تركيا : سنغلق حدودنا مع سوريا في اذار


 

يشكل المثل الروسي  القائل: “إذا قمت بدعوة الدب إلى الرقص، فلست أنت الذي سيقرر متى ستنتهي الرقصة”، اختزالاً للعلاقات الروسية التركية، فيما يخص الازمة السورية.

فمنذ ان قامت تركيا بإسقاط  المقاتلة الروسية سوخوي 24 ، (اعتبرها المحللون العسكريون انها  عملية غبية جداً)، واغتيال السفير الروسي في اسطنبول اناتولي كارلوف، لابل منذ الاتصال الذي أجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقب المحاولة الانقلابية التركية في 15تموز/ يوليو 2016، وأعرب من خلاله عن وقوف بلاده ضد تلك المحاولة ، وضعت روسيا نصب أعينها، تحجيم الدور التركي في العملية السياسية والعسكرية في سوريا، لا بل واخراج تركيا نهائيا من اللعبة، وقد يكون ذلك مقابل توقيع عقود اقتصادية بقيمة 100 مليار دولار، ابرزها مشروع مد “السيل التركي” بأربعة خطوط، أحداها بحجم 15.75 مليار متر مكعب، سيمتد من روسيا إلى تركيا مباشرة عبر البحر الأسود.

ان اسقاط الطائرة واغتيال السفير الروسي،وغضب الكرملين من اردوغان، زاد من تسارع الاستدارة التركية نحو موسكو ،حيث بدأت روسيا التلويح بالورقة الكردية بوجه انقرة،  من اجل الضغط  لوقف امداد الفصائل الارهابية المعارضة في سوريا، بالمال والسلاح، وهي تدرك مدى أهمية الملف الكردي، وخاصة أنها ضليعة بالقضية الكردية من خلال العلاقات التاريخية بينها وبين حزب العمال الكردستاني، العدو الاول والاكبر للسلطان العثماني،(تتمتع روسيا بتاريخ حافل من دعم حزب العمال الكردستاني والجماعات الكردية الأخرى، وتم تأسيس الحزب خلال الحقبة السوفياتية، ، وقدمت موسكو انذاك الملاذات الآمنة في جميع أنحاء الاتحاد للسكان الأكراد المتحركين من وإلى البلاد بشكل مستمر)، وكأمر واقع، فرضت روسيا دائماً، وأصرت على ضرورة حضور حزب الاتحاد الديمقراطي، الحزب الكردي السوري المرتبط مع حزب العمال الكردستاني ، على طاولة المفاوضات جنبًا إلى جنب مع غيره من جماعات المعارضة السورية الأخرى، وفي تشرين الاول الماضي ، ودعت روسيا حزب الاتحاد الديمقراطي أيضًا لافتتاح مكتباً له في موسكو، مؤكدة رغبتها ببناء علاقات قوية بين قيادة الحزب والحكومة السورية لاستهداف تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

ويرى محللون أن مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي في المفاوضات السورية تشكل في نهاية المطاف تهديداً صريحاً، يخافه الاتراك ، يتمثل  بتحقيق  الأكراد لحلمهم التاريخي ببناء دولة “الحكم الذاتي” في شمال سورية، ولكن ان تحقق ذلك، فان تلك المنطقة ستكون ارضاً خصبة لنشاط ونمو حزب العمال ،عندها سيكون  هذا السيناريو كارثيًا بالنسبة لتركيا، وروسيا تعلم ذلك جيداُ.

الاستدارة التركية فيما يخص الازمة السورية ، بدأت بشكل فعلي بعد الاجتماع الثلاثي،روسيا، ايران و تركيا، وتوالت بعدها التصريحات التركية التي  تحمل دلالات واضحة تشير الى قرب نهاية الحرب في سوريا.

فقد صرح منذ ايام، وزير الدفاع التركي، فكري إيشق أن: بلاده ستغلق تماماً حدودها مع سوريا الممتدة بطول 911 كيلومتراً بحلول الربيع المقبل بعدما تنتهي من تشييد جدار لهذا الغرض. والمسؤولون الاتراك في تصريحاتهم الرسمية يقولون ان الهدف من الجدار الذي يبلغ ارتفاعه 3 أمتار،هو وقف تدفق اللاجئين السوريين الهاربين من أتون الحرب السورية، إلا أن المحللين السياسين يرون ان الهدف الرئيسي من الجدار هو الحد من “خطر” حزب العمال الكردستاني، الذي ينمو وتتطور قدراته العسكرية، على الاراضي السورية  مع غيره من الفصائل الكردية ، ويتجلى ذلك في قول إرغون توران، رئيس الشركة المنفذة للجدار ذاته: “نحن نبني وراء الجدار طرقا أمنية حدودية، وأيضا أبراجا ضرورية لأمننا”.

والتصريح الثاني جاء كإعتراف رسمي من الاتراك انفسهم بأنهم ارتكبوا اخطاءً فادحة بدخولهم وحول مستنقع الحرب السورية، حيث صرح المتحدث باسم رئاسة الوزارء التركية، نعمان قورطولموش، لصحيفة «حرييت» قائلاً: “أنا أحد أولئك الذين يقرّون بخطأ سياستنا في سوريا… لن نصطفّ إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد، ولكنّنا يجب أن نصحح أخطاءنا. وأشار إلى أن هكذا قرار (مصير الأسد) يجب أن يتخذه السوريون على طاولة الحوار، ونحن يمكننا أن نلعب دور الضامن لذلك القرار ولا يحق لنا فرضه”.

اضف الى ذلك، أن اسطنبول اليوم مستعدة للدفع بكل قوتها لابعاد خطر الملف الكردي، وخاصة، وأنها تعتبر ان سياسة واشنطن فيما يخص  الملف الكردي في سوريا ودعمها لـ”وحدات حماية الشعب” ضمن تشكيل “قوات سوريا الديموقراطية”، حجر عثرة كبير في طريق الوفاق التركي ــ الأميركي. وهو أمر مخيف فيما يخص الملف الكردي ، فجاء تلويح المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، بـ”حق تركيا في اتخاذ قرار إغلاق قاعدة (إنجرليك) الجوية في أي وقت، باعتباره قراراً سيادياً”.

وفي السياق ذاته، قال نائب رئيس الوزراء، ويسي قايناق، في تصريح إلى تلفزيون “خبر” التركي، إن “التحالف” نادراً ما يستخدم قاعدة “إنجرليك” لينضم إلى عمليات الجيش التركي والجماعات المعارضة السورية التي يدعمها، موضحاً أن “وجودهم (في إنجرليك) أصبح مثار تساؤلات من مواطنينا وأمتنا، وهذه القضية على جدول أعمال الحكومة”.

في الوقت الذي ينتظر الاتراك ان تتحسن علاقتهم بواشنطن بعد استلام الرئيس المنتخب دونالد ترامب، لاتزال روسيا تلوح  بالورقة الكردية كسلاح فعال وتضغط  نحو وقف امداد الفصائل الارهابية في سوريا بالمال والسلاح، فيما تضغط ايران من جهتها على انقرة للخروج من سوريا، حيث أشار رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، علاء الدين بروجردي، خلال حديث صحافي في دمشق، إلى أن “على كل القوات التي دخلت الأراضي السورية من دون تنسيق أو موافقة من جانب الحكومة السورية أن تترك هذه الأراضي فوراً”.

لعل المستفيد الاكبر من الورقة الكردية هو الشعب السوري الذي يحلم بنهاية الحرب اليوم قبل الغد، وستكون الحصة الكبرى لروسيا في كعكة اعادة الاعمار، على الرغم من ترويج البعض لدور اميركي واوربي في المرحلة المقبلة ، الا ان القيصر الروسي هو من يحدد كيف  ومتى تنتهي الرقصة التي بدأها مع مختلف الاطراف وأولها تركيا.

 

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!