المركز الثقافي الروسي في لبنان: دبلوماسيّة ٌ شعبيّة وصداقة


اليسار كرم

إنتشرت خلال موسم الأعياد إعلاناتٌ متفرقة لنشاطاتٍ من تنظيم المركز الثقافي الروسي في مختلف فروعه اللبنانية. فِرَقُ رقصٍ فولكلوري للأطفال (من روسيا وأوكرانيا)، أمسياتٌ موسيقيّة، معارض للأشغال اليدوية ومعرض الكريستال الروسي… كلُّها أعادت تسليط الضوء على عمل المركز الثقافي الروسي ودوره إلى جانب الأهمية التي اكتسبها عندما أُعطيَ له الحق الحصري في تنظيم وقبول طلبات الدراسة في روسيا.

 

التمثيل الثقافي

قد يكون مقرّ المركز الثقافي الروسي في فردان هو الأكثر شهرة لكونه المركز الأقدم (استقر في فردان عام 1981) لكن الفروع الخمسة الأخرى لا تقل أهمية وهي تتوزع في بعلبك (البقاع) وبعقلين (الشوف) وطرابلس (الشمال) والنبطية (الجنوب) وبيت مري (المتن). وعندما أنشئ هذا المركز الثقافي في لبنان عام 1951 في حقبة الاتحاد السوفياتي كان بمثابة “تمثيل” للمؤسسة الأم وهي “المركز الروسي الدولي للتعاون العلمي والثقافي”.  تنقّل مقرّه بين مختلف المناطق إلى أن استقر أخيراً في شارع فردان في بيروت، في مبنى أنشئ خصيصاً من 7 طوابق ليستوعب مختلف الصفوف والنشاطات التي يقوم بها. صفوفٌ لتعليم الموسيقى (بيانو، كمان، غيتار…) الرّقص (باليه، رقص شرقي…) المسرح، الرّسم، النّحت، الرّسم على المرايا والزّجاجيّات، استخدام برامج الكومبيوتر، إضافة إلى تعليم اللغة الروسية.

نشْرُ اللّغة وجذبُ الأجانب عن طريق الفنون هي أحد أبرز وسائل “الغزو الثقافي” أو “الدبلوماسية الناعمة” التي كانت تعتمدها الدول الكبرى وما زالت. عند طرح هذه الفكرة، يبتسم مدير المركز الثقافي في لبنان خيرات أحمدوف ويقول إنه لا يحب هذا المصطلح ويفضل استبداله بـ”الدبلوماسية الشعبية” لأن المركز الذي يديره يهدف إلى تمتين العلاقات بين الشعوب بصرف النظر عن ماهية العلاقة بين الدول. أحمدوف قال لـ”روسيا الآن” إن المركز يُعرّف اللبنانيين على الثقافة الروسية بمعناها الواسع الذي يشمل الفنون الجميلة والعلوم الإنسانية إضافة إلى التركيز على القيم المشتركة والأهداف. ويؤكّد أن هدف نشر الأيديولوجيا السوفياتية أو الشيوعية لم يعد مطروحاً منذ سقوط الاتحاد السوفياتي (عام 1991)، والمركز يشدد اليوم على تلبية حاجات وخصوصية البلد أو المنطقة التي يتخذ منها مقراً له وبالتالي قد ينظّم ندوةً فكريةً أو محاضرة حول موضوع سياسي لكنه لا يهدف إلى تسييس عمله.

في هذا السياق، يوضح نائب مدير المركز الثقافي الروسي في لبنان للشؤون الخارجية طارق شومان أن عمل المركز يختلف كثيراً عما كان عليه عندما أُسّس في الخمسينات. شومان الذي عايش 5 سفراء لروسيا في لبنان طوال 30 عاماً من عمله، يؤكد أن نطاق عمل المركز الثقافي لا يقتصر فقط على الجانب الأكاديمي فهو يهتم بشؤون الجالية الروسية التي تضم قرابة 15 ألف عائلة كما يهتمّ باللبنانيين الرّاغبين بالدّراسة في روسيا وقد منحته الخارجية الروسية هذ الحق الحصري أوائل عام 2016.

 

 

الإنتشار في المناطق

المركز الثقافي الروسي موجود في المدن والبلدات المركزية حيث يمكن أن يستقطب عدداً من المهتمين بنشاطاته، وحيث يمكن أن يتركز عدد من أبناء الجالية الروسية أو الدول الأخرى القريبة من روسيا علماً أن المركز يحرص على التعاطي بالتساوي مع هؤلاء وفق تأكيد  شومان الذي قال “إن المركز يتخذ موقف الحياد عندما يتعاطى مع أبناء الجالية الأوكرانية على سبيل المثال، ولا يحمّلهم وِزْر الخلاف السياسي الراهن بين روسيا وأوكرانيا بل يرعى شؤونهم ويقدم لهم الخدمات كالمعتاد”.

وعن تمويل الفروع التابعة للمركز والمنتشرة في خمس مناطق لبنانية قال شومان إن هذه الفروع افتُتحت بمبادرة أبناء المدن أو البلديات وبموافقة الإدارة في بيروت ولكل منها إدارة شبه مستقلة تؤمّن التمويل باتصالاتها ومعرفتها وتضع برامج عملها وفق حاجات المنطقة من دون أي مانع من الاستفادة من النشاطات المركزية.

مدير المركز خيرات أحمدوف قال في هذا السياق إن التمويل ليس كبيراً لكنه يغطي التكاليف الأساسية ولا سيما أن معظم العاملين مع المركز متطوعون أو أصدقاء لا يبغون الربح المادي إلى جانب عدد قليل من الموظفين في الفرع الرئيسي في بيروت.  يفضّل أحمدوف عدم الدخول بالأرقام ويقول بدبلوماسية إن “التمويل لن يكون يوماً كافياً فكلما زاد التمويل زادت إمكانية الإنفاق على المزيد من المشاريع”.

أحدث فرع للمركز الثقافي الروسي أنشئ في بلدة بيت مري في قضاء المتن. تديره السيدة جانين علوان التي قالت لـ”روسيا الآن” إن التحديات أمام المركز ليست قليلة وأبرزها يتعلق بكسب ثقة الناس وجذبهم خصوصاً أن البيئة المحيطة تتحدث اللغتين الفرنسية والإنكليزية وتتفاعل مع كل ما يتعلق بهاتين الثقافتين. وأكدت أن فرع بيت مري الذي افتُتح في 31 تموز 2015 وبدأ أعماله في تشرين الثاني 2015 يضم اليوم بين 40 و50 طالباً في مختلف الصفوف وأبرزها تعليم اللغة الروسية، التصوير الفوتوغرافي، آليات الدفاع عن النفس (قتال) والدبلوماسية وطرق التفاوض. علوان لفتت إلى أن فرع بيت مري هو الوحيد في منطقة المتن ويستقطب طلاباً ومشاركين من مختلف المناطق ولا سيما أن الفرع الرئيسي في فردان يوجّه الراغبين باتباع دروس معينة إلى فرع بيت مري ما يعني أنه يحظى بثقة كبيرة.

 

الدراسة في روسيا

في مطلع عام 2016 صدر قرار يعطي المركز الثقافي الحق الحصري بقبول طلبات الراغبين بالدراسة في روسيا وبتنظيم سفرهم. ويوضح نائب مدير المركز أن جمعيات ومؤسسات عديدة كانت تهتم سابقاً بهذا الأمر ما أدى إلى حصول اختلال في معايير قبول الطلبات لأن العلاقات الخاصة لعبت دوراً كبيراً على حساب الكفاءة كما أدى إلى انتشار الفساد لأن بعض المنح المجانية التي تدفع ثمنها الحكومة الروسية بيعت! وقال شومان لـ”روسيا الآن” إن المركز يقدّم خدمتين في هذا المجال: الدراسة المجانية (إتقان اللغة الروسية شرط من شروطها) والدراسة المدفوعة. علماً أن أي طالب يحق له الدخول عبر الانترنت إلى موقع الجامعات التي يرغب بالتعرف إليها والتواصل معها قبل اتخاذ قراره النهائي. وأكد شومان أن المعيار الأساسي لقبول الطلبات هو الكفاءة فقط لا غير وهناك خصوصية للطلاب السوريين والفلسطينيين نظراً لحساسية الأوضاع في بلادهم.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!