لا خطر إسرائيليا على لبنان.. ومخاوف من “بارد” فلسطيني جديد!


ما زال “الربيع اللبناني” مؤجلا. ينطوي عهد وتُشرع أبواب عهد جديد، ولا تتوفر الجاذبية التي تعطي فسحة من الأمل لكل اللبنانيين التوّاقين للتغيير والاصلاح ومحاربة الفساد.

لا القانون الانتخابي الموعود ولا معظم بنود خطاب القسم ترجمت حتى كتابة هذه السطور. إنتهت فترة السماح ولن يكون مفاجئا أن ترتفع أصوات من داخل البيت السياسي الواحد، في معرض التحذير والتنبيه.. والاعتراض.

وحده الأمن يبقى ممسوكا. هذه فضيلة لا منة لأحد فيها. برئيس للجمهورية وبمجلس نيابي. بحكومة أو من دونهم جميعا، لا خوف على الاستقرار الأمني. مكافحة الارهاب محكومة بسقف دولي واقليمي ولبناني لا أحد يريد تجاوزه أو التفريط به. أما البعد المتصل بالخطر الاسرائيلي، فلا مؤشرات تدل على أن إسرائيل قادرة على شن حرب جديدة ضد لبنان.

حتى أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عندما زار موسكو في شهر آذار المنصرم، لم يكن في موقع من يضع الشروط. كان لافتا لانتباه ضيوفه الروس أنه إشترط ترسيم معادلات تتعلق بإقتراب “حزب الله” و”الحرس الثوري” الايراني من حدوده الشمالية في سوريا. طلبت تل أبيب ضمانات محددة من موسكو، وعندما لم يأت الجواب عليها، حصلت الغارة على هدف عسكري للجيش السوري وحلفائه بالقرب من تدمر. وفق التقارير الأميركية، لم تسقط خسائر نتيجة الغارة، وأما الهدف منها، فكان منع “حزب الله” من وضع يده على مستودع يحتوي على صواريخ “سام 3” كان تنظيم “داعش” قد غنمه من الجيش السوري في المنطقة المستهدفة!

أوحى الاسرائيلي بأن تلك الغارة سياسية بإمتياز بتوقيتها، أي غداة رحلة نتنياهو، لكن الرد السوري بإطلاق صاروخ “إس 200” جعل تل أبيب تعترف للمرة الأولى بإغارتها على مواقع على الأراضي السورية. لم يكن الرد سوريا، بل على الأرجح كان روسيا أولا. القرار بالرد ونوعية السلاح الاستراتيجي المستخدم ومراجعة السفير الاسرائيلي في موسكو في ما حصل، أعطت كلها إشارات لا تقبل أي إلتباس بأن روسيا لا يمكن أن تقبل بتحميلها ما لا قدرة على تحمله خصوصا أمام حلفائها الاستراتيجيين، فضلا عن أن إضعاف هؤلاء يشكل إضعافا لها والعكس صحيح.

وبرغم التهديدات الاسرائيلية التي أعقبت الرد السوري، ثمة رسائل وصلت إلى المجمعات الأمنية والاستخباراتية في تل أبيب. لا خطوط حمراء تحول دون الرد مجددا. لا مصلحة لروسيا وسوريا وإيران بإندلاع حرب لكن معطيات الميدان السوري أفضل من أية لحظة مضت منذ ست سنوات حتى الآن، وبالتالي، كان يمكن لاسرائيل أن تستغل الأوقات السورية الصعبة وهي لم تتجرأ على ذلك، فكيف في يومنا هذا؟

على الورق، خطط جاهزة لكل الاحتمالات، لكن في الواقع، لو كان بمقدور الاسرائيلي شنّ حرب ضد لبنان وتحديدا ضد “حزب الله”، لكان قد شنّها بالأمس أو قبله وليس اليوم. هذه المعادلة تحكم عقل المؤسسة العسكرية والأمنية الاسرائيلية منذ يوم 14 آب 2006 حتى الآن. يريد إعادة الإعتبار إلى جيشه وقوة ردعه، ولكنه، ومثلما كان يراكم، تمكنت المقاومة من إختصار الأوقات ومراكمة إمكانات كانت تحتاج إلى عقود من الزمن والكثير من الجهود والخبرات للوصول إليها.

توازن رعب إستراتيجي يحكم هذه الجبهة. إستعراض العضلات ووقوع حادثة هنا أو هناك، لا يعدو كونه مجرد عض أصابع لكنه لا يغير في طبيعة التوازنات المرسومة بريشة لاعبين سياسيين وميدانيين، وهم كثر في هذه المرحلة، من دون إغفال حقيقة أن المقاومة باتت تملك أسلحة كاسرة للتوازن الاقليمي، لن يتعرف عليها الاسرائيليون أو يعرفوا ماهيتها ويتذوقوا “طعمها” إلا في الميدان نفسه، تماما كما حصل في “حرب لبنان الثانية” على مدى ثلاثة وثلاثين يوما.

لا يقتصر الأمر على الميدان وحده برغم أهميته. الدليل ما سبق القمة العربية في البحر الميت وما رافقها. قيل كلام كثير في جلسة الافتتاح عن قضية فلسطين وأولويتها، لكن الواضح أن هناك قوة دفع دولية ـ إقليمية تشي بالسعي لإنتاج تسوية جزئية ما للقضية الفلسطينية ولو على كيلومترات قليلة من الضفة الغربية ومن دون وقف الاستيطان مقابل التطبيع ومن ثم السعي لاقامة تحالف غير معلن بين دول الاعتدال السني واسرائيل في مواجهة ما يسمى “الخطر الايراني”، تماما كما كان الحال مع الملك فيصل عندما حرّضه الأميركيون على مواجهة “خطر الشيوعية الملحدة” الذي يتسلل إلى المنطقة من بوابة مصر جمال عبد الناصر، وذلك من أجل خلق عدو مشترك للعرب وإسرائيل بما يؤدي إلى ضمان أمن إسرائيل!

هذا المناخ رافق زيارة ولي العهد السعودي الثاني محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة، لكن لسان حال المعلقين الأميركيين أن القيادة السعودية هي أعجز من أن تقدم على إقامة علاقات ديبلوماسية مع إسرائيل، وهي تفضل نمط العلاقات الأمنية السرية التي صارت أكثر ثباتا وإنتظاما منذ لقاء شرم الشيخ الذي أعقب حرب تموز 2006.

كذلك، بدا الأردن من خلال استضافته للقمة العربية الدورية كمن يريد الحصول على ضمانات عربية لدعم إستقراره السياسي والاقتصادي، خصوصا في ظل تعاظم ظاهرة الاحتجاجات الشعبية على الاجراءات الحكومية الأردنية التي رافقت إقرار الموازنة الجديدة وما تخللها من ضرائب ورسوم بناء على نصائح ووصفات صندوق النقد الدولي.

أكثر من ذلك، يعتبر مسؤولون أردنيون أن تسلل السلفية الجهادية المتمركزة في سوريا (“النصرة” تحديدا) إلى حدودهم من شأنه أن يفتح بطن السلفيات الأردنية التي تتماهى مع هذه السلفية، ولا يستبعدون وجود اياد إسرائيلية خصوصا في ظل التماهي الحاصل بين هذه السلفية من جهة وبين انتشار الجيش الاسرائيلي في مناطق قريبة من الجولان السوري المحتل من جهة ثانية.

يزيد من وطأة الواقع الأردني عنصران، أولهما، أزمة النازحين السوريين بكل أبعادها الاقتصادية والأمنية والديموغرافية والاجتماعية الضاغطة على المجتمع الأردني، وثانيهما، خطر الارهاب الذي بدأ يلفح الحدود الأردنية. هذه النقطة تحديدا توقف عندها الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في لقاء مغلق مع الجامعيين في النصف الثاني من آذار المنصرم، وأكد خلاله أن النظام الآردني بات يخشى من أن يؤدي الضغط الميداني المتصاعد على أرض العراق وسوريا ضد “داعش” إلى تسلل مجموعات إرهابية إلى العمق الأردني.. وبالتالي، تزداد المخاوف على إستقرار المملكة الأردنية الهش أصلا ربطا بما يراد لها أن تكون بمثابة الوطن البديل للفلسطينيين!

وبمعزل عن مقررات القمة العربية التي لن تكون سوى حبر على ورق، على جاري عادة كل ما سبقها من قمم عربية، يطرح سؤال لبناني فلسطيني مشترك: هل ما جرى وما يجري من أحداث أمنية في مخيم عين الحلوة منذ مطلع السنة الحالية يتصل بشكل أو بآخر بما يحضر للقضية الفلسطينية في “المطابخ” الدولية؟

لا أحد يملك جوابا حاسما، لكن بعض المتابعين للملف الفلسطيني عن كثب يرددون أن المدخل الأول لتصفية القضية الفلسطينية هو شطب حق العودة، وعندما تتعرض عاصمة الشتات الفلسطيني، اي مخيم عين الحلوة، لما تتعرض له، تصبح المخاوف مشروعة على التجمع الأكبر من نوعه للاجئين الفلسطينيين لبنانيا وعربيا، خصوصا بعد الذي أصاب مخيم اليرموك في سوريا إبّان الأزمة الســــــورية ومخيمات لبنان بدءا من ثمانينيات القرن الماضي وصولا إلى ما اصاب مخيم نهر البارد قبل عقد من الزمن.

لم تأت عبارات عزام الأحمد المسؤول عن الملف الفلسطيني في لبنان من فراغ. قالها بالفم الملآن إبّان زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس(أبو مازن) إلى لبنان بأنه على الحكومة اللبنانية أن تتحرر من إتفاقية القاهرة وبالتالي أن تمسك بقواها العسكرية والأمنية ملف المخيمات الفلسطينية، وخصوصا عين الحلوة وصولا إلى إعتقال الارهابيين المطلوبين ونزع السلاح الفلسطيني في لبنان!

هذه العبارات أو “العروض المجانية” التي كانت موضع إستغراب رسمي وسياسي لبناني، كانت وحدها كفيلة بإشعال شرارة النار في عين الحلوة، لتتدحرج يوما بعد يوم كرة التطورات العسكرية في ظل إنكفاء سياسي وأمني واضح لحركة “فتح” يصب في مصلحة الاسلاميين عموما والسلفيين تحديدا، فهل نحن على عتبة “بارد جديد” يفضي إلى تدمير عاصمة الشتات وتشتيت المشتتين فيه هنا وهناك؟

الأمن ممسوك ولكن الخروق ممكنة، بدليل سعي المجموعات الارهابية إلى إختراق دفاعات الجيش اللبناني والمقاومة على طول الحدود الشرقية في منطقة القلمون في الآونة الأخيرة. هذه الظاهرة قد تتكرر وتتوسع كلما ضاق الخناق على “داعش” وأخواتها في سوريا والعراق.

الأمن ممسوك ولكن الخرق ممكن، خصوصا في المخيمات الفلسطينية التي يريد لها البعض أن تتحول ملاذا آمنا للمجموعات الارهابية وبالتالي تدفيع الشعب الفلسطيني مجددا ما لا قدرة له على تحمله.

الأمن السياسي ممسوك لبنانيا.. الخطر كل الخطر أيضا على الأمن الاقتصادي والنقدي والمالي.. إلا إذل حسمت الحكومة اللبنانية مع بداية الربيع ترياق الاستقرار النقدي والمالي، ولن يكون هناك من مدخل أفضل من التمديد لحاكمية المصرف المركزي التي تملك خارطة الألغام التي تهدد الواقع النقدي ـ المالي ـ المصرفي، وخصوصا كيفية مواجهة ظاهرة العقوبات التي يلوّح الأميركيون بتشديدها ضد “حزب الله” في المرحلة المقبلة.. وللبحث صلة.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!