بيرم التونسي: غربةٌ في الأوطان وانتماء في القصيدة


«الأولة مصر قالوا تونسي ونفوني والتانية تونس فيها الأهل جحدوني والتالتة باريس وفيها الكل نكروني».

بهذه الكلمات يختصر شاعر العامية بيرم التونسي حياته. صادف الخامس من كانون ثاني الذكرى الخامسة والخمسين لوفاته، وهو الذي كان من الشعراء الذين اشتهروا في مصر في مطلع القرن العشرين بشعرهم العامي السياسي والاجتماعي والعاطفي، وارتبط اسمه بعدد من المغنين والملحنين المعروفين في مصر في تلك الفترة. وبيرم الذي وُلد ومات في مصر تونسي الأصل، إذ وُلد لعائلة تونسية كانت تعيش في حي السيالة في الإسكندرية في 23 آذار عام 1893.

شعوره بالغربة لم يأتِ من فراغ؛ إذ أبعد مرتين من مصر بسبب أشعاره السياسية، وتلك الساخرة من الوضع في مصر. كان بيرم قد بدأ في عام 1919 بإصدار صحيفة خاصة به أطلق عليها اسم «المسلة»، تهتم بمشكلات الناس الاجتماعية وتناهض الاحتلال وتتحدث بصوت الجمع بجرأة. توسع نشاط الصحيفة من الإسكندرية إلى القاهرة، حتى وصل إلى العدد الثالث عشر، وفيه شن بيرم هجومًا زجليًا على السلطان فؤاد وابنه فاروق في قصيدة «البامية الملوكي والقرع السلطاني»، فما لبثت الصحيفة أن واجهت حواجز الرقابة وتم إيقافها، ثم تم نفيه.

أُبعد بيرم إلى أرض أجداده تونس التي لم يلقَ فيها ترحيبًا، وتمَّ وضعه تحت المراقبة منذ وصوله خوفًا من إثارته للشغب. وبسبب التضييق عليه سافر إلى فرنسا التي فشل في البقاء والعمل فيها، فتدبر طريقه للرجوع إلى مصر متسللًا.

في ذلك الوقت كان الوضع السياسي في مصر غير مستقر، إذ تصادفت عودته مع نفي سعد زغلول للمرة الثانية، وكان الاحتلال يشدد قبضته على المعارضة، مما دفع بيرم إلى الاختفاء في منزله ، خصوصًا بعد أن عاد ليجد أن زوجته هجرته وأخذت أطفاله معها.

إلا أن الروح الثائرة في بيرم لم تستطع أن تستكين لهذا الحال، فعاد إلى كتابة أشعاره المتمردّة، قبل أن تثور الشبهات حوله ويكتشف أمر دخوله مصر متسللًا، ليبعد مرةً أخرى إلى فرنسا.

غربة بيرم الثانية كانت أكثر إنتاجًا على الصعيد الأدبي من الأولى، إذ قابل المخرج والممثل المسرحي المصري عزيزعيد في فرنسا، وطلب منه الأخير أن يؤلف له مسرحية مقابل عشرين جنيهًا كمقدم، وتكون أحداث هذه المسرحية مقتبسة من نص أجنبي، ومن هنا كانت مسرحية «ليلة من ألف ليلة» المقتبسة عن الرواية الأجنبية «لو كنت ملكًا»، التي لاقت نجاحًا باهرًا، مما دفع عيد للتعاقد مع بيرم ليتفرغ للكتابة لفرقته المسرحية، تاركًا له حرية اختيار الأفكار والنصوص.

قضى بيرم تسع سنوات في فرنسا، قبل أن تُصدر الحكومة الفرنسية قرارًا بترحيل كافة الأجانب إلى بلادهم، فتم ترحيله إلى تونس ومن هناك إلى سوريا ومن ثم إلى شمال إفريقيا. إلا أنه تمكن من الهرب أثناء الرحلة عن طريق أحد البحارة المصريين، ليصل إلى مصر في العام 1938 بالتزامن مع انتخابات البرلمان.

بعد وصوله أرسل قصيدته الشهيرة «التغريبة» إلى الصحفي كامل الشناوي في جريدة الأهرام، الذي قام بدوره بإرسالها إلى رئيس التحرير أنطون الجميل راويًا له قصة بيرم، فاستأذن الأخير من رئيس الوزراء ووزير الداخلية وأمين القصر، ونشرها على الصفحة الأولى.

كان شعور بيرم بالغربة كبيرًا في كل مكان يذهب إليه، بعد أن فقد كل وطن من أوطانه؛ فقد زوجته الأولى التي توفيت بعد ست سنوات من زواجهم، ثم زوجته الثانية التي هجرته بسبب نشاطه السياسي ومنفاه، وفقد أمه وهو ما يزال طفلًا، ووالده الذي تزوج بأخرى، ولم يكن مرحبًا به؛ لا في وطنه الذي وُلد وترعرع فيه (مصر)، ولا في وطنه الذي يحمل جنسيته (تونس)، ولا حتى في منفاه (فرنسا). إلا أن هذه الغربة دفعته ليجد وطنًا آخرًا في الكلمة والقصيدة، وكان إنتاجه فيها غزيرًا ومبدعًا.
امتازت أشعار بيرم ببساطتها من حيث انتقاء الكلمة، إلا أنها كانت عميقة المعنى. فلم يكن في شعره يسعى لأن يكون شاعر النخبة أو باحثًا عن القصيدة المكتملة، لكنه كان شاعرًا لعامة الناس، دون ابتذال في انتقاء الكلمة. كان خطرًا على «الفصحى» لقوته واحترامه لـ«العامية» على خلاف كثيرٍ من شعراء العامية آنذاك، واستطاع أن ينافس قصيدة الفصحى بجماليات قصيدته العامية والصور الشعرية التي يستخدمها فيها.
في العام 1960 منحه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية، وحصل بعدها على الجنسية المصرية، وتوفي في 5 كانون ثاني عام 1961 إثر نوبة ربو.

في ذكرى وفاة بيرم التونسي الخامسة والخمسين نستعرض مجموعة من الأعمال الشعرية المُغناة التي ألّفها خلال حياته.

تأثر بيرم التونسي كثيرًا بتجربة الفنان سيد درويش، وكان من المقربين له من الناحية الفنية والسياسية، وأثمرت صداقتهما عن تأليف أوبريت «شهوزاد» التي تتحدث عن شهوات العائلة الحاكمة في مصر، وبعد أن منعت الرقابة الاسم تم تعديله إلى «شهرزاد»، وقام سيد درويش بتلحين العمل الذي أدّاه إبراهيم حمّودة ليتم عرضه بعد نفيه في المرة الأولى. ومن الأناشيد الأخرى التي جمعت بينهما: اليوم يومك يا جنود، الجيش رجع م الحرب، أنا المصري، دقت طبول الحرب، أحسن جيوش في الأمم.

ومن منفاه، نعى بيرم صديقه قائلًا: «اتعد يومك واتحسب من مهرجانات الأدب، فيه القصائد والخطب ترتد لك مطنطنة، يومك مخلد للأبد والناس عيشتها بالمدد، ربك خالقهم للهدم وأنت خالقك للبنا، والناس بتبني مجدها لكن لها ولنسلها، كنا همل بين الأمم لولا الهرم والكام صنم، خليتنا ننطق بالنغم ونقول لهم مين زينا، ونقول لهم ببغدده في الفن مصر السيدة، مايكونش أحسن من كده أنغام وروح متلحنة، آهات كثيرة سمعتها وأنت عشقت وقلتها».

بدأ التعاون بين بيرم وأم كلثوم في العام 1940، بعد أن عاد بيرم من منفاه وقبل أن يصدر العفو بحقه. آنذاك سمعت عنه أم كلثوم واستمعت لمسرحياته، فطلبت من الشيخ زكريا أحمد أن يعرفها به، ومن هنا بدأت شراكة فنية وصداقة طويلة جمعت بين بيرم وزكريا أحمد. عاد بيرم من منفاه لينظم الشعر المغنى، والبداية الأمثل لم تكن إلا مع أم كلثوم، التي انتقل بأغنيتها إلى مستوىً جديد، فابتعد عن مدرسة أحمد رامي الحالمة، والذي كان شديد الانتقاد له، وأخذ أم كلثوم إلى مساحات العشق والحب بمعانيها الشعبية والرقيقة التي تلامس الأرض دون مبلاغة «هو صحيح الهوى غلاب ما عرفش أنا، والهجر قالوا مرار وعذاب واليوم بسنة، جاني الهوى من غير مواعيد، وكل مادا حلاوته تزيد، ما أحسبش يوم ح ياخذني بعيد، يمني قلبي بالأفراح، وارجع وقلبي كله جراح».

وكانت معظم الأغاني التي ألفها لها أشبه بالطقطقوقة البسيطة الجميلة ذات المعاني العميقة، والتي استطاع الشيخ زكريا أحمد أن ينّوع بألحانها، ليسجل هذا الثنائي مرحلة جديدة في مسيرة أم كلثوم «غنّي لي شوية شوية، غنّي لي وخد عينيّ، خليني أقول ألحان تتمايل لها السامعين، وترفرف لها الأغصان، النرجس مع الياسمين، وتسافر بها الركبان، طاويين المواكب طيّ، شوي شوي». كان أول ما قدمه لها بيرم «أنا وأنت» و«كل الأحبة»، وكانت آخر أغنية جمعت بينهما «هو صحيح الهوى غلاب». ومن أعماله الأخرى مع أم كلثوم: أنا في انتظارك، أهل الهوى، الأمل، حبيبى يسعد أوقاته، غنيلى شوي شوي، يا صباح الخير، الورد جميل، الأولة في الغرام، شمس الأصيل، الحب كده، القلب يعشق كل جميل، الحلم.



لم يغنِ محمد عبدالوهاب لبيرم سوى أغنية واحدة وجاء التعاون بينهما في فيلم «يحيا الحب» عام 1938، حيث كتب له بيرم أغنية «محلاها عيشة الفلاح»، لكن حالةً من الجفاء سادت بينهما، حيث هاجم بيرم عبد الوهاب حين غنى الأخير «يا وابور الوادي قلي رايح على فين»، قائلًا: «وانت كمان يا وابور الوادي قل له رايح على فين، قل له اياك يرتاح يا بابوره ويريحنا معاه».

تعاون بيرم مع فريد الأطرش في عدد كبير من الأغاني، بعضها لحنها وغناها الأطرش وبعضها الآخر لحنها لفنانين آخرين من بينهم شقيقته أسمهان، وكان مشوارهما الفني طويلًا وناجحًا، نتج عنه عشرات الأغاني من بينها: أحبابنا يا عين، يالله توكلنا، بساط الريح، أكل البلح، يالله سوا، هلت ليالي، مرحب مرحبتين، الليلة نور هل علينا.

بطبيعة الحال، كان لابد للشيخ إمام أن يغني من أشعار بيرم، ففي الوقت الذي كان ينظم فيه بيرم الشعر السياسي المعارض للنظام في مصر، كان إمام يغني ثائرًا على كل ما يدور حوله، وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هو التقاء الثائرين في أعمالٍ فنية سياسية عديدة، كان من بينها: شوف الحكاية، ما نحالف إلا الأخيار، يا حبايبنا، وغيرها. إلا أن القصائد التي غناها إمام لبيرم كانت مختلفة عن تلك التي غناها لنجم؛ فبيرم كان يروي في قصائده حكاية غربته ووجعه على الوطن، لم يكن مباشرًا في هجومه، ولم يعتمد على ألفاظ الشارع المبتذلة، حتى وإن استخدم الثيمة الشعبية في كلماته، إلا أنه وظفها بأسلوب حزين وجميل مستخدمًا الأسلوب القصصي البسيط والكلمات الشعبية المباشرة، كما قال في قصيدته «شوف الحكاية يا ولد شوف الحكاية، عشق الصبايا يا ولد طوّل معايَ، منهم هنايا يا ولد منهم أسايا، وهما جرحي ياولد وهما دوايَ»، وكما في قصيدة «يا حبايبنا فين وحشتونا، لسه فاكرينا ولا نسيتونا، دا حنا فى الغربه م الهوى دبنا، وأنتو فى الغربه اوعوا تفكروا إننا تبنا».


قدّم بيرم أغنيتين للفنان المصري صالح عبد الحي، هما «حبيبي هو الآمر الناهي» من ألحان محمود الشريف، و«ليه يا بنفسج» لرياض السنباطي. اشتهرت الثانية ولاقت رواجًا في الوسط الفني، وغنّاها العديد من الفنانين بتوزيعات موسيقية مختلفة، حتى تاهت من صاحبها الأصلي، ومن أشهر الفنانين الذين قاموا بغنائها الشيخ إمام ومارسيل خليفة.

غنّت الفنانة نور الهدى من أشعار بيرم في ثلاثة من أفلامها؛ في فيلم «جوهرة» الأغاني «يا رب سبح بحمدك كل شيء» من ألحان محمد الكحلاوي، و«يا أوتوموبيل يا جميل محلاك»، و«يا ريت كل الناس فرحانة» من ألحان السنباطي، وفي فيلم «برلنتي» غنت من كلماته «كل شيء جميل»، و«الأم»، وفي فيلم «الأنسة بوسه» غنت «أنا بوسه».

لبيرم تجربة في الأغاني البدوية مع الفنانة كوكا في أفلام «رابحه» و«عنتر وعبلة» الذي غنت فيه «عنتر يا حاميها»، وكذلك فيلم «سلطانة الصحراء»، و«ليلى العامرية»، و«مغامرات عنتر وعبلة»، ومن أشهر الأغنيات البدوية التي كتبها: على النجدة، هيا يا رجال، وين يا عرب وين، لبنان يا لبناني، مراكش، وين وين يا بدوية، نور النبي هلّ علينا.


كان بيرم مولعًا بالتراث الشعبي المصري، إلا أنه لم يكن ليعمل عليه بصورة تقليدية، فقد قام بالتطوير عليه. ومن تجاربه في الأعمال التراثية المسلسل الإذاعي «عزيزة ويونس» التي أخذها عن الملحمة الشعبية المصرية «السيرة الهلالية» وقدّمها بطريقة الأوبريت، حيث جمع فيها الأشكال الشعرية من العمودي التقليدي إلى المربعات والأغاني. وغنى في الأوبريت الشيخ زكريا أحمد أغنية «يا صلاة الزين».

كما كان مولعًا أيضًا بالمونولوجات، ومن أشهر ما ألّفه «حاتجن ياريت يا اخوانا مارحتش لندن ولا باريس» ألحان سيّد درويش وغناء سيد درويش وزكريا أحمد، «يا حلاوة الدنيا يا حلاوة» ألحان زكريا أحمد وغناء سيّد مكاوي، «يا أهل المغنى دماغنا وجعنا» ألحان وغناء زكريا أحمد، وكانت هذه القصيدة سبب الجفاء بينه وبين عبد الوهاب وأحمد رامي حيث هاجم فيها أعمالهم الفنية قائلًا «حافضين عشرة اتناشر كلمة نقل من الجورنال شوق وحنين وأمل وأماني وصد وتيه ودلال، واللي اتعاد ينزاد ياخوانا وليل ونهار هوّاه، ياهل المغنى دماغنا وجعنا دقيقه سكوت لله» و«ردي عليه يا طيور بينادي وارميله الجناجين»، وغيرها من المنولوجات.

بعد رحلة طويلة من الاضهاد السياسي والعزل في الوطن والمنفى، حصل بيرم على الجنسية المصرية قبل عام واحدٍ من وفاته، وكان من الطبيعي أن تتحول لهجته السياسية وتختلف حدتها، فألّف عددًا من الأغاني الوطنية التي حفظ فيها الجميل للرئيس جمال عبد الناصر الذي منحه العفو والجنسية، وكان من بينها: يا جمال يا مثال الوطنية، بالسلام احنا بدينا، بطل السلام، بعد الصبر ما طال.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!