إسقاط الشراكة عبر الهادئ شعبوي


 

عام 2011، بلغ العجز الأميركي التجاري السنوي مع كوريا الجنوبية 13 بليوناً و199 مليون دولار. وفي آذار (مارس) 2012، دخل حيز التنفيذ اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، فارتفع العجز التجاري الأميركي إلى 16 بليوناً و616 مليون دولار، ونهاية العام الماضي، أقفلت البيانات التجارية الأميركية على عجز تجاري أميركي مع سيول بلغ 26 بليون و468 مليون دولار، أي بزيادة مئة في المئة عمّا كان عليه قبل إبرام الاتفاق بين البلدين. معارضو التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ودول العالم يقدمون الاتفاق مع كوريا الجنوبية مثالاً على مساوئ هذا النوع من الاتفاقات، التي يندر أن تحقق أي فوائض تجارية للأميركيين، بل هي تفتح سوقهم الضخمة أمام بضائع أجنبية أرخص من صناعتهم المحلية، ما يقضي على القطاعات المحلية، ويقفل مصانعها، ويشرّد عمالها.

المرشحان الرئاسيان الديموقراطي بيرني ساندرز والجمهوري دونالد ترامب تسلقا موجة معاداة التجارة الحرة داخل الولايات المتحدة، وأجبرا المرشحة هيلاري كلينتون، التي خاضت جولات مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق «الشراكة عبر الهادئ» أثناء عملها وزيرة للخارجية، على التخلي عن هذا الاتفاق وإعلان معارضتها له. وخصّ ترامب كلينتون وزوجها الرئيس السابق بيل، بالانتقاد لتأييدهما التجارة الحرة، فاتفاق التجارة الحرة «نافتا»، الذي يجمع أميركا مع جارتيها كندا والمكسيك، بدأ التفاوض عليه في عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب، لكن جرت المصادقة عليه أثناء رئاسة كلينتون الديموقراطي. كذلك «الشراكة عبر الهادئ»، بدأت مفاوضاتها في عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن، واستكملها الرئيس الديموقراطي باراك أوباما، قبل أن يستحصل على موافقة مبدئية من الكونغرس، الذي تسيطر عليه غالبية جمهورية.

على أن تأثير إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق لا يغير أموراً كثيرة اقتصادياً، فالاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ فعلياً. وتزامن إعلان ترامب مع تصريحات له ولمساعديه أعلنوا فيها نيتهم تعديل «نافتا»، وباقي اتفاقات التجارة الحرة التي تجمع أميركا مع دول العالم. ولا توجد في «نافتا» بنود تسمح بتعديلها، بل هي تسمح فقط بإلغاء الاتفاق، في وقت أعلنت فيه كندا استعدادها الخوض في أي نوع تعديل. أما المكسيك، فهي طالبت باقتراحات واضحة حتى تعلن موقفها من أي تعديل محتمل للاتفاق.

ويردد ترامب أنه لا يعارض التجارة الحرة من حيث المبدأ، ولا الاتفاقات التي تصادق على هذا النوع من الشراكات الاقتصادية، لكن ترامب يعترض على «تقاعس» الإدارات الأميركية السابقة، وعلى موافقتها على اتفاقات تأتي عادة في مصلحة الطرف الآخر وضد مصالح أميركا وصادراتها، ما يؤدي إلى فتح أسواقها، وإضعاف صناعتها، ورفع البطالة فيها. وعلى رغم أن دراسات أميركية سبق أن أشارت إلى أن ثمانية في المئة فقط من كل الوظائف التي خسرها الأميركيون منذ العام 1979 سببها التجارة، وأن 92 في المئة من الوظائف خسرها الأميركيون بسبب المكننة وتطور التقنيات الصناعية، إلا أن ترامب يجد في حربه على التجارة أمراً مربحاً شعبياً وسياسياً.

وحاول مؤيدو «الشراكة عبر الهادئ»، ومنهم عتاة الجمهوريين مثل «غرفة التجارة الأميركية»، وهي منظمة خاصة، إلى الإشارة إلى أن الاتفاق يؤدي إلى إنشاء منطقة اقتصادية يبلغ حجمها 40 في المئة من الاقتصاد العالمي، إلا أن معارضي الاتفاق اعتبروا أن أميركا تشكل ٦٩ في المئة من حجم إجمالي اقتصادات الدول الإثني عشر الموقعة له، ما يعني أنها الخاسر الأكبر، وأن الاقتصادات الصغيرة، مثل ماليزيا وسنغافورة، هي الفائز الأكبر.

وتعرض ترامب لحملة انتقادات واسعة، من الجمهوريين والديموقراطيين، اتهمته بتقويض مصلحة الصادرات الأميركية، إلا أن الرئيس الأميركي رد بأنه يرغب في استبدال الاتفاقات التجارية القائمة بأخرى أكثر إنصافاً للصناعات الأميركية. ويبدو أن المحرك الأول لرؤية ترامب الاقتصادية هو محاولته رأب الصدع الكبير في الميزان التجاري الأميركي، مع ما يعني ذلك من استهداف الصين، أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة. ويبلغ معدل العجز الشهري الأميركي مع الصين 35 بليون دولار، من أصل 50 بليون دولار يتراوح حولها العجز الأميركي شهرياً. وبعد الصين، يستهدف ترامب سلسلة من الدول تعاني أميركا من عجز تجاري أصغر معها، منها المكسيك بواقع خمسة بلايين شهرياً.

لكن ترامب لا يبدو أنه يستهدف الدول الأوروبية، فالعجز الأميركي مع ألمانيا بلغ خمسة بلايين دولار شهرياً على مدى العام الماضي، فيما بلغ 1.5 بليون مع الفرنسيين.

هل يمضي ترامب في تمزيق اتفاقات الشراكة التجارية؟ حتى الآن، تبدو معظم خطوات ترامب استعراضية شكلية، فإلغاء «الشراكة عبر الهادئ»، كما وعد في الأيام الأولى من رئاسته، لا يغير كثيراً. لكن الوعد الذي لم يلتزم به ترامب حتى الآن هو إعلان الصين «متلاعبة بالعملة»، وهو ما من شأنه إشعال حرب اقتصادية بين الجبارين الاقتصاديين. وستظهر الأيام المقبلة مدى التزام الرئيس بوعوده الشعبوية للأميركيين حول التجارة الدولية واتفاقاتها.

حسين عبدالحسين

الحياة

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!