مخاض العلاقات الاقتصادية الاميركية بعد رفع العقوبات … الاستحواذ على 57 في المائة من اقتصاد العالم


 

على مدى العقد الماضي، اثبتت الحكومة الروسية انها من أكثر المتمسكين بكتلة “بريكس” الاقتصادية، المؤلفة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا.

يوم وصل الرئيس المصري السابق محمد مرسي الى الحكم، أعلن نية بلاده الانضمام الى هذه الكتلة، وكذلك فعلت تركيا التي حاولت التقرب من الكتلة ذاتها كبديل من الاقتصاد العالمي، القائم على تفوق الغرب بزعامة الولايات المتحدة.

ليس هناك اي وهم  تحمله روسيا لاستعادة سيادتها في وجه غريمتها أميركا. اذ اعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن تأسيس مصرف خاص لـ«بريكس» برأس مال 50 بليون دولار، وعدت روسيا بتقديمه قبل دخولها في مواجهة مع الغرب وتعرّضها لعقوبات بسبب الازمة الاوكرانية، حيث كشفت الحرب في أوكرانيا والاصطفافات المتناقضة بين موال للغرب وداع إلى التمسك بروسيا حليفاً استراتيجياً وتاريخياً، عمق الهوة بين موسكو وواشنطن التي لم تستوعب الخطوة الروسية بعودة القرم، والتي كان من المخطط أن تكون القاعدة الأساسية والأقرب لصواريخ الناتو، وتطويق روسيا بالدرع، وهو ما تعتبره موسكو تهديدا مباشرا لأمنها القومي،   تلك العقوبات أدت إلى انهيار ثلثي قيمة عملتها الوطنية، ما اضطرها للاستعانة بفائضها المالي الذي تراجع من 524 بليون دولار في تشرين الأول 2013، إلى أقل من 20 بليوناً مع نهاية العام الماضي، استناداً إلى التقارير الأميركية، بسبب انخفاض سعر النفط العالمي واضطرار روسيا إلى الدفاع عن عملتها.

اتفاقات نفط وغاز

تزامنت العقوبات مع توقيع شركة “أكسون” الأميركية للطاقة عقداً ضخماً مع شركة “روسنفت” للطاقة التابعة للحكومة الروسية، وهي شراكة تسمح للاثنين بالتنقيب عن النفط والغاز واستخراجهما في أراض روسية، تبلغ مساحتها 630 ألف كيلومتر مربع. ويقع معظم الأراضي في مناطق مجاورة للقطب الشمالي، وكانت متجمدة حتى الأمس القريب، إلى أن أفضى الاحتباس الحراري إلى انكشاف أجزاء كبيرة منها. فعرضت  واشنطن خدماتها في استخراج النفط فيها، ووافق الروس. وقدمت “إكسون” نصف تريليون دولار للروس، وهو ما يوازي نصف الناتج المحلي الروسي.

إلا أن العقوبات الأميركية جمّدت صفقة “إكسون” مع روسيا، إلى أن وصل الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وعيّن المدير التنفيذي السابق لـ “إكسون”، ريكس تيلرسون، الحائز من بوتين على وسام “صديق الأمة الروسية”، وزيراً للخارجية. ويتوقع الخبراء أن يسعى ترامب وتيلرسون إلى رفع العقوبات الأميركية عن روسيا على وجه السرعة، واستئناف الشراكة المرسومة سلفاً.

من جهته ، يرى البرلماني الروسي دميتري نوفيكوف، أن استعادة العلاقات التجارية والاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة تفترض إلغاءاً سريعا للعقوبات الأميركية المفروضة ضد روسيا.

وقال نوفيكوف، الذي يشغل منصب النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس النواب الروسي “الدوما” لوكالة “نوفوستي” (29 يناير/كانون الثاني): “إن وجهة نظري هذه تستند إلى أن استعادة العلاقات تتم عن طريق الرفع السريع للعقوبات، لأنها تخلق مناخا غير مناسب لتطور العلاقات بين البلدين، وتؤثر على التعاون التجاري والاقتصادي”.

وأضاف أن الاتجاه السائد في الولايات المتحدة هو نحو إلغاء العقوبات، ويجب أن نشير إلى أن ترامب يتخذ قرارات تتماشى مع التعهدات التي أطلقها خلال الحملة الانتخابية.

رهان اوباما

راهن الرئيس السابق باراك أوباما على زيادة العقوبات على روسيا في محاولة لانهاكها اقتصادياً (المرتبة العاشرة في ترتيب البنك الدولي عام 2014)، للعودة بالذاكرة  الى أن الاقتصاد الضعيف كان سبب “هزيمة” موسكو في الحرب الباردة، حين عجزت لأسباب اقتصادية، وليس تقنية عسكرية، عن مجاراة واشنطن في برنامج حرب النجوم الذي طرحه الرئيس الاميركي رونالد  ريغان عام 1983 والذي كسر من خلاله التعادل النووي بين موسكو وواشنطن الذي استمر منذ ان تمكن ستالين  من  “اللحاق” بترومان عام 1949 عبر صنع قنبلة ذرية سوفياتية ثم هيدروجينية عام 1952 لينشأ توازن الرعب عبر امكان احداث (الفناء المتبادل)، وهو ما كان أساساً للثنائية القطبية الأميركية-السوفياتية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية

في الشرق الأقصى حاول باراك أوباما العمل على بناء منظومة اقليمية موالية لواشنطن من أجل تطويق الصين التي هي الرقم الاقتصادي الثاني عالمياً (10.360.105 تريليون- أرقام 2014). الرئيس الأميركي، الذي يرى “الاقتصاد أولاً”، دفعه تنامي ما يراه خطراً صينياً مهدداً للزعامة الأميركية العالمية من خلال تنامي قدرات بكين الاقتصادية، إلى القبول بحضور عسكري أميركي في الشرق الأقصى، من خلال قاعدة للمارينز في مرفأ داروين في شمال أستراليا، وتجديد القاعدة العسكرية الأميركية في الفيليبين (خليج سوبيك)، وتعزيز قاعدة أوكيناوا الأميركية في اليابان، مع تسهيلات للصيانة أمام السفن الحربية الأميركية في القاعدة البحرية الفييتنامية في خليج كام ران، مع نشر نظام للدفاع الصاروخي الأميركي في كوريا الجنوبية في آذار 2015 ثم توقيع في نيسان 2015 على نظام للدفاع الثنائي أميركي- ياباني نقل طوكيو عملياً من وضعية “اللامحارب” التي كانتها منذ عام 1945.

كانت أميركا أول من تعافى من الأزمة المالية – الاقتصادية العالمية التي بدأت في نيويورك عام 2008. الأزمات الاقتصادية، مثل الأوبئة، أول من يتعافى فيها هم الأقوياء. لم تكن الولايات المتحدة الأميركية ضعيفة في عهد أوباما الى حد المبالغة بهزيمتها  بل تعرضت سياستها الخارجية  الى  ” انتكاسات ” عسكرية وسياسية ، وكان هناك استخلاص لدروس الحرب الباردة حين قرر الاقتصاد مصير حرب عالمية ثالثة عاشها العالم على وقع الصراع بين واشنطن وموسكو، وكانت الحروب بالوكالة تجري بينهما في أكثر من منطقة اقليمية في العالم: حرب فييتنام، حرب 1967، حرب 1973، الحرب الأنغولية 1976- 1991، حروب القرن الإفريقي 1977- 1991، الحرب الكمبودية عقب غزو فييتنام لكمبوديا في الشهر الأول من 1979.

تبوأ ترامب الرئاسة … علاقات الى اين

وكان الكرملن قد أعلن في  28 كانون الثاني ، أن الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والأميركي دونالد ترامب، خلال مكالمة هاتفية،  قد أشارا إلى أهمية استعادة العلاقات التجارية والاقتصادية بين قطاعي الأعمال في البلدين.

وخلال المكالمة الهاتفية التي دامت 45 دقيقة، أعلن الرئيسان استعدادهما لتطوير العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة على أساس المنفعة المتبادلة، مؤكدين أن استعادة العلاقات ستعطي دفعة للتنمية المستدامة بين البلدين.

ورجح خبراء أن يبدأ الرئيس ترامب بإلغاء العقوبات المفروضة ضد شخصيات وكيانات اعتبارية روسية في غضون شهر، لكن فيما يتعلق بالعقوبات التي تستهدف قطاعات اقتصادية، والتي مددها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فالأمر أصعب، إذ أن ترامب قادر على رفعها فقط بعد الحصول على موافقة الكونغرس الأميركي.

بدوره، قال وزير الخارجية الإيطالي، أنجيلينو ألفانو في 24 كانون الثاني، إن على أوروبا وبالتعاون مع الولايات المتحدة، اتخاذ قرار مشترك لرفع العقوبات المفروضة على روسيا.

ووصف ألفانو خلال مقابلة مع صحيفة “لا ستامبا” الإيطالية الوضع الذي يحيط بمسألة العقوبات بـ”الفاتورة التي تدفعها روما لقاء خدمات تستفيد واشنطن منها”.

وأضاف: “لن نصبح رهن المفارقة التي أوجدتها الولايات المتحدة التي كانت البلد الأكثر إصراراً على فرض العقوبات، وتتجه الآن لإبرام تسوية، وأولئك الذين دفعوا ثمن العقوبات كالاتحاد الأوروبي وإيطاليا، يبقون رهائن”.

كما دعا وزير الخارجية إلى عودة مجموعة الدول الصناعية الكبرى “G8” بمشاركة موسكو إلى الساحة الدولية.

يبدو ان موسكو قد وجدت ضالتها الاقتصادية، فهي بدلاً من البحث عن شركاء لمنافسة أميركا والغرب، ستدخل مع أميركا والغرب في كتلة اقتصادية  قد تواجه فيها الصين وبقية العالم، مع العلم ان موسكو قالت اكثر من مرة انها لن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، او ان لديها اي خطة لضرب الدول الصغرى على اعتبار ان ذلك مناف للقوانين الاممية والمواثيق  والاعراف الدولية.

ويشير خبراء الى ان هذه الخطة الجيواستراتيجية، هي من تصميم وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسينجر، وهو نفسه سبق ان عمل مهندساً للانفتاح الأميركي على الصين في سبعينات القرن الماضي، بهدف مواجهة روسيا، واليوم، يهندس كيسينجر انفتاحاً اميركياً على روسيا لمواجهة الصين.

 

تشكيل كتلة اقتصادية

والتحالف الأميركي – الروسي يداعب مخيلة القاعدة الشعبية لترامب، خصوصاً من الأميركيين الذين دأبوا على مدى العقدين الماضيين، على التحذير من صعود بقية العالم اقتصادياً في وجه الغرب، هذه المرة، سيشكل الغرب كتلة تتفوق على بقية العالم. لهذا السبب، حرص ترامب على القضاء على “اتفاق الشراكة عبر الهادئ”، وهو يسعى اليوم إلى استبدالها بشراكة مع موسكو وأوروبا،  وهذه الاخيرة هذه ستكون جديدة ومختلفة عن الاتحاد الأوروبي.

وإذا كتب لخطة ترامب –  بوتين النجاح، فإن كتلة اقتصادية مؤلفة من أميركا الشمالية وأوروبا وروسيا وربما استراليا، ستشكل أكثر من 40 تريليون دولار في حجم اقتصادها، أي 57 في المائة من الاقتصاد العالمي، مقارنة بـ 40 في المائة كانت ستشكلها كتلة “الشراكة عبر الهادئ”.

ويسعى مهندسو الكتلة الاقتصادية الجديدة الى عزل بقية العالم من طريق وقف الهجرة ومنع رأس مالها من الاستثمار في الكتلة المنافسة، وفرض حمايات جمركية، أي سيكون الغرب الجديد بمشاركة روسيا، كتلة اقتصادية مغلقة، شبيهة الى حد ما بالاقتصاد الفرنسي، وهو ما كان يسعى بوتين إلى إقامته بالاشتراك مع الجمهوريات السوفياتية السابقة.

لا بد من الاشارة الى ان الشرق الأقصى الروسي يتسم  بأهمية استراتيجية  واقتصادية بالغة بالنسبة لموسكو. ففي هذه المنطقة ثروات معدنية طائلة ، وفيها يتركز احتياطي ضخم من المياه العذبة والغابات والأسماك. وهي بوابة روسيا على المحيط الهادىء.

وبحكم ذلك يعتبر الشرق الأقصى مكسباً جيوسياسياً هاما لروسياً. كل ذلك يجعل هذه المنطقة الروسية محط انظار دول الجوار ، وفي مقدمتها الصين واليابان. ان بكين مستعدة لإستثمار مبالغ ضخمة في الشرق الأقصى الروسي ، ويصبو الكثيرون من سكان الصين الى الإقامة والعمل هناك. واهتمام الصينيين بالشرق الأقصى الروسي كبير لدرجة جعلت الروس كثيرا ما يتحدثون بقلق شديد عن توسع اقتصادي وديموغرافي سكاني صيني يمكن ان يشكل فيما بعد خطراً على سيادة روسيا.

قال يوري شفرانيك رئيس اتحاد منتجي النفط والغاز في روسيا إنه بحث  في اثناء زيارة وفد رسمي  الى الولايات المتحدة ملف توتر العلاقات بين موسكو وواشنطن. وأكد شفرانيك الذي شغل سابقا حقيبة النفط في الحكومة الروسية أن المصالح الاقتصادية تبقى في أولويات العلاقة مع الشركات الاميركية.( روسيا اليوم )

واوضح المسؤول الروسي بأن تردي العلاقات السياسية يلحق ضررا كبيرا لقطاع الاعمال في البلدين على حد سواء. وأشار إلى أن أوروبا تعتمد بنسبة كبيرة تصل إلى ثلث حاجتها من الطاقة على روسيا، الأمر الذي يفرض على جميع الأطراف تغليب المصالح على الأيديولوجيات. ويرى شفرانيك في تحول الولايات المتحدة من أكبر مستورد للطاقة إلى مصدر يفرض واقعا نوعيا جديدا في السوق العالمية.

وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال”، قد اشارت  في 10 تشرين الثاني 2016 ، الى أن فوز الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الأميركية سينعش العلاقات الاقتصادية المتعثرة مع روسيا.

وذكرت الصحيفة، أن هذا الأمر ظهر جليا منذ اللحظة الأولى لإعلان فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، إذ هوت مؤشرات الأسهم العالمية بنسبة 2.5% أو أكثر في بعض البورصات، باستثناء مؤشر بورصة موسكو الذي ارتفع بنسبة 1.9%، إضافة إلى تعزيز الروبل لموقعه مقابل الدولار.

وجاء هذا الارتفاع في البورصة الروسية نتيجة الآمال المعلقة على ترامب في إلغاء العقوبات الاقتصادية ضد روسيا وتحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو.

ووفقا لمحللي الصحيفة، “فلو لم يحصل ذلك فإن الإدارة الأميركية الجديدة لن تضغط على الاقتصاد الروسي، لا سيما وأنه لا يعتمد فقط على تدفق رؤوس الأموال من الخارج، بل واستطاعت الحكومة الروسية خفض مستوى الدين كما حققت فائضا في ميزان المدفوعات.

من جانبها، نقلت وكالة “بلومبرغ” الاقتصادية الدولية، عن خبراء بنك “مورغان ستانلي”، تأكيدهم أن احتمال رفع العقوبات عن روسيا خلال عهد ترامب في عامي 2017-2018 ارتفع بنسبة 35%. أو حتى إضعاف تأثيرها تدريجيا خلال الأشهر المقبلة.

واشار بعض المحللين في الوكالة الى انه في حال تم رفع العقوبات عن روسيا فان سعر صرف الروبل سيرتفع  بين 5 و10 في المائة .

تجدر الاشارة  الى ان روسيا قد رفعت رسوم تصدير النفط  ابتداءً من الاول من شباط، بمقدار 10.4 دولار للطن الواحد.

وبحسب وثائق وزارة التنمية الاقتصادية الروسية، فإن الرسوم المفروضة على الطن الواحد من النفط الروسي المصدر ستصبح 89.5 دولار، مرتفعة من مستوى 79.1 دولار الذي كانت عليه خلال كانون الثاني الماضي.

وأفادت وزارة المالية الروسية أن متوسط سعر نفط “يورالس” الروسي، للفترة من 15 كانون الأول 2016 إلى 14 كانون الثاني 2017، بلغ 52.53 دولار للبرميل، ما يعادل 383.5 دولار للطن.

وستزيد رسوم تصدير النفط “عالي اللزوجة” ابتداء من الفترة آنفة الذكر، إلى 13.9 دولار من 12 دولارا للطن خلال كانون الثاني الماضي. بينما سيحافظ نفط شرق سيبيريا، ونفط حقول بحر قزوين، على معدلات الرسوم السابقة دون تغيير لتبقى أقل من 76 دولار.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!