تأثر به غاندي ومارتن لوثر كينغ… تولستوي الروائي الأعظم في التاريخ


يبقى الأديب الروسي ليو تولستوي (1828 – 1910)، أحد أبرز أعمدة الأدب الكلاسيكي العالمي، وباني المدماك الأهم في صرح الأدب الروسي إلى جانب فيودر دوستويفسكي وإيفان تورغينيف وغيرهم، كيف لا؟ وهو صاحب الملحمة التاريخية “الحرب والسلم” التي شكلت قمة الإبداع والسرد الأدبي للأحداث السياسية والعسكرية في أوروبا بين 1805 و 1820، وأبرزها غزو نابوليون لروسيا عام 1812. ولا نستغرب أن يصنف الغرب قبل نحو خمس سنوات تصنيف تولستوي على انه الروائي الأعظم في التاريخ، ووضعت مجلة “نيوزويك” رواية “الحرب والسلم” على رأس قائمة بأسماء مئة رواية من روائع الروايات في العالم، كما لم يكن تولستوي روائياً وفيلسوفاً وحسب، انما هو كتب مؤلفات عديدة في الشؤون التربوية التي لها علاقة بالمدارس والتعليم، والمعروف انه بنى مدرسة اشتهرت في قرية مجاورة لمنزله وصارت تستقبل التلامذة من كل حدب وصوب وكانت تعرف “بمدرسة تولستوي”. ولقد حاول تولستوي تعليم اولاد الفلاحين في تلك المدرسة التي أسسها في العام 1860. أرستقراطي لبس ثياب الفقراء حين بلغ تولستوي الثمانين من عمره، كانت شهرته قد جابت الآفاق، وترجمت أعماله الى لغات عديدة، وكان أرستقراطياً حقيقياً يحمل لقب الكونت ليو نيكولايفيتش تولستوي، ويعيش حياة رغد ونعيم مع عائلته بثروة كبيرة جمعها من نجاحه العالمي، وبممتلكات وصلت الى أن يمتلك القرية التي يعيش فيها. لكن تولستوي الذي كان قد بدأ يميل منذ سن السبعين الى تغيير كل نمط حياته، تنازل عن ضيعته لأهلها وعن أرباح مبيعات كتبه لزوجته، ولبس ثياب الفقراء وراح يعيش في الحقول المجاورة لبلدته يكسب ماله بعرق جبينه. وذاع صيته في روسيا وخارجها وتهافت الناس يبحثون عنه لمعرفة تفاصيل حياته باعتباره فيلسوفاً له مبادئه الخاصة. أما زوجته، فقد ثارت على كل هذا الموضوع وسعت الى اتهامه بالجنون لاستعادة ممتلكات العائلة، واعتبرت أن حياته بين الفلاحين ونومه في أكواخهم وارتداءه ملابس تشبه ملابس الفقراء أمر يدعو الى الاشمئزاز. وكان ردّ تولستوي عليها برسالة طويلة وشهيرة تركها لها ذات يوم قبيل رحيله النهائي عن المنزل وجاء فيها: “أصبح وضعي غير محتمل في هذا المنزل يا صوفيا. لم أعد قادراً على ممارسة حياتي اليومية في هذه الرفاهية التي تحيط بي وبات الثراء يخنقني. وما أنشده هو عالم من السكون والوحدة، لا يفسده ضجيج المال، وأنانية الثراء، ووحشية الرغبة في التملّك…”. في كل هذا نقرأ حياة تولستوي، وكأنه اختار في عرشه على مملكة الأدب والكتابة أن يقول إنها ليست مملكة من هذا العالم، فلا تاج ملكها مرصّع بالماس والذهب ولا ثيابه ولا ماله ولا قصوره لها علاقة بممالك الأرض. “الحرب والسلم” أعظم الروايات في التاريخ وصف نفسه يوماً “إن جسمي يشدّني الى شكل فلاح روسي حقيقي…”، وهو كان شغوفاً بالمعرفة والعلم ومعروف عنه قوله: “أشعر بحاجة ملحّة الى أن أعرف وأعرف وأعرف وأعرف…”. ويقال بأن لينين طوّر شعاره الثوري منه فقال: “أيها الرفاق، تعلموا تعلموا تعلموا”. ولد الكونت ليو أو ليف تولستوي في 9 أيلول (سبتمبر) 1828 في قرية روسية صغيرة هي “ياسنايا بوليانا” وتمتلكها عائلته الأرستقراطية قرب موسكو. توفي والده وهو لما يَزَل صبياً صغيراً، فتولّت خالته تربيته، وبدأ يتلقى علومه على يد مدرسين خصوصيين. في العام 1844 وكان في السادسة عشرة، التحق بجامعة قازان، وفي تلك المرحلة، ظهرت لديه الميول الثورية والانتقادية البنّاءة، وترك الدراسة عام 1847 قبل أن يتخرّج وعاد الى مسقط رأسه، ثم بدأ بتثقيف نفسه ثم شرع في الكتابة. ومن مؤلفاته في البدايات: “الطفولة” نشرها عام 1852، ثم “الصبا” 1854، و”الشباب” 1857، وفي تلك المرحلة من الكتابة كان مسافراً الى القوقاز حيث شارك في الحرب القوقازية. كما شارك في حرب القرم متطوعاً في الجيش، وأظهر فيها شجاعة فائقة، لكنه كره الحروب وما ينتج عنها من بشاعات، فكتب من وحي تجربته هذه “القوقاز” عام 1863 وتحتوي على قصص قصيرة، وبعدها كتب “قصص من سيفاستوبول” عالج فيها موضوع الحرب. لكن كتابه “الحرب والسلم” الذي يُعتبر حتى اليوم من أعظم الروايات في التاريخ، فقد كتبه بعد تلك التجربة القاسية في الجيش والحروب، وتحديداً بين 1863 و1868 ليصدر في العام 1869. غير ان الظاهر من رواية “الحرب والسلم” المتعلق بهذه الأحداث هو جزء بسيط منها، فتولستوي رسم صورة عن البلاد بأسرها ودخل في تفاصيل حياة أفراد في المجتمع الروسي، حيث القارئ مدعو الى موسكو في بداية القرن التاسع عشر: في غرب البلاد الحروب التي يقودها نابوليون في أوجها، اما في موسكو فاللقاءات الاجتماعية تتواصل، خصوصا تلك التي تضم شخصيات سياسية تدلي بآراء حول الحرب “بالفرنسية” التي صارت منتشرة آنذاك في المنطقة، واللقاءات تعني الحفلات ودعوات على العشاء، والعيش اليومي الهانئ الى حين يأتي يوم ويدخل بونابرت الى روسيا: الكل ينهض لمواجهة الاحتلال. حاول تولستوي ان يجسد من خلال شخصيات رمزية تصور كل المجتمع الروسي تلك الحقبة المحتدمة: الجندي الشاب والمناضل نيكولا وشقيقته ناتاشا ووالدهما الكونت روستوف، والأمير اندريه بولكونسكي وبيار، الابن غير الشرعي للكونت بزوكوف. ولكن ثمة ما حصل بعد أعوام حين كتب تولستوي روايته الطويلة الثانية، وكانت بعنوان “آنا كارينينا” وصدرت عام 1877 وكانت رائعته الثانية التي انتقل من خلالها من معالجة الشؤون السياسية والوطنية الى القضايا الإنسانية والفلسفية العميقة، وهو وضع فيها بطلة نموذجية تدعى “آنا” وقعت أسيرة عواطفها الجامحة، وشغفها بحب رجل جعلها تثور على مجتمعها وواقعها، وبهذه الرواية وجه الكاتب ضربة موجعة في وجه الأسس العائلية الزائفة في مجتمعه. “آنا كارينينا” رواية الكمال وإذا كان تولستوي قد كتب بعد روايتيه “الحرب والسلم” و”آنا كارينينا” العشرات من المجموعات القصصية، فإن الرواية لديه طبعت مسيرته، وتعد “الحرب والسلم” ذات قيمة تاريخية، حيث الأحداث في تدفق مستمر من تاريخ البلاد، ومن حاضره في حياة الأبطال وهم في خمس عائلات روسية تمر في تجارب إنسانية، وبخاصة بطله بيار بيزوخوف الكاتب المحب للسلم الذي يتلقى الاهانات من كل صوب في مجتمعه، لرفضه خوض الحروب والمشاركة فيها على غرار شباب جيله، لكنه بعد غزو نابوليون بلاده ومشاهدته أهوال ما حدث من حوله انضم الى صفوف المقاتلين، وعاش تجربة قاسية بين مشاعره الوطنية وواجبه بالدفاع عن عائلته ومحيطه ومبادئه الرافضة لفكرة القتل ليصل في نهاية المطاف الى حالة اكتئاب من واقع الطبيعة الإنسانية وكيف ان الإنسان يميل الى تمجيد القتل والحروب. وإذا هو وضع في “الحرب والسلم” 600 شخصية مثلت مجتمع بلاده فكل شخصية كانت قائمة بذاتها وتتفرد بتاريخها. اما كتابه “آنا كارينينا” فقد غاص فيه وعبر شخصية بطلته الى عمق القلب الإنساني النابض بالعواطف والأحاسيس، واستطاع ان يفهمه بمقدرة غير عادية وتمكن من رؤية الحقيقة المجردة والعارية الكامنة فيه، وقد اعتبر كبار النقاد كما الروائي الكبير دوستويفسكي من بعده انها رواية “الكمال”، وان مغزاها يشكل امتداداً لرؤية تولستوي الخاصة الى الإنسانية في الجريمة والخطيئة والشر مقابل السلم والحنين، وكل ما عاشته بطلته “آنا” ليس أكثر من ذريعة ثانوية استعان بها الكاتب للولوج من خلالها الى الحقيقة الكبرى التي سعى كل حياته لشرحها أو الإفصاح عنها. ومئات الأبطال في “الحرب والسلم” اختصرهم هنا في شخصية واحدة وإن وصفها من حولها مجتمع بكامله. لكن ثمة تشابها كبيرا بين تولستوي و”آنا” بطلته وإن هي من نسج الخيال وشيء من الواقع، وقد حدث فعلاً في منطقة مجاورة لسكن الكاتب ان انتحرت امرأة بسبب الحب ورفضها لواقعها وتأثر أشد التأثير بالحادثة. غير ان تولستوي يلتمع في صورة وجه “آنا” في المرآة، في مرآة روحها المتعطشة الى الانعتاق والتحرر، وقد اثارت هذه الرواية جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية الروسية، لكن بعد فترة وجيزة صارت واحدة من روائع الادب المكرّسة، حتى قال فيها دوستويفسكي: “ليس ثمة عمل ادبي في أوروبا كلها يمكن مقارنته بها”، فشكلت “آنا” مع حبيبها وعشيقها “الكونت فيرونسكي” ثنائياً في لائحة أساطير الحب الخالدة. ولم تكن نهاية “آنا” غير متوقعة، وقد جسدها الكاتب مأساوية، انما مجبولة بذاك المجهول الذي مضت صوبه البطلة بموتها، وكأن دائرة التعاسة معه قد اقفلت على انعتاق وتفلت يعبقان برائحة الحرية التي تبدو اكسيراً لمأساة هؤلاء الذين يصفهم منذ الجملة الاولى في الرواية بالتالي: “كل الأسر السعيدة متشابهة، اما الاسر التعيسة، فلكل منها قصتها المختلفة وتعاستها الخاصة والمميزة…”. القصة والمسرح والسيرة وإذا كانت الرواية قد حجبت الرؤية لفترة زمنية معينة عن باقي أعمال تولستوي من شدة تأثيرها على القرّاء والنقّاد، أو حتى في البداية من شدة القسوة عليها من السلطات الروسية وخصوصا من الكنيسة، فإن مجموعات القصص القصيرة الى جانب المسرح وكتب السيرة، وأيضاً الأبحاث في الفلسفة والتربية والدين والتي تعد بالعشرات، تعطي مجتمعة فكرة واضحة وشاملة عن فلسفة تولستوي وفكره، كما تروي السيرة في محطات حياته المتنوعة: “قصص من سيباستوبول” 1855، و”عاصفة الثلج” 1856، “بوليكوشكا” 1863، “موت ايفان ايليش” 1886، “السيد والخادم” 1895، “هكذا يموت الحب” و”مذكرات مجنون” و”الاب سيرج” 1898، “ما رأيت في الحلم” 1906، وغيرها من القصص القصيرة. اما في المسرح فكتب “قوة الظلمات” عام 1887 و”ثمار العلم” 1890. وفي الفلسفة والدين وعلم الاجتماع والتربية كتب: “ديني” 1885، و”فيزيولوجية الحرب” 1887، “مدرسة إياسنايا بوليانا” 1888، “المال والعمل” 1890، “ما هو الفن؟” 1898، “أفكار الرجال الحكماء لكل الأيام” 1903 وغيرها. اما كتاباته في السيرة الذاتية فهي من أكثر المؤلفات المؤثرة لديه لما يتميز به في كيفية ربط حياته اليومية ببحثه الفلسفي العام: “طفولة” و”عمر الشباب”، اما أجمل مؤلفاته في هذا المجال فهو كتاب “اعتراف” (1879 1882)، وقد وضع فيه عصارة تجربته في الحياة والموت، وحاول في كتابته ان يجيب عن السؤال التالي: “ما هو المعنى الذي لا يحطمه الموت، أو الذي لا يدركه الموت؟”، وكانت ثمرة تجربته أن كل ما تعلمه ترجمه في النصف الأخير من حياته في سلوك يعبر عن معنى الحياة. أشهر أعماله التي كتبها في أواخر حياته، فهي “البعث” و”الشيطان” ورواية “الميت الحي”، وفي كل ما كتبه تولستوي خصوصا في “مملكة الرب بداخلك” اعتنق أفكار المقاومة السلمية النابذة للعنف والقتل، وهو اثر بذلك خصوصا في الكتاب الأخير المذكور في حياة وقرارات العديد من الشخصيات عبر التاريخ، وابرز من تأثر به المهاتما غاندي في الهند والأميركي مارتن لوثر كينغ اللذان اعتمدا في نضالهما على سياسة السلم.

Author: Jad Ayash

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!