سرايا الدفاع..العودة لبنغازي تأتي من بوابة “الهلال النفطي”


سيطرت سرايا الدفاع عن بنغازي، الجمعة الماضية، على مينائين نفطيين رئيسيين من بين أربعة موانئ رئيسية في منطقة الهلال النفطي، وتهدد بالتقدم نحو مدينة بنغازي، لخوض معركتهم الرئيسية في عاصمة الشرق الليبي، مما يطرح تساؤلات حول من تكون سرايا الدفاع؟ ومن يدعمها؟ وما هي أهدافها؟

لم تتأسس سرايا الدفاع عن بنغازي إلا حديثا، في الأول من يونيو/ حزيران 2016، وأعلنت في بيان تأسيسها أنها تتبع مفتي الديار الليبية في العاصمة طرابلس الشيخ صادق الغرياني، والذي عزله مجلس النواب في طبرق (شرق) في 2014، وأعاد المؤتمر الوطني المنتهية ولايته تثبيته في ذات المنصب.

والصادق الغرياني، يعتبر الأب الروحي لسرايا الدفاع، وللعديد من الكتائب في غربي ليبيا، وله مواقف معادية للخليفة حفتر، قائد القوات المنبثقة عن مجلس النواب (شرق)، ولعملية الكرامة، التي أطلقها في منتصف مايو/ أيار 2014، كما أعلن الغرياني، تحفظه على الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية، في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، ولم يعلن تأييده للمجلس الرئاسي، بقيادة فائز السراج، ما أدى إلى خلافات مع حزب العدالة والبناء (المحسوب على الإخوان المسلمين)، ومواقفه أقرب إلى حكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس (غير المعترف بها دوليا) بقيادة خليفة الغويل.

وبالنظر إلى قيادات سرايا الدفاع عن بنغازي، فإن أشهرهم العميد مصطفى الشركسي، ضابط في الجيش الليبي (الجناح المناهض لحفتر في غربي ليبيا)، وإسماعيل الصلابي، قائد كتيبة راف الله السحاتي، التابعة لمجلس شورى ثوار بنغازي (ثوار شاركوا في الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في 2011)، وزياد بلعم، قائد كتيبة عمر المختار، التابعة لمجلس شورى ثوار بنغازي.

لذلك يمكن القول، أن سرايا الدفاع عن بنغازي، ليست سوى امتداد لمجلس شورى ثوار بنغازي، وأن عناصره انسحبت من الأحياء التي سيطرت عليه قوات خليفة حفتر، في بنغازي، وتجمعت هذه العناصر في محافظة الجفرة (جنوب غرب بنغازي) وسط الصحراء الليبية، وانضم إليها ضباط وجنود مناهضون لحفتر، بالإضافة إلى مجلس شورى ثوار أجدابيا، وأيضا مقاتلون من حرس المنشآت النفطية بقيادة إبراهيم الجضران، الذين اندحروا من الهلال النفطي وأجدابيا (شرق)، أمام قوات حفتر، بمساعدة أبناء قبيلتهم (المغاربة)، في سبتمبر/أيلول 2016.

موقف وزير الدفاع المفوض في حكومة الوفاق مهدي البرغثي، بشأن سرايا الدفاع عن بنغازي، مثير للجدل، فالبرغثي، وصف سرايا الدفاع، في 23 يوليو/تموز 2016، بأنها “مجموعات إرهابية تتبع لتنظيمي القاعدة وداعش، حتى وإن ضمت في صفوفها ضباطا وجنودا من الجيش الليبي”، خاصة وأن البرغثي، القائد السابق لكتيبة 204 دبابات، سبق له وأن قاتل مجلس شورى ثوار بنغازي، الذي ينحدر منه معظم قادة سرايا الدفاع، في الفترة ما بين 2014 و2016.

غير أن سيطرة قوات حفتر، على موانئ الهلال النفطي، في سبتمبر الماضي، وطردها لحرس المنشآت النفطية بقيادة الجضران، المؤيد لحكومة الوفاق، دفع البرغثي، إلى تغيير موقفه من سرايا الدفاع، خاصة وأن خلافاته تعمقت مع حليفه السابق حفتر، بعد اعتراض الأخير لقبوله منصب وزير الدفاع في حكومة الوفاق، وكذلك محاولة “اعتقاله” أثناء عودته من طرابلس متجها إلى بنغازي عبر مطار البيضاء، ثم محاولة اغتياله في بنغازي بتفجير سيارة مفخخة (لم يتضح من دبرها)، ومحاولة حفتر، تغيير اسم الكتيبة 204 دبابات (أصبحت تسمى الكتيبة 298)، وتعيين قائد جديد لها يدعى عبد الكريم حسين البرغثي.

لكن أول لقاء (غير مباشر) بين البرغثي، وسرايا الدفاع، بشكل معلن، كان في المؤتمر السادس لضباط الجيش الليبي (المناهض لحفتر)، والذي تم عقده في 19 أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، في العاصمة الليبية طرابلس، وشارك فيه العميد مصطفى الشركسي، قائد سرايا الدفاع عن بنغازي، بحضور مهدي البرغثي، وفائز السراج رئيس المجلس الرئاسي، وعبد الرحمان السويحلي رئيس مجلس الدولة (هيئة نيابية استشارية معظم أعضائها من المؤتمر الوطني العام).

وشكل هذا المؤتمر بداية اعتراف البرغثي (ضمنيا)، بسرايا الدفاع، التي سبق وأن وصفها بـ”الإرهابية”، في حين وصف مؤتمر ضباط الجيش “حفتر”، بأنه “مجرم حرب”، وهو ما اعترض عليه السراج.

وفي 7 ديسمبر الماضي، هاجمت قوات من سرايا الدفاع، مدعومة بقوات من غرفة عمليات تحرير الهلال النفطي، كل من النوفلية وبن جواد، وسيطرت عليهما لساعات، والغريب أن البرغثي، أقر في بيان لوزارة الدفاع، تبعية هذه القوات لوزارته، لكنه نفى علمه بالعملية، في حين تبرأ المجلس الرئاسي من القوات المهاجمة، ما يعكس “التبعية الشكلية” لسرايا الدفاع وحتى القوات الداعملة لها (وغالبيتها من مصراتة) للبرغثي، وفي نفس الوقت، تنسيق البرغثي مع سرايا الدفاع، دون الرجوع إلى المجلس الرئاسي، المنقسم على نفسه، يعكس حجم التناقضات الموجودة داخل المجلس الرئاسي نفسه، وحتى بين المجلس ووزارة الدفاع.

وظهر ذلك جليا عندما شكل مهدي البرغثي، غرفة عمليات تحرير الهلال النفطي، والتي اجتمعت في 22 ديسمبر الماضي، مع قيادات من سرايا الدفاع عن بنغازي، ومجلس شورى ثوار بنغازي، وممثلين عن حرس المنشآت النفطية، وتحالف ثوار أجدابيا، ومجموعات مسلحة من الجفرة، وذلك بقاعدة الجفرة الجوية جنوب الهلال النفطي، والتي تتمركز بها “القوة الثالثة” التابعة لكتائب مصراتة.

ورغم أن البرغثي، لم يعلن لحد الآن تبنيه لعملية سيطرة سرايا الدفاع على النوفلية وبن جواد، وميناءي السدرة، وراس لانوف، خاصة مع تنديد المجلس الرئاسي للعملية، إلا أنه دعا في بيان له، الجمعة الماضية، من وصفها بـ”قوات المرتزقة وقوات المعارضة السودانية والتشادية من الخروج من المنشآت النفطية والأراضي الليبية كافة”، وهو ما يتطابق مع اتهامات سرايا الدفاع لقوات حفتر، بالاستعانة بحركات تمرد من السودان (حركة العدل والمساواة) وتشاد، في عملية تأمين الموانئ النفطية.

كما أن وزارة الدفاع التي يرأسها البرغثي، أعلنت في بيانها أنها “ستأمر بتشكيل قوة لفك الاشتباك بمنطقة الهلال النفطي، ووقف القتال في حالة استمرار النزاع بالمنطقة”.

ومع أن البيان يحاول إضفاء طابع الحياد بين سرايا الدفاع من جهة وقوات حفتر من جهة ثانية، إلا أنه يتناقض مع استعدادات سابقة للبرغثي، وحلفائه الجدد، لـ”تحرير الموانئ النفطية” ممن وصفهم بـ”المرتزقة”، تجلى ذلك عندما طلبت سرايا الدفاع، رسميا، من وزير الدفاع في حكومة الوفاق، أن يتولى المسؤولية عن ميناءي السدرة وراس لانوف، وترحيب محمد المعزب النائب الثاني لرئيس مجلس الدولة في طرابلس بذلك، حسبما موقع الجزيرة نت، أمس الأحد.

وحسبما أعلنت سرايا الدفاع فإن الهدف من عملية السيطرة على السدرة وراس لانوف بالإضافة إلى النوفلية وبن جواد، هو التوجه إلى بنغازي، لطرد قوات حفتر منها، وإعادة 300 ألف من سكانها المهجرين إلى ديارهم.

لكن الطريق إلى بنغازي، تمر حتما عبر بلدة العقيلة، وميناء السدرة (يضم مصانع لتكرير النفط)، وميناء الزويتينة النفطي ومدينة أجدابيا (أكبر مدينة في المنطقة الممتدة من سرت إلى بنغازي على طول أكثر من 500 كلم من خليج سرت).

وسبق وأن أخفقت سرايا الدفاع، الصيف الماضي، في الوصول إلى بنغازي، انطلاقا من أجدابيا، حيث سيطرت على جنوبها وتقدمت نحو بنغازي، لكنها خاضت معارك شرسة مع قوات حفتر المدعومة من قوات فرنسية، أسقطت خلالها مروحية بصاروخ سام7، قتل خلالها ثلاثة جنود فرنسيين.

واضطرت سرايا الدفاع، للتراجع إلى الجفرة جنوبا، خاصة بعد سيطرة قوات حفتر على أجدابيا والهلال النفطي، وزحفت جنوبا باتجاه حقول النفط في منطقة زلة، وأصبحت تهدد بالزحف على طرابلس غربا، مما عجّل بتحالف الأعداء السابقين في شرق ليبيا مدعومين من كتائب الغرب الليبي، ضد العدو المشتركة “خليفة حفتر”، الذي أصبح يفاوض من منطق قوة بعد سيطرته على الهلال النفطي وتحقيقه بعض التقدم في الأسابيع الأخيرة في بنغازي، التي يقاتل فيها منذ أشهر طويلة.

وسياسيا، فإن فقدان حفتر، لميناءي السدرة وراس لانوف، بالإضافة إلى مطار راس لانوف الاستراتيجي (استخدم في قصف سرايا الدفاع، في الجفرة في 2016)، يمثل خسارة لورقة تفاوض كبيرة بشأن دوره في قيادة ليبيا في المرحلة المقبلة، خاصة وأن الميناءين الذين فقدهما بإمكانهما تصدير 600 ألف برميل يوميا، من أصل 700 ألف برميل يتم تصديره حاليا، ومليون و600 ألف برميل يوميا قبل الإطاحة بنظام القذافي في 2011.

comments powered by HyperComments

Author: fouad khcheich

Share This Post On
Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!