“علاقتي مباشرة مع كارل ماركس”… ميشال الفتارياديس لــ”روسيا الآن”: وسائل الاعلام تساعد الفن التجاري


 

يعلن جهارا أن وسائل الإعلام تساعد الفن التجاري على حساب الفن الراقي، رفض جائزة “الموريكس” تعبيراً عن رفضه للطريقة التي يشجعون بها الفن الهابط، توجه منذ عشر سنوات الى النحت، فاتهموه بأنه من “عبدة الشيطان”! وتعرض في خلال شهرين الى محاولتي اغتيال.
إنه الفنان ميشال الفتارياديس، المحلق في فضاء إبداعاته، متوثب، مناضل وثوري، موسيقي ونحات، حتى لتحار من أين تدخل إلى عوالمه، من السياسة أم الفن؟ أم من الحياة العامة بكل تفاصيلها الصاخبة؟


في ما يلي نص حوار أجراه “روسيا الآن” مع الفتارياديس، كان خلاله المدى مشرعا للحديث عن تفاصيل غير منفصلة عن واقع اللحظة وراهنيتها:

روسيا الآن: لحنت للعديد من الفنانين والمغنين في لبنان والعالم، الى أي مدى يرى ميشال الفتاريادس أن هناك أملا في الحركة الفنية وخصوصا الموسيقية في لبنان في ظل صعود الفن الهابط على حساب الفن الراقي؟

ميشال الفتارياديس: على مدى كل العصور كانت هناك موسيقى راقية، واخرى هابطة، فن راقٍ وآخر سخيف، الا أن الناس والزمن يغربلان هذا الفن، ليبقى منه الراقي في النهاية، كمثال سيد درويش فنحن نظن أنه في زمن سيد درويش لم يكن هناك الا الفن الراقي، وهذا غير صحيح، مثلا في ايام ناظم الغزالي في العراق، وهو صاحب فن راق، كان هناك آلاف الغانيات اللواتي كن يجنين المال بسهولة، ففي هذا العالم العربي، وفي زمننا هذا، هناك موسيقى راقية، ولكن وسائل الاعلام تساعد الفن التجاري على حساب الفن الراقي، وبالتالي هي ظواهر موجودة في كل زمان وكل مكان، نعم أنا أقول أن هناك أملا في الموسيقى العربية رغم كل شيء.

روسيا الآن: لم يكرم لبنان الرسمي الفنانين وخصوصا الفنان وديع الصافي، هل تعتبر أن لبنان كرمك؟

ميشال الفتارياديس: لست أنتظر ذلك التكريم، لأن هناك مثلا بالفرنسي والعربي يقول (لا كرامة لنبي بين قومه)، لأنه عادة في بلدنا يكرّم المطربون والفنانون الذين يدلسون ويتزلفون للسلطة (يمسحون جوخ)، لأنهم يغنون لكل رئيس جديد وكل قائد جيش ولرؤساء الاحزاب، فقد يكرم لبنان الرسمي زين العمر فيما لا يكرّم زياد الرحباني، وهنا اقصد بـ “لبنان الرسمي” ايا كان في سدة الحكم، نحن مثلا رفضنا جائزة “الموريكس”، وذلك على المسرح وخلال حفل تسليم الجوائز وامام جميع الناس، وذلك تعبيرا منا عن رفضنا للطريقة التي يشجعون فيها الفن الهابط، والفنانين المتزلفين، ولأنهم ارداوا تلميع صورتهم امام الناس وعلى حسابنا، لذلك قلنا لا لمثل هكذا جائزة.

روسيا الآن: ننتقل الى الرسم، علمنا أنك ترسم وبتقنية عالية، وأن لوحتك المسماة (حائط المبكى) أحدثت ضجة كبيرة في باريس، لماذا توقف ميشال الفتاريادس عن الرسم؟ وهل ستعود اليه يوماً ما؟

ميشال الفتارياديس: بالفعل عدت للرسم، وأنا الآن عدت للتو من المرسم، توجهت منذ عشرة سنوات الى النحت، فاتهمونني بقصة عبدة الشيطان، وطالب القضاء بسجني من ستة اشهر الى ثلاث سنوات، وذلك بتهمة أن رسومي وتماثيلي تتحدى الذات الالهية، وفي الحقيقة، لا صحة لهذا الكلام، فأعمالي مستوحاة من الأفكار الماركسية، حيث الخنزير يرمز الى الرأسمالية، والخراف ترمز الى القطيع الذي يذبح، ملايين الخراف تذبح منذ آلاف السنين، والقرون في رسومي ليست قرون الشيطان كما يدعون، وإنما هي قرون الخراف التي تخنع وتخضع لسلطة الطاغية، مع العلم أنني لم أنتمِ الى الحزب الشيوعي يوماً ما، لا بل انتميت الى الحزب الشيوعي الفرنسي مرة واحدة ولمدة اربعة اشهر في مدينة نانت، الا أنني لم أنتمِ للحزب الشيوعي اللبناني الذي يمثل ويعبر عن قسم كبير من افكاري ولكن ليس كلها، وعلاقاتي مع هذا الحزب علاقة وطيدة، وخصوصا مع أمينه العام حنا غريب، فأنا ارى فيه رجلا صاحب مبادىء ومتحمسا جداً، مناضلاً لا يكل ولا يمل، وابن الشعب الحقيقي.

روسيا الآن: تعرضت للاغتيال مرتين، هل كان ذلك نتيجة لقناعتك الفكرية؟ وهل أنت اليوم في مرمى قوى سياسية معينة؟

ميشال الفتارياديس: كان السبب الوحيد في تلك المحاولات، هو أنني شكلت في عام 1991-1992 ما سمي آنذاك بالحركات الموحدة للمقاومة، حيث جمعت حوالي الف شاب مسلح، حلت هذه الحركة في ما بعد، وذلك، بعد أن تعرضت في ظرف شهرين الى محاولتي اغتيال، اليوم نحن في بلد انتهت الحرب فيه ويوجد عندنا نوع من العدل، والناس تعرف من هو عدوها، لذلك توقفت محاولات اغتيالي، وحتى لو حاولوا فهم معروفون.

روسيا الآن: ما هي مشكلتك مع قوى اليمين اللبناني؟

ميشال الفتارياديس: المشكلة في البداية لم تكن ايديولوجية، فهم لم يكن لديهم مشكلة أن تكون ماركسيا او حتى شيوعيا، بشرط أن تعيش في بيروت الغربية، ولكن أن تكون شيوعيا وتعيش في كسروان (حيث معقلهم)، وبيت جدك في الاشرفية، وتتلقى تعليمك لدى مدرسة عينطورة التابعة للكنيسة، حيث الكثير من الطلاب هم أبناء قادة في أحزاب يمنية لبنانية، شباب بعمر 13 الى 14 سنة، بدأت أقرأ لهم كارل ماركس، وبدأ الشباب يقنتعون بتلك الافكار، أكثر من أفكار أهلهم، إذاً، أنت تشكل خطراً عليهم، ومنذ ذلك الوقت بدأت القوى اليمينية اللبنانية تعتبرني عدواً، وأصبحت لديهم قناعة أنني أنسق مع الحزب الشيوعي ومع القوى الوطنية في بيروت الغربية، وتعرضت يومها للاختطاف وتم تعذيبي بشكل وحشي، لا تزال آثاره على وجهي، بهدف أن يحصلوا مني على معلومات حول الحزب، علماً أنني عندها لم أكن قد تعرفت الى الحزب، وإنما كانت “علاقتي مباشرة” مع كارل ماركس.

روسيا الآن: كيف تعرفت على أفكار كارل ماركس؟

ميشال الفتارياديس: كان عمي الذي انهى دراسته في فرنسا وجاء الى وطنه، قد تعرف هناك الى الحزب الشيوعي الفرنسي، الا أنه وبعد اندلاع الحرب الاهلية في لبنان، عاد (عمي) مرة ثانية الى فرنسا، تاركاً وراءه كل كتبه، والتي قامت جدتي بإخفائها على السقيفة، كان عمري حينها اربعة عشر عاماً، وكنت – وما أزال – نهماً على القراءة، الا أن الكتب التي كانت في مدرستي كلها كانت عن القديسين وحياتهم، عندها لم يعد يكفيني ذلك النوع من الكتب، فقال لي والدي اذهب وأحضر كتب عمك، لم أكن أعرف حنيها أن الحزب الشيوعي في لبنان يحارب القوات اللبنانية، كان عناصر “القوات” يأتون الى القرى ويعلموننا كره المسلمين، كره العرب والعروبة، وعندما تعرفت الى افكار ماركس الإنسانية، شعرت أنه نوع آخر من الثقافة، ولم تقنعني “القوات” بأفكارها تلك، بل وجدت في افكار ماركس النقيض لثقافة البغض التي كانوا يبثونها، وبدأوا بالضغط علي، ومنذ ذلك اليوم، بدأ شعوري تجاههم يتحول من عدم ارتياح الى كراهية مطلقة، واستمر الوضع هكذا الى أن اصطدم بهم العماد ميشال عون، عندها دخلت معه، وذلك كان بمثابة عودة لبناء شخصيتي بعد أن حاولت “القوات” تدميري، وكنت قد بلغت يومها من العمر السبعة عشر عاما ودخلت الجيش النظامي.

روسيا الآن: اين الحب في حياة ميشال الفتاريادس؟

ميشال الفتارياديس: لا يوجد فترة في حياتي لم اعش فيها الحب، ولكن لا أؤمن أن هناك حبا الى الابد.

روسيا الآن: هل ترى أن التزام الفنان بفكر معين يحد من ابداعه؟

ميشال الفتارياديس: عندما تدخل في العمل الفني، او الحالة الابداعية، تجد نفسك تعمل وتنتج فنا فقط، وليس سياسة او اي شيء آخر، ربما الالتزام يحد من انتشار الفنان، هذا صحيح، لأن البعض عندما يعرف انتماءك السياسي ينظر اليك على أنك تمثل هذا الفكر السياسي، وليس الى فنك، مثلا بعض الفنانين، اصحاب الجمهور العريض، ليس لديهم لون، مثلا يلتزمون قضايا عامة مثل تعاطف مع مرضى السرطان، او ضد العنف ضد المرأة، ولم يتخذوا موقفاً واحداً يكلفهم قسم من جمهورهم، لذلك هم منتشرون اكثر من الفنان صاحب الموقف.

روسيا الآن: هل تعتبر أن لديك كفنان مهمة تكمن في تغيير المجتمع اللبناني، خصوصا بعد أن أصبح صديقك العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية؟

ميشال الفتارياديس: اعتبر أن هناك ضرورة لبناء البشر، لبناء الإنسان الجديد في لبنان، والتخلص من العقلية الموروثة التي لم تعد صالحة في ايامنا هذه، وذلك حسب نظريات الاصطفاء الطبيعي لداروين أن صح التشبيه أو الاسقاط، لأن القضايا الجيدة يجب أن نستمر فيها، واما ما هو متخلف يجب أن نتخلص منه كي نتطور اكثر واكثر، أنا لست مع الاخذ بقيم الغرب لأنه حتى في الغرب تطورت تلك العقليات، والمجتمعات كلها تتطور، اما المجتمعات التي تريد العودة للسلف والعقلية الموروثة سيكون مثلها في ذلك مثل دولة “داعش”.

روسيا الآن: لدى ذكر داعش يحضرني سؤال الا وهو ماذا يحصل في سوريا اليوم من وجهة نظركم كسياسي وكفنان؟

ميشال الفتارياديس: ما يحصل في المنطقة أن هناك مخططا لنوع من الاستعمار الجديد (النيو امبريالية)، بهدف الهيمنة على الشعوب الفقيرة، وتسخيرها لخدمة مصالحها، اضف الى أنه وبعد أن تم الكشف عن أن هناك حقول نفط اكتشفت مؤخرا قبالة الشواطىء اللبنانية والاسرائيلية، وحتماً السواحل السورية، وهذه الحقول اقرب الى اوروبا من آبار النفط الموجودة في دول الخليج، في النهاية هي مخططات استعمارية تهدف لسرقة ثروات سوريا (استعمار جديد)، عدا عن كل ذلك هناك هدف اساسي ومهم الا وهو أن تعطي استراحة للعدو الاسرائيلي، حيث نجد أن الفترة بعد حرب تموز (يوليو) 2006 هي من اكثر الفترات التي انهكت الكيان الصهيوني، في حين أن اكثر الفترات التي استراحت فيها اسرائيل، هي منذ بداية الحرب على سوريا، اي أن اسرائيل كانت تبحث عن طريقة لكي تستريح فيها، وعليه فالمستفيد الاكبر مما يجري على الساحة السورية هو اسرائيل. هناك سؤال يطرح نفسه، هؤلاء الارهابون الذين يضربون في سوريا، وهم ليسو سوريين وأنما قطعوا بلدانا بواسطة الطائرات وعلى مرأى من أعين حكوماتهم، هؤلاء لماذا لم يطلقوا طلقة واحدة على اسرائيل؟ لماذا لم يتسللوا للقيام بعملية إنتحارية واحدة ضد العدو؟ لماذا لم ير أحد بطولاتهم في الاراضي المحتلة؟ ثم عندما نتحدث عن الأنظمة أنا لا أقول لك أن النظام السوري هو النظام المثالي عندي، ولكن أن يأتي أحد من “المتثاقفين” الذين يسمون انفسهم ثواراً، ويقول لي، وأنا الموسيقي، النحات والمثقف العلماني، أن حكم الاسلاميين المتطرفيين سيكون بديلاً عن نظام الدولة العلمانية، من البدهي أنني لن أقبل بنظام داعش نظام اسلامي متشدد يرفض الاخر، المختلف معه ثقافياً ودينياً واجتماعياً. وأمر حتمي، في حال استلم المتشددون نظام الحكم في سوريا فأنهم سيأتون حتماً إلينا، في لبنان.

روسيا الآن: رحل منذ ايام الرفيق فيديل كاسترو، ومعروف أنك عشت في كوبا، وهناك علاقات وطيدة بل وحب بين ميشال وكوبا، ماذا يعني لك رحيل كاسترو؟

ميشال الفتارياديس: في الحقيقة، أنا صديق للعائلة، وفيديليتو الحفيد البكر للقائد فيديل، صديقي الشخصي، وأنا دعيته الى لبنان، أخبرني مرة أن جده الرئيس كاسترو قال لابنائه: أنا أستطيع أن أورثكم العلم وفقط العلم، غير العلم لا تتوقعوا شيئاً. وهكذا، فعائلة فيديل فقيرة جداً لا تملك أي شيء، ولا حتى مجرد منزل، عائلة كل أفرادها، موظفون حكوميون، يتقاضون رواتب مثلهم مثل اي مواطن، ولا يستطيع اي شخص من عائلة كاسترو الاستفادة من الاسم او المنصب لأن فيديل اعطى الصلاحيات الكاملة للقضاة ليطبقوا القانون على أفراد أسرته، كما على الناس العاديين. إذاً، وفاة فيديل، كانسان كانت متوقعة، ولكن مما لاشك فيه أن التاريخ سيسجل اسم فيديل بين أعظم البشر، كقائد ذي تجربة ومبادىء، كاسترو يعتبر درسا عظيما للبشرية، إذ لم يستطع أحد أن يغير قناعاته، ناضل على مدى ستين عاماً، تعرض للاغتيال اكثر من ستمئة مرة، فيديل المتواضع الذي أحب الشعب، وبادله الشعب تلك المحبة، فيديل المتواضع جداً، والذي منع اي شكل اشكال من التعظيم، لا صور لفيديل ولا شعارات ولا أي شيء، هذا الكلام ليس كلام صحف أو كلاما سمعته من أحد، كل ما قلته لك عشته حقيقةً. ثم اريد أن اضيف معلومة، في كوبا خلال سنتين عشتهما هناك، لم أر مشردين، لم أر أحداً بدون عمل، بدون طعام، الجميع مجبر أن يذهب الى المدرسة، كوبا تصدر اطباء الى كل العالم، والكوبيون شعب شغوف بالموسيقى الحية الممتعة التي تأثرت بها كثيراً.

روسيا الآن: وماذا عن روسيا التي عشت فيها أيضاً وعلاقتك مع الشعب الروسي جيدة كما أعلم؟

ميشال الفتارياديس: نظراً لجغرافية وموقع روسيا، ولأن الشعب الروسي جبار، ستبقى روسيا، روسيا العظمى، ومهما مرت في فترات إنحدار فستنهض، حتى لو اتفق العالم كله عليها ستنهض، اذهب الى المترو في موسكو ستكتشف نموذجاً مصغراً للأمة الروسية، السيدات الأنيقات بدون مظاهر البذخ البورجوازية، تجد الجميع الجميع يقرأ، ولا تجدهم يقرأون أي نوع من الكتب، تولوستوي، غوركي وغيرهما، يقرأون من امهات الكتب العالمية، اضف الى أنك عندما تعاشر الروس تعرف أنهم هم شعب اذا كان لديه حق في شيء لا يتخلى عنه ابداً مهما كان الثمن، هذا الشيء شاهدناه في تعاملهم مع الجمهوريات التي ارادت أن تلعب لعبة الناتو، مثل جورجيا واوستيا والذين جربوا أن يتآمروا على روسيا مع الغرب، الا أن الروس جعلوهم يدفعون الثمن غالياً.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!