المعجزة الموسيقية موزارت


إذا كان يوجد بين الموسيقيين معجزات، ف”موزارت” (1756-1791م)، هو معجزة المعجزات، التي عاشت على هذا الكوكب. موسيقاه تمثل الحضارة الإنسانية بأسمى معانيها. سوف يوضح هذا المقال لماذا؟

تعالوا معي، نستعرض حياة هذا العبقري الفذ، ونحن نستمتع بموسيقاه الملائكية العذبة، التي ليس لها شبيه أو بديل. لايمكن أن تكون قد أتت، إلا مع وحي السماء. شئ لم يرد علينا أو نسمعه من قبل.

لحن من أوبرا لموزارت (Il Re Pastore)، غناء “لوسيا بوب”.
http://www.youtube.com/watch?v=fCrv4bPyBBg

عندما ولد “ولفجانج أمادياس موزارت”، عام 1756م، كان والده إماما في مصلى دوق “سالزبورج”. سوف نبدأ قصتنا بمعجزات الطفل وهو صغير، فهي لاتزال تعرض في المتاحف حتى الآن.

عندما كان يحبو، كان يقترب ممن يعزف على آلة الهارب، ثم سرعان ما يهز رأسه ويدندن بأنغامها الموسيقية. كانت تزعجه الأنغام الغير متناسقة والضوضاء. لا يعجبه من لعب الأطفال، إلا اللعب التي بها موسيقى.

هل حب الموسيقى شئ وراثي؟ يقال أن الطفل يستمتع بالموسيقى وهو لايزال في بطن أمه. فهل كل الأطفال كذلك؟ هل عمل الأب بالموسيقى، أو غناء الأم وهي حامل، له دخل بظهور أم كلثوم وأسمهان وليلى مراد؟

عندما كان عمر “موزارت” خمس سنوات، بعد إلحاح منه، سمح له بالعزف على الكمان، بعد أن حُمل ووضع على كرسي مرتفع، وضعت آلة الكمان أمامه.

بالرغم من أنه لم يكن قد تدرب على اللحن مسبقا، إلا أنه عزف دوره جيدا. بوجه الطفل البرئ، وعيناه الواسعتان، وأنامله الرقيقة، التي تلعب بالأوتار، لابد أنه كان يشبه ملائكة الموسيقى التي صورها رساموا القرون الوسطى.

في هذا السن المبكر، قام بتأليف كونشرتو للهارب. قصاصة الورق التي كتب عليها النوته الموسيقية، لا تزال عليها بقع الحبر، التي عادة ما يلطخ بها الأطفال صفحاتهم المدرسية. جودة التأليف الموسيقي للكونشرتو، أسعدت والده سعادة بالغة.

عندما بدأ في أخذ دروس في الموسيقى، كان يذوب ذوبانا في اللحن، يعالج بيديه الصغيرتين أصعب الجمل الموسيقية، بطريقة تدعو للإعجاب. لقد كان الطفل يعيش ويفكر بالموسيقى.

لكنه في نفس الوقت، كان طفلا رقيقا حساسا، محبا لوالدية ولحياة الأسرة. كان يقول: “بعد الله، يأتـي والدي”. كان يحب، إلى جانب الموسيقى بالطبع، علم الرياضيات.

كان يلعب ويذاكر دروسه مع أخته الصغيرة التي تكبره بخمس سنوات. هي الأخرى كانت طفلة موهوبة. وكان الأب فخورا بهما، كان يعتبرهما من معجزات الله.

عندما بلغ “ولفجانج”، عمر 6 سنوات، قرر الأب عمل رحلة بمصاحبة طفليه المعجزتين. قام بزيارة عدة عواصم أوروبية. استغرقت الرحلة ثلاث سنوات. وكان الطفلان يبهران ويبهجان من يستمع إليهما.

عندما وقف الصغير “موزارت” أمام الامبراطورة الرائعة “ماريا تيريزا”، والدة “ماري أنطوانت” في قصرها المهول، نسي المراسيم الملكية التي درب عليها لهذه المناسبة، واقترب من الإمبراطورة. جلس في حجرها، ووضع ذراعيه حول عنقها، ثم قبلها.

بعد ذلك، ذهبوا إلى مسرح البلاط، وصعد الأب وهو ممسكا بكل يد طفل، إلى خشبة المسرح. أمامهم تجلس خادمات البلاط الألمانيات الجميلات بملابسهن المميزة.

كان يجلس كذلك، رجال البلاط بسراويلهم الضيقة التي تغطي الركبة، وحبالهم الحريرية المتدلية، ومعاطفهم الساتان المطرزة اللامعة، وشرائط الدانتلا المكشكشة، والبواريك المنمقة والممشطة والمبدرة والمعطرة، والسيوف المطهمة.

في البداية، قام الطفلان بتحية المستمعين. ثم قاما بالعزف فرادا، ثم معا، “دويتو”. إما على آلة الأورغن أو الهارب، أوالبيانو أو الكمان. في نهاية العزف، ربت الامبراطور على رأس “ولفجانج” الطفل، قائلا: “أيها الساحر الصغير”.

سمح للطفلين بمرافقة الأميرات الصغيرات في اللعب. كان “ولفجانج” الطفل، مولعا بالأميرة “ماري أنطوانت”. عندا انزلق وهو يلعب على أرض القصر الملساء اللامعة المدهونة بالشمع، قامت الأميرة بمساعدته على النهوض من الأرض. فقال لها ببراءة الأطفال: “أنتي طيبة، سوف أتزوجك يوما ما”.

الشاعر جوته، عندما كان عمره 14 سنة، سمع الطفل “موزارت” في فرانكفورت أثناء هذه الرحلة. قال عنه فيما بعد:”لازلت أتذكر الطفل الصغير، وهو يلبس الباروكة ويحمل سيفه”.

في مدينة “هيدلبيرج” جنوب ألمانيا، دهش العمدة من براعة “موزارت” في العزف على آلة الأورغن، إلى الدرجة التي جعلته يأمر بحفر اسمه على الآلة. في فرنسا، استقبل في بلاط قصر “فيرساي”.

هناك، سحر أداء “موزارت” المتنوع، المستمعين. شعر بالاشمئزاز، عندما رفضت، السيدة الأرستقراطية عشيقة لويس الخامس عشر، مدام “بومبادور” تقبيله، تساءل الطفل متعجبا من عجرفتها وقلة ذوقها، قائلا: “ألم تقبلني الملكة نفسها؟”.

عنما كان في باريس، نشر أول مؤلفاته في هذه السن المبكرة، (7 سنوات): “أربع سوناتات للهارب والبيانو”. في ذلك الوقت، كانت الموسيقى الأجنبية شائعة جدا في إنجلترا.

قام الطفلان بالعزف أمام الملك والملكة، في قصر “باكنجهام”. وضع الملك نسخة من نوتة موسيقية ل”باخ” وأخرى ل”هاندل”، أمام موزارت، فقام بعزفهما بمهارة بالغة.

في لندن، أعلن عن حفل موسيقي، تحييه: “المس موزارت”، 13 سنة، و”المستر موزارت”، 8سنوات. مع افتتاحيات موسيقية من تأليف الصبي. الملك والملكة، حضرا جزءا من الحفل. سيدات المجتمع كن حاضرات لسماع الطفين المعجزة.

الاهتمام الملكي، جعل كل أنواع الهدايا تنهمر على الطفلين. لعب أطفال، خواتم ذهبية وجواهر، شرائط حريرية، زراير لامعة، أبازيم أحذية، سيوف مطهمة، بواريك، وحتى علب نشوق.

كان الأب حريصا على ألا تفسد، هذه الهدايا، تركيز الطفلين على الموسيقى. فضلا عن أنه كان فقيرا، يريد تدبير مصاريف الرحلة، فكان يحول معظم هذه الهدايا إلى نقود.

وصلوا أمستردام أيام الصوم الكبير للمسيحيين. كانت كل الأنشطة الترفيهية والملاهي مغلقة في ذلك الوقت. لكن، بالرغم من ذلك، صدر إذن خاص، يسمح لهم بإقامة حفل موسيقي. بحجة، كما قيل في البيان، أن: “الموهبة الرائعة لهاتين الطفلين، هي في حد ذاتها تمجيد لعظمة الرب”.

لقد أسهبنا في سرد حياة الطفل “ولفجانج أمادياس موزارت”، بشئ من التطويل، الذي أرجو أن لا يكون مملا، لسبب. لأن حياته فيما بعد، سوف تتباين بشدة، كما سنرى، مع حياته السعيدة الأولى.

عندما كان عمره 12 سنة، دعاه الامبراطور لكي يلحن أوبرا، للعرض في فيينا. جلس “موزارت” لكي يكتب الأوبرا، بينما كان الموسيقيون الكبار ينتفضون غضبا وحسدا. لأنه سمح لطفل صغير لكي ينافسهم في حرفتهم. لذلك، لم تعرض الأوبرا إلا في مدينة “سالزبورج”.

زيارة إيطاليا في ذلك الوقت، هي بمثابة جزء من دراسة كل مؤلف موسيقي. لذلك، كان سرور “موزارت” بالغا، عندما أخبره والده بعزمه السفر إلى أرض الأغاني والفن والجندول، إيطاليا.

هذه المرة، بقيت أخته المعجزة بالمنزل مع والدتها. تخبرنا الخطابات التي كتبها موزارت أثناء الرحلة، كم كان سعيدا عندما رأى عجائب إيطاليا، وجلال الموسيقى التي سمعها. كان يوصي أخته بالعناية بكلبها وعصفورها الكناريا، ويسأل عما إذا كان العصفور لايزال يغني على نغمة مفتاح (G).

وصلوا إلى روما في أسبوع الأعياد الدينية. في مصلى “سيستين”، استمع إلى القداس الديني العظيم. عندما كان الحبر الأعظم والكرادلة يركعون أمام المذبح.

هذا القداس، كان هاما بالغ القيمة للإيطاليين. لقداسته وأهميته، لم يكن يسمح بكتابة موسيقاه في نوته موسيقية. من يخالف ذلك، كان يعاقب بالطرد من رحمة الكنيسة.

بعد أن سمع “موزارت” القداس مرة واحدة، كتب موسيقاه من الذاكرة. وعندما ذهب للكنيسة للمرة الثانية، كانت النوته الموسيقية في قبعته، لكي يصحح أي خطأ في كتابتها.

في إيطاليا، حصل موزارت على دبلومات وشهادات تقدير في الموسيقى. منحه البابا وسام “المهماز الذهبي”، الذي يمنح للفرسان.

أيام كثيرة مشرقة مرت أثناء سفر موزارت مع والده، وإقامته لحفلات موسيقية في عدة مدن. لحن لمدينة ميلانو، أوبرا “ميلتياديس”. عرضت هناك عام 1770م بنجاح. أخيرا، عادا إلى “سالزبورج”، موطنهما. هنا، قام رئيس الأساقفة، بتوظيف الأب والإبن.

كان رئيس الأساقفة، منبهرا بالصغير موزارت. إلا أنه كان منضبطا يدقق في كل شئ، والأجر كان ضئيلا. مما كان يغضب الشاب “ولفجانج”. قبل أن يصل إلى سن العشرين، كان “موزارت”يرجو إعفاءه من هذه الوظيفة، والبحث عن غيرها.

سافر “موزارت” بعض الوقت مع والدته. بينما كانا يقضيان فصل الشتاء في “مانهايم”، قابلا الموسيقي “ويبير”. سمع موزارت ابنته “ألويشيا” وهي تغني.

صوتها الرائع، سيطر عليه سيطرة كاملة. كان مستعدا لترك كل شئ والذهاب مع “ويبير” وابنته إلى إيطاليا. لكن الأبوين تدخلا، لأنه كان صغيرا حتى يربط مستقبله الباهر بأي فتاة. أخذ “موزارت” بنصيحة أبويه، وترك حكاية الحب هذه مؤقتا.

قضى “موزارت” شتاءي 1778 و1779م، في باريس. كان يتذكر الحماس الذي قوبل به هنا عندما كان طفلا. إلا أنه الآن أصبح شابا يافعا. وكانت باريس في حمى الصراع بين “جلوك” و”بوتشيني”.

كان “موزارت” مشمئزا من كل شئ هنا. أضف إلى ذلك، فقده لأمه الحبيبة أثناء الشتاء في باريس. مع أحزانه هذه، سمح له والده بالذهاب إلى ميونخ لكي يرى حبيبته “ألويشيا ويبير”، التي كانت تغني هناك.

لكن “ألويشيا” قابلته بفتور. صدمة كبيرة. ثم ذهب إلى آلة البيانو لكي يغني أغنية مطلعها: “ها أنا أترك الفتاة التي لم تعد تحبني”، ثم أخذ طريقه عائدا إلى بلده “سالزبورج”.

كانت الأوبرا الإيطالية، هي الأوبرا السائدة في ألمانيا. عندما كان عمر “موزارت” 24 سنة، بدأ حرفته كمؤلف موسيقى كلاسيكية، بتلحين أوبرا ألمانية. الموضوع، أسطورة يونانية قديمة باسم “أيدومينيو”، ملك كريت.

كان لحن الأوبرا رائعا، لشاب في مقتبل العمر. عمل ناجح بكل المقاييس، مليئ بالهارمني. بعد فترة، قرر الإقامة في فيينا. حيث يتنافس الأمراء على رعاية الموسيقى وإقامة الحفلات وتشجيع حلبات الرقص وعروض الباليه.

هناك تتجمع أيضا كوكبة من المؤلفين الألمان. حقا بينهم تنافس، لكن هذا شئ طبيعي. يوجد أيضا، الامبراطور “جوزيف الثاني”، المحب للأوبرا الإيطالية.

قابل الامبراطور بحفاوة الموسيقي الشاب “موزارت”. قابل هنا أيضا “ويبير” وابنته، بعد أن فقدا أملاكهما، وكانا سعداء بمقابلته. بقي معهما فترة صغيرة من الوقت.

وجد “موزارت”، “كونستانزي”، أقل تفاهة من أختها الكبرى “ألويوشيا”. أعطاها دروسا في الموسيقى، في نفس الوقت، كتب أغاني حب لأوبرا جديدة.

بطريقة ما، اختلطت الدروس بأغاني الحب والغرام. سرعان ما تحول الحب إلى خطوبة. كانت هناك معارضة شديدة، لكن الزواج تم على أي حال عام 1782م.

كان يبغي “موزارت” من الزواج، الحصول على وظيفة لدى الامبراطور، لكنه لم يحصل على الوظيفة. إلا أن الزواج كان سعيدا بالرغم من ذلك.

منزل “موزارت” كان دائما في فيينا. هناك، كان يعمل موزارت كمدرس، عازف بيانو، ومؤلف موسيقي. وكانت زوجته، بمرحها وحكاياتها المسلية، مصدر إلهام لزوجها، بينما كان يكتب ألحانه الموسيقية الميلودي.

لكن لم تكن شئون المنزل دائما على ما يرام. “كونستانزي” لم تكن قوية. “موزارت” كان بشوشا، مهملا ومسرفا. كان في بعض الأحيان يجد صعوبة في شراء خبز يومه، ليقيم أود زوجته وأطفاله. هذا أذله وكسر كبرياءه.

مما جعل الأمر يزداد سوءا، كانت هناك عصابات ضد موسيقاه، وكان يشعر أنه لا يقدر حق قدره. ذات مرة، بينما كان يتحدث في حفل استقبال في أحد المدن، قال: “عندما كنت أعزف هناك، شعرت أن من كان يستمع لي، هم الكراسي والمناضد فقط”.

هذا هو الرثاء الحقيقي، لحياة عظيمة، ليس هناك متعة في تسجيل آلامها. لكنه، كان له العديد من المعجبين. كان يتلقى منهم الهدايا الجميلة، مثل الساعات، علب النشوق، والخواتم، وكان يبيعها لتغطية مصاريف البيت، تماما كما كان يفعل والده أثاء رحلته بين المدن الأوروبية وهو صغير لتغطية مصاريف الرحلة.

بالرغم من ذلك، بلغ “موزارت” أوج عبقريته الفنية، عندما، في عام 1784م، لحن أوبرا “زواج فيجارو”. أثناء التدريب، كان أعضاء الفرقة الموسيقية، يصرخون من البهجة، ويتوقفون عن العزف قائلين: “عاش موزارت العظيم”.

جن جنون فيينا بالأوبرا. الامبراطور، كان مضطرا لحزف بعض الفقرات لكي يجعل زمن الأوبرا معقولا. الألحان كانت لكل الرقصات. ومع هذا، كان الأجر ضئيلا للغاية، إلى الدرجة التي جعلته يعود ثانية لإعطاء الدروس الموسيقية.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!