جيمس جويس


..
أتذكرون ذلك المشهد من أحد مسلسلات الكرتون الذي يطلب فيه ربان السفينة من رجاله أن يربطوه بسارية السفينة لكي لا يتأثر بغناء الساحرات عندما يمرون بجزيرة مسحورة فيها حوريات تغني وكل من يسمع غناءها تسحره وتشده إليها.. أو تلك النباتات الغريبة التي يكتشفها المغامرون أثناء تجوالهم في أراض غريبة عنهم فيأكلون منها لتسبب لهم نوبة هستيرية من الضحك المتواصل.. وغيره كثير من الحكايات التي نكتشف فيما بعد أنها حكايات وأساطير عالمية كتبها أدباء عالميون.. وأننا حتى ونحن نتابع مسلسل أطفال فإننا نتواصل مع ثقافة عالمية..

فما كان ذلك البطل الأسطوري إلا أوديسيوس بطل هوميروس في أسطورة الأوديسة التي تروي قصة ضياع البطل أوديسيوس بعد انتصاره في حرب طروادة وعودته لبلده مزهواً بنصره فيعاقبه إله البحر على غروره وكبره بأن يبقيه عشر سنوات مصارعاً الأمواج والبحار في محاولة للعودة لوطنه إثيكا وزوجته بينيلوبي التي أصبحت أشهر شخصية نسائية في كل الأدب العالمي وما زال الأدباء والشعراء حتى اليوم يقتبسون هذه الشخصية ويتحدثون عن بينيلوبي وإخلاصها ووفائها النادرين.. إنها زوجة أوديسيوس التي انتظرت عودة زوجها عشر سنوات وقاومت كل الطامعين بها وبملك زوجها إلى حين عودته..

بنلوبي
لم يعد لي غيرُ عينيك فآفاقي يبابْ
سفني، بحارتي ناموا بأعماق العُبابْ
وأنا ملقى على الرمل أغني، أتلوّى، أغزل الرؤيا، وأبكي
كيف لا تروي شرايينيَ أنهارُ السرابْ
كل ما حولي يبابْ
وأنا، حتى أنا.. لولاكِ يباب.*

أسطورة الأوديسة وشقيقتها الإلياذة من الكتب التي تستحق وقفات مطولة عندها. أما موضوعي هذا فعن كاتب حاكى أوديسة هوميروس وكتب أوديسة القرن العشرين بأسلوب ساخر بارع جعله أحد قمم الأدب العالمي..

  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

نشرها يوم عيد ميلاده الأربعين في الثاني من شباط عام 1922 تحت اسم (أوليس) (وفي رواية أخرى عوليس) ليعد يوم ظهورها نقطة تحول في تاريخ الرواية الحديثة..
تعرفت عليه لأول مرة منذ خمس سنوات تقريباً.. في رواية بورتريت لفنان شاب وكانت ومازالت بالنسبة لي أجمل رواية قرأتها في الأدب الإنكليزي حتى الآن.. (وقد تكون كذلك لقلة ما قرأته حتى الآن) ولكن شخصية بطلتها (روز) من أكثر الشخصيات النسائية التي أحبها بهوس قارئ يمكن أن يصل به الهوس لحب شخصية ورقية.. أجدها أحياناً في بعض الروايات العربية التي كانت تعتبر بدايات لتحرر المرأة كشخصية البطلة في رواية الأديبة السورية كوليت خوري (أيام معه) وبشكل أجمل وأقوى في رواية سبقتها للأديبة اللبنانية ليلى البعلبكي (أنا أحيا) ولكن (روز) (بطلة جيمس جويس في روايته بورتريت لفنان شاب) كانت دائماً مختلفة ومفضلة ومميزة وفيها كل ما يمكن أن يوجد في المرأة من مشاعر وتناقض وعقل وعاطفة وعقد وصراعات.. ولكن أيضاً حديثي هنا ليس عن المقارنة بين تلك الشخصيات النسائية ولكن سيكون لي وقفة مخصصة لرواية (بورتريه لفنان شاب) والتي يقال أنها تمثل سيرة ذاتية لكاتبها، ولكن بعد أن نتعرف على تلك السيرة من كتاب الدكتور بديع حقي (قمم في الأدب العالمي) حيث يعرفنا فيه على على تولستوي وبروست ولوركا ومالارميه وجيمس جويس..

سنتعرف أولاً إلى جيمس جويس هذا المجنون العبقري الذي كان يكره أيام السبت والأحد ولديه عدوانية تجاه الزمن والروزنامة فيمزق كل روزنامة يصادفها محاولاً تخطي الزمن والتخلص من عبء الساعات والأيام..

جيمس جويس رائد الرواية الحديثة

  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

 

(التاريخ هو – كما يقول ستيفن في رواية أوليس – كابوس أحاول أن أستيقظ منه).
جيمس جويس
(في الوقت الذي كان يفكك بيكاسو أجزاء وجه الإنسان، حتى يتسق له أن يظفر بمختلف سطوحه ويجلوها على لوحة مستوية، فقد تيسر لجويس، بحروفٍ سود يجريها على الصفحات البيض، أن يجلو ويسجل – مفجراً الزمن، مشرّحاً الإنسان – اللغط البشري كله، ضمن أطر بعض مؤلفاته).
جوزيف ماجولت

ولد (جيمس جويس) في دبلن في الثاني من شباط عام 1822، من أسرة كاثوليكية، وكان الثاني من أحد عشر ولداً. وكان أبوه (جون جويس) رجلاً ماجناً صخاباً مولعاً بالشراب كثير العربدة، وكان إلى ذلك رجلاً عاطفياً، سبط البنان، طيب السريرة. وقد نأت بأبيه حياته هذه اللاهية عن التمتع بهناءة الاستقرار، فظل عمره كله، ينتقل مع أسرته من بيت إلى بيت، تلاحقه الديون ويتعقبه شبح الحجز. أما أم (جيمس) فكانت امرأة مرهفة الشعور، متدينة، وقد أحبت زوجها وتحملت نزواته وصبواته بجلد صابر وابتسامة صافحة.

وضع جيمس في السادسة من عمره في مدرسة داخلية، وتمرّغ قلبه الغض الفتي وهو يرى إلى أمه تنشج باكية حين ودعها وحرم دفء صدرها الحنون، ونقل بعد سنوات ثلاث، إلى مدرسة داخلية أخرى في ضواحي (دبلن) يشرف عليها رهبان يسوعيون، وقد هيأته تربيتهم القاسية لأن يألف النظام ويتزود بدراسة علمية أدبية كلاسيكية غنية، غير أن التزمت الشديد الذي اتسمت به تلك التربية خلف في نفسه رواسب من التمرد والتحدي، تراخت في شبابه إلى زعزعة إيمانه وإلى كرهٍ متقد دائم لرجال الدين.

وشكا جيمس منذ صغره ضعفاً في بصره واضطر إلى حمل نظارة لازمت عينيه الزرقاوين، وأضحت متممة لقسمات وجهه.
ولئن عرفت طفولته الحرمان والقلق والغربة، لقد كان يتكلف المرح والابتسام، حتى دعاه أخوته بجيمس الضاحك وقد ركبته فيما بعد هموم الحياة، وظلت ابتسامته معلقة بشفيته الرقيقتين، ولكنها أضحت ابتسامة حاقدة ساخرة مريرة.

وتفوق جيمس في دراسته ونال المركز الأول بين لداته وظفر بأكبر جائزة أجريت لطلبة المدارس وكانت الجائزة عشرين جنيها، وجدها أبوه – وكان قد أحيل على التقاعد منذ أمد قريب – خير هدية ليعاقر خمرته ويستأنف عربدته، وتعيش أسرته الوفيرة في يسر موقت.

وفي عام 1898 التحق جويس بالجامعة، ليتابع فيها دراسة الفرنسية والألمانية والايطالية والنروجية، وعلم النحو المقارن، وقد أعانه تضلعه في اللغات، على تلقيح مؤلفاته المقبلة بما أصاب من ثقافة لغوية متشعبة.
وخلب لبه وهو في فجر تفتح فكره مسرحيات الكاتب النروجي (إبسن) فعكف على قراءتها وأعجب بما يشيع في أكثرها من تقديس لحرية الفكر وثورة على قيود العادات الرجعية البالية، وأغراه إعجابه بإبسن بكتابة مقالٍ ضافٍ مسهب عن إحدى مسرحياته، وتناهى المقال إلى الكاتب النروجي العظيم، فكتب إلى جويس شاكراً، فأجاب هذا برسالة قال فيها:

“أشكر لك تلطفك بالكتابة إلي، إني فتى إيرلندي، في الثامنة عشرة من سني، إن كلمات إبسن ستبقى، عمري كله منقوشة في قلبي”.

ولما ظفر بشهادة البكالوريا عام 1902 عزم على دراسة الطب في باريس فسافر إليها وسكن في الحي اللاتيني، ولعل آماله المخيبة في وضع أسرته وكفاح وطنه وثورته على تقاليد مجتمعه، قد حملته على الابتعاد عن دبلن ليجد في باريس مدينة النور والفكر والحرية ملاذاً لروحه الظامئة المتمردة. ولكنه أضحى، وهو في باريس ملازماً لمكتبتها الوطنية أكثر من اختلافه إلى معهد الطب. وكان يتزود منها، منقراً ، مطلعاً، تستهويه دراسة علم الجمال. واشتد ضعف بصره وأخذ يشكو من دوار دائم في رأسه، وتخبط في العسر والإملاق فاضطر إلى إعطاء دروس لتعليم اللغة الانكليزية، وكتب عدة مقالات لعلها أن تفي ببعض نفقاته. وفي العام التالي قفل عائداً إلى دبلن بعد أن تناهى إليه خبر بأن أمه مشرفة على الموت. وقد أدركها ورأى إليها تحتضر أمامه، ولكنه أبى أن يجثو مصلياً إلى جانب سريرها كما تقتضي التقاليد الدينية، وشعر بعد وفاتها بندم شديد يعصر قلبه وفراغ رهيب يغزو حياته.

وكانت سنةً قاسيةً امتحنته فيها الأيام بالمصائب، وألفى في الخمرة – كما ألفى أبوه من قبل – مفزعاً يذيب فيها آلامه، ومكث في دبلن يرتزق من دروس ضئيلة، ولكن غرامه بالأدب ظل متقداً وكتب قصته المعروفة (ديدالوس أو صورة فنان في ريّق صباه) مندفعاً، مضرم الهمة. وقد جلا فيها حياته المضطربة في طفولته وصباه. وقد كان وصفه وتحليله وسبره لأغوار النفس يشي بفن روائي مستحصد ناضج، بيد أنه لم يعثر على ناشر يرضى بنشر كتابه فانصرف إلى نظم الشعر وقرزم بعض القصائد ثم بدا له أن يتقدم إلى مسابقة غناء – وكان له صوت ندي – ولكنه لم يفز بالجائزة المنشودة.

والتقى في هذا العام بنورا بارناكل، فشغف بها حباً. وقد جعل من تاريخ يوم لقائه بها في 16 حزيران، اليوم المشهور الذي تدور فيه حوادث روايته المقبلة (أوليس).
وقد أعجبت نورا بموهبته الأدبية وأحبته وقبلت به زوجاً فبنى بها في العام نفسه، وأخلصت له الحب وقاسمته حلو الحياة ومرها.

وإذ كان يرغب في الابتعاد عن دبلن بعد أن انتسخ أمله في الوصول إلى الهناءة وطراوة العيش فقد سافر مع زوجته إلى (زوريخ) في (سويسرا) رجاة أن يجد فيها عملاً، فلم يظفر بما كان يهفو إليه، واتخذ أدراجه إلى تريستا بعد تنقل مرهق متصل، ولكن تكسبه من تدريس اللغة الانكليزية لم يكن يكفيه وترصدته كؤوس الخمرة يغمس فيها شجونه، وفي تريستا وضعت زوجته صبياً سماه (جيو رجيو). وتجاذبه الفرح بابنه والتخوف من مسؤولية تربيته، ولكن همومه لم تثنه عن التأليف، فأنهى ديوان شعر صغيراً، ومجموعة قصصية، سماها (أهل دبلن) وبعث بمخطوطتيهما إلى أخيه (ستانيسلاس) في (دبلن) لعله أن يجد لهما ناشراً فلم يوفق، وكتب إلى أخيه يغريه بالمجيء للعمل في تريستا فقد إليه وتقاسم الأخوان البيت.
وكثيراً ما كان جيمس يسترفد من أخيه عونه المالي فلا يضن عليه بشيء. وبدا له أن ينتقل إلى روما ليعمل موظفاً في مصرف، ولكنه لم يسغ العمل هناك، وآب بعد أمد قصير إلى تريستا أكثر إملاقاً، ووضعت زوجته طفلة سماها (لوسي آن) في القسم المخصص للفقراء من مستشفى التوليد، وأمسك جيمس عن الخمرة، أمداً، إثر التهاب في قزحية عينه وتوعد زوجته وتهديدها بأن تعمد طفليه – وكان يكره التعميد والطقوس الدينية كرهاً متأصلاً – إن عاد إلى معاقرة الخمرة.

وسافر جويس إلى دبلن ليشرف على نشر كتابه (أهل دبلن) وتم طبعه على نفقته، بعد صعوبات جمة ولما قدم إلى المطبعة ليستلم نسخ كتابه، أعلمه الطابع أن شخصاً مجهولاً أتى إلى المطبعة فاشترى النسخ كلها ودفع ثمنها ثم أمر بإحراقها في مكانها ومضى.

وعاد جيمس جويس إلى تريستا، وفي جيبه ثمن نسخ كتابه المحروقة، وفي قلبه تتأجج نار من الأسى، مؤالياً على نفسه ألا يعود إلى وطنه أبداً. ولكنه حمل وطنه في قلبه ليجري أقدار أبطاله في مرابع مدينته المتنكرة الجافية (دبلن).

وعمد إلى نشر صفحات من روايته (ديدالوس) في مجلة أدبية، فما عتم أن لفت أنظار الأوساط الأدبية إليه، وأعجب به الشاعر (ت.س. إليوت) والشاعر الأمريكي (إزرا باوند) إعجاباً كبيراً ، وقدم إليه باوند مساعدة مجدية، لنشر روايته، وإعادة طبع مجموعته القصصية (أهل دبلن) وكذلك بدأ نجم شهرته يتوامض في سماء الأدب.

وفي عام 1914 شرع جويس بكتابة رائعة (أوليس)، وفي هذا العام أعلنت الحرب العالمية الأولى، واضطر جويس إلى مغادرة تريستا، وكانت بلداً تابعاً للنمسا، ومضى مع أسرته إلى سويسرا، وأمده باوند ثمة، بمعونة مالية مجدية، أنقذته من الفاقة، وما كاد أوار الحرب يخمد حتى عاد جويس إلى تريستا، ليستأنف عمله في التعليم، وينكب على روايته أوليس.

بيد أنه لم يستطع إنهاء روايته إلا في باريس، بعد أن حبب إليه صديقه باوند الإقامة فيها، وظفر جويس بتقدير عدد كبير من الكتاب والمفكرين الفرنسيين المعجبين بأدبه، وعلى رأسهم (فاليري لاربو)، واحتضنت باريس عبقريته، حفية به، معجبة، في مدى عشرين عاماً، بعد أن مني بالخيبة القاسية في وطنه.

وقام جويس بمحاولات يائسة لنشر روايته في انكلترا وأمريكا، ولكن الرقابتين الانكليزية والامريكية، مانعتا في ذلك متعللتين، بأن في بعض الصفحات من الكتاب، واقعية صارخة تجلو ضعة الإنسان وغرائزه، بأسلوب يخالف الآداب العامة. واتسق له، أخيراً، أن يطبع الكتاب بمساعدة (سيلفيا بيتش) في (ديجون) بفرنسا.

وأتمثله، في صباح اليوم الثاني من شهر شباط عام 1922، في يوم عيد ميلاده الأربعين، يذرع غرفته، جيئة وذهوباً، قلقاً، نافذ الصبر، في انتظار أول نسخة من روايته التي أذوى في تأليفها زهرة شبابه واستصفى لها خلاصة عبقريته، وحنا عليها ساهراً، حسير البصر، وها هي ذي أمنيته تتحقق ويؤتي جهده أكله، آخر الأمر.

ويرى إلى سيلفيا بيتش تدخل حجرته متطلقة الوجه ضاحكة وبيدها رزمة. لا ريب أنها وافت الآن، من المحطة. ويتهلل وجهه بشراً وسعادة، ويحل رباط الرزمة الثمينة. إنها تتضمن نسختين من روايته. وتمتد أنامله المرتعشة إلى نسخة من الكتاب تتلمسها وتقلب صفحاتها في نشوة غامرة.

في هذا اليوم، يحتفل إذن بعيدين، عيد ميلاده، وعيد طبع روايته. لقد كان يرى أن وجوده كله معلق بكتابه هذا، ولعله أن يكون على حق، فقد كانت روايته نقطة انطلاق جديدة في أسلوب الرواية الحديثة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!