الآثار الإيجابية لبرامج “التأمل”… تنمية القدرات الذهنية والجسدية


يعتبر التأمل طقساً إنسانيا ونوعا من الرياضة الفكرية والذهنية تحرر الإنسان من ضغوط الحياة، كما بات التأمل يمثل اتجاها عالميا ونمط حياة يمارسه الناس من مختلف الأديان والإتجاهات الفكرية والمذهبية، لما لنتائج ممارسة التأمل من انعكاس إيجابية على الإنسان، كونه يساهم إلى حد بعيد في تنمية القدرات الذهنية والفكرية والجسدية. وما يسترعي الاهتمام أن العلوم الحديثة راحت تتابع تقنيات التأمل وإثبات فعاليتها في علاج العديد من الأمراض النفسية والجسدية والعصبية، مثل الإكتئاب، التوتر، القلق، العدوانية وفي أعراض أمراض الجهاز العصبي، ولا سيما الألزهايمر والباركنسون وشيخوخة الدماغ خصوصا لجهة قدرة التأمل على تنمية “المادة الرمادية” الهامة في الدماغ، فضلا عن فوائده في علاج الإدمان، والآلام المصاحبة للأمراض الجسدية المختلفة. قد نحتاج لمجلدات لدراسة كافة فوائد هذه التقنيات، لذا سنكتفي في هذا المقال ببضع دراسات ومتابعات في هذا المجال. دراسات علمية عن التأمل فقد وجدت دراسة جديدة في “جامعة هارفارد” الأميركية نشرت في الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أن التأمل واليوغا يقللان تكاليف العناية الصحية بنسبة 43 بالمئة، من خلال تأثيرهما الإيجابي في مواجهة التوتر والقلق، وبالتالي على ضغط الدم المرتفع ومعدل ضربات القلب. وذكرت الدراسة أن القلق والتوتر يشكلان 80 بالمئة من الأسباب الموجبة لمراجعة الأطباء، والثالثة في نسبة النفقات الطبية بعد أمراض القلب والسرطان. وفي إحدى الدراسات تابع الدكتور جيمس ستال James Stahl وفريقه من الباحثين في “هارفارد” برنامج استرخاء خاص يستهدف الدماغ والجسم المقدم من معهد “بنسون – هنري لطب الدماغ والجسم” Benson-Henry Institute for Mind Body Medicine، في “مستشفى ماساتشوستس العام”Massachusetts General Hospital، وأظهرت النتائج أن البرنامج الذي طبق خلال ثمانية أسابيع بشكل يومي، ساعد المشاركين في تعلم أساليب عدة ومختلفة للدماغ والجسم، بما في ذلك التأمل، اليوغا وتنبيه الذهن mindfulness، إضافة إلى المهارات السلوكية المعرفية cognitive behavioral skills وعلم النفس الإيجابي، وشارك المتطوعون في الدراسة في جلسات أسبوعية مع متابعة للتأمل في المنزل أيضا. بديل فعال عن العلاجات التقليدية ووجد الباحثون أن المشاركين لم يحتاجوا للخدمات الطبية بنسبة 43 بالمئة مقارنة مع العام السابق، بتوفير بمعدل 2,360 دولارا لكل شخص متمثلة بزيارات مراكز الطوارئ، فضلا عن توفير في الرعاية الصحية بالإجمال بمبلغ 640 دولار، ويصل الى 25500 دولار لكل مريض سنويا. وفي دراسة نشرتها مجلة “ذي لانسيت” الطبية The Lancet، فإن العلاج الذي يعتمد على “التأمل العميق” من شأنه ان يكون بديلاً فعالاً عن العلاجات التقليدية المضادة لانتكاسات الاكتئاب. وافاد المتخصصون أن “حوالي نصف من سبق وأصيبوا بالاكتئاب، يتعرضون لانتكاسة مرة على الأقل في حياتهم في حال لم يتابعوا علاجاً وقائياً، وتزداد نسبة الخطر في العامين اللذين يليان الإصابة بالاكتئاب للمرة الأولى، خصوصا لدى الأشخاص الذين أصيبوا مرات عدة بهذا الاضطراب النفسي”. ويعتبر العلاج بتناول مضادات الإكتئاب لفترة طويلة العلاج الوقائي السائد حتى الآن لمنع التعرض مجدداً للمرض. إلا ان تقنية “التأمل العميق” التي تعتمد طريقة “العلاج المعتمدة على التنبيه الذهني المعرفي” Mindfulness-based cognitive therapy (MBCT) تقضي بتركيز الأفكار والمشاعر على الحاضر، وأظهرت فعالية وتفوق في الوقاية من هذه الانتكاسات مقارنة بالعلاجات الدوائية لمنع الإنتكاس وتكرار الإكتئاب. التأمل والتعليم المدرسي وفي مجال ثانٍ، وفي تجربة طاولت سان فرنسيسكو، وخصوصا من “مدرسة وادي فيسيتاسيون المتوسطة” Visitacion Valley middle school، في المنطقة المتسمة بالعدوانية بشكل عام، مع تسجيل جرائم طاولت 38 شخصا في المنطقة، فضلا عن ثلاثة قتلى ضمن حرم المدرسة في العام 2006. فقد عانت المدرسة في السابق من العدوانية بين الطلبة، ومع الهيئة التعليمية، مع تخريب لمرافق المدرسة، ومعدل للغياب هو الأكبر في مدارس المدينة بين التلامذة وأعضاء التدريس، فضلا عن محاولات الإدارة لحل هذه المشاكل من الإستشارات لخبراء متخصصين، والرياضة وغيرها، ولكن دون فائدة تذكر. تابعت المدرسة في 2007 برنامجا للتأمل بإسم “وقت هادئ” Quiet Time، وقال مدرس التربية البدنية باري أودريسكول Barry O’Driscoll: “كل سنتين تقريبا، يتم تجربة برنامج جديد، ولم أعتقد بفائدة هذا البرنامج في البداية”، ويتابع “خلال شهر فقط، وفي نيسان (أبريل) من ذلك العام، بدا الطلاب أكثر هدوءا وأقل عدوانية وأكثر سعادة، وكانوا يعملون بجد، مع إيلاء مزيد من الاهتمام للدروس وسهولة في التعليم، وانخفضت الخلافات بينهم بشكل كبير”. وجمع البرنامج في السنة الأولى 500 تلميذا، تتراوح أعمارهم بين 11 و 13 سنة، وتدنت الغيابات بنسبة 45 بالمئة، ليصل بعد أربع سنوات إلى النسبة الأقل في عدد الغيابات بين المدارس في المدينة. … وفوائد ممارسته بانتظام وطبقا لمشرف المدرسة ريتشارد كارانزا Richard Carranza تأثر معدل علامات الطلبة إيجابيا، مع نسبة دخول التلامذة إلى “مدرسة لويل الثانوية” العريقة Lowell High School تقدر بـ 20 بالمئة مقارنة مع السنوات السابقة، إذ نادرا ما كان تلامذة المدرسة يقبلون في هذه المدرسة، ومن النتائج الإيجابية في ثلاث مدارس أخرى، شجع كارانزا على تبني هذا البرنامج في كل مدرسة، ويذكر في هذا السياق أن المملكة المتحدة تبنت برنامجا مماثلا يشمل 400 مدرسة ثانوية. التأمل ليس علاجاً لجميع الأمراض، وإنما هناك العديد من الأدلة التي تبين فوائد ممارسته بانتظام. وتهدف العديد من الشركات مثل “آبل” و”غوغل”، إلى إدخال هذه الممارسة إلى أنشطتها. لكن حذر بعض العلماء والخبراء في التقنيات كون التأمل يجب أن يكون بإشراف خبير، إذ قد يؤدي إلى بعض التأثيرات السلبية في ظروف معينة، وفي حالات قليلة بالرغم من كونه مفيداً لأغلب الأشخاص.

Author: Jad Ayash

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!