها التسلحية، بما يشمل المنظومة الصاروخية. إذاً، فإن الاقتراح يكمن في القبول بعرضهم لتسوية الأمر. لقد تمّ تقديم اقتراح من قبل الصين وكوريا الشمالية لتجميد البرنامجين الصاوروخي والنووي، ولكن الولايات المتحدة رفضته. لا يمكنكم تحميل ترامب وحده المسؤولية عن ذلك، فأوباما فعل الشيء ذاته قبل سنوات. العرض (الصيني – الكوري) قُدّم مجدداً، وكان ذلك في العام 2015، وإدارة أوباما رفضته على الفور.

السبب وراء رفض هذا العرض، هو أنه يتضمن “مقايضة”. ففي مقابل (تجميد البرنامج الصاروخي/النووي) كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تضع حداً لتهديداتها، المتمثلة في المناورات العسكرية المستمرة على حدود كوريا الشمالية، والتي تجددت حين أرسل ترامب طائرة “بي-52 س” ذات القدرات نووية للتحليق قرب الحدود الكورية.

ربما لا يعلم الأميركيون الآن حقيقة أن لدى الكوريين ذاكرة قوية، تسترجع ما جرى منذ وقت ليس ببعيد، حين سُوّيت كوريا الشمالية بالأرض في قصف أميركي، لم يترك هدفاً إلا وضربه. وأنصح الأشخاص الذين لا يعلمون ذلك، بقراءة التاريخ العسكري الأميركي، من خلال دورية “كوارترلي ريفيو”، التي تصف تلك الأحداث بواقعية ودقة: “لم يُترك أي هدف. ما الذي كان ينبغي علينا القيام به؟”. حسناً، لقد قررنا أن نقصف السدود، لا سيما الضخمة منها. تلك  جريمة حرب حوكم أشخاص على خلفية مثيلات لها في نورمبورغ. فلندع ذلك جانباً. ثمة من وصف بنشوة وسكينة عمليات قصف السدود والمجاري المائية التي أغرقت الوديان، ودمّرت محاصيل الأرز، التي يعتمد عليها الآسيويون للبقاء على قيد الحياة.

يمكنكم قراءة الكثير عن تلك الأحداث، ولكن الكوريين ليسوا في حاجة إلى ان يزعجوا أنفسهم بالقراءة، لأنهم عاشوا تلك الأحداث بالفعل. ولذلك، فإنهم يشعرون بالضيق حين تحلق طائرات “بي52” ذات القدرات النووية قرب حدودهم، أو حين يشاهدون مناورات عسكرية تهدد بلادهم. إنهم شعب “غريب”. هم يواصلون تطوير ما يرونه رادعاً لحماية النظام – والبلاد – من الدمار. هذا الواقع لا علاقة له على الإطلاق بما تفكر به الحكومة (الكورية الشمالية). ربما تكون هذه أسوأ حكومة في التاريخ البشري. حسناً، ولكن ثمة حقائق قائمة لا يمكن القفز فوقها.

إذاً، لماذا لا تبدي الولايات المتحدة استعداداً للقبول باتفاق تتوقف بموجبه التهديدات ضد كوريا الشمالية في مقابل تجميد الأخيرة لبرامجها الصاروخية؟ حسناً سأترك الإجابة لكم. ولكن تذكّروا ان الحجة الدائمة لدى الحزبين هي “أننا لا نستطيع الوثوق بهم”. قد لا يتسع الوقت للغوص في التاريخ، ولكن ثمة واقعة مثيرة للاهتمام تعود إلى العام 1993، في عهد (بيل) كلينتون، حين توصل الكوريون الشماليون إلى اتفاق مع إسرائيل لوقف شحنات الأسلحة إلى الشرق الأوسط، والتي كانت كانت تمثل تهديداً جدياً لإسرائيل والعالم. وفي مقابل ذلك، تعهدت اسرائيل بالاعتراف بكوريا الشمالية. لم تقبل إدارة كلينتون بذلك، وضغطت على إسرائيل للانسحاب من الاتفاق. وقد ردت كوريا الشمالية على ذلك بإطلاق أول دفعة من صواريخها المتوسطة المدى. لن أذهب أبعد في الحديث عمّا جرى بعد ذلك. ولكنها قصة مثيرة للاهتمام.

في الواقع، تم التوصل إلى اتفاق في العام 2005، تعهدت بموجبه كوريا الشمالية بتفكيك منظوماتها الصاروخية والنووية، في مقابل معاهدة عدم اعتداء من جانب الولايات المتحدة، إلى جانب تزويد بيونغ يانغ بمفاعل للماء الخفيف، الذي لا يستطيع انتاج سلاح نووي، ولكن يمكن استخدامه لأغراض سلمية، بحثية أو طبية… لم يعمّر الاتفاق طويلاً، إذ قامت إدارة جورج بوش بتقويضه سريعاً، وعمدت إلى حل “الكونسورتيوم” الذي كان يفترض أن يؤمن المفاعل النووي لكوريا الشمالية، ثم استتبعت ذلك بإجراءات أخرى، للضغط على بيونغ يانغ، أبرزها فرض حظر على التحويلات المالية الكورية الشمالية، بما في ذلك التحويلات الخاصة بالتجارة المشروعة. على هذا الاساس، بدأ الكوريون الشماليون “المجانين” بإنتاج الصواريخ  – الصواريخ النووية مجدداً.

لذلك، نعم، ربما نكون أمام أفظع نظام في تاريخ البشرية، ولكن حقيقة الأمر أن هذا النظام يريد البقاء على قيد الحياة، حتى أنه يريد تنفيذ برامج للتنمية الاقتصادية – هناك اتفاق عام جداً حول ذلك – إذاً لديهم (الكوريون الشماليون) حافز كبير، يشمل البقاء على قيد الحياة، لحل الأزمة،  بالرغم من أنهم يتخذون ردود أفعال مستمرون ضد الإجراءات الأميركية. عندما تبادر الولايات المتحدة الى تخفيف التوتر سيفعلون الكثير، ولكن في حال استمرت التوترات فالمسار (التصعيدي) سيبقى عل حاله.

الحالة ذاتها تنطبق على إيران. كما تعلمون، فإن “الكبار” مثل ماتيس وغيره، يقولون إن إيران تشكل تهديداً للسلام، ويتهمونها بأنها الراعي الأكبر للإرهاب. ما المقصود برعاية الإرهاب؟ يمكننا قول الكثير حول هذا الموضوع. على سبيل المثال، ثمة مزاعم بأن الإيرانيين يقدمون الدعم لرجال القبائل الحوثيين في اليمن. ربما كان ذلك صحيحاً. ولكن ما الذي تقوم به الولايات المتحدة في اليمن؟ انها توفر لحليفتها السعودية شحنات كبيرة من السلاح لتدمير هذا البلد، وهو ما أدى إلى نشوء أزمة انسانية ضخمة. عدد كبير من الناس يقتلون، وهناك مجاعة هائلة. هم يهددون الآن بقصف المرفأ الذي يشكل المصدر الوحيد لوصول المساعدات التي تبقي الناس على قيد الحياة. برغم ذلك، هم يقولون إن إيران تشكل المصدر الرئيسي للإرهاب.

إذا ما نظرتم إلى ما يجري حول العالم، ستجدون حالات مشابهة، ولا أريد هنا الحديث مطولاً. ولكن ثمة درساً يمكن استخلاصه حين نمعن النظر في سجل التاريخ. ما شرحته للتو عن كوريا الشمالية يمثل نموذجاً. نقول مجدداً إنّ ثمة امكانية للديبلوماسية والتفاوض كأداة لحل الأزمات، حتى وإن لم تقدنا بالضرورة إلى النجاح. لا يمكنك الوثوق بإمكانية نجاح الديبلوماسية في حال لم تجرّبها أصلاً، وإذا كان قرارك التخلي عنها لصالح العنف. فلنعد إلى تلك اللحظة في العام 1953، حين تم تقريب عقرب ساعة “يوم القيامة” إلى دقيقتين قبل منتصف الليل، ويوم واجهت الولايات المتحدة أخطر التهديدات على أمنها منذ حرب العام 1812. لقد أمكن حينها تجنب الخطر. هذا الامر لا يؤخذ في الحسبان اليوم، وهو ما يمكن أن نسلمه حالة تلو الأخرى.

 

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!