جوزيف كابيلا.. المناور الصامت وسط ضجيج الاحتجاجات


منذ ظهوره في المشهد السياسي الكونغولي، أبدى جوزيف كابيلا (45 عاما) براعة فائقة في البقاء على قيد الحياة في بيئة معادية إلى أبعد الحدود.

المقرّبون منه يدركون أن شخصيته المتكتّمة قليلة الحديث، ساعدته كثيرا في الاحتفاظ بمسافة مناسبة عن الأحداث العاصفة؛ ما منحه القدرة على المناورة وكسب الوقت، وامتصاص حنق الخصوم.

تكتّمٌ يعترف هؤلاء المقربون بأنّهم لا يدركون إن كان من السمات التي ورثها عن والده، الرئيس السابق لوران ديزيريه كابيلا، أم أنها سمة اكتسبها خلال فترتي الحربين الأولى والثانية في الكونغو-كينشاسا بين عامي 1996 و2003.

لا أحد بإمكانه الجزم بسبب دون آخر، غير أن الثابت هو أن كابيلا لا يحبذ الظهور كثيرا، فآخر مرة شوهد فيها كان منتصف نوفمبر/ تشرين ثان الماضي، حين تلا بصوت رتيب أمام برلمان بلده، محصلة سنواته الـ15 في حكم البلد الواقع وسط إفريقيا.

آنذاك، تحاشى الرجل الحديث عن مستقبله السياسي، غير أنه لم يغفل انتقاد معارضيه ممن اتهمهم بـ”السعي إلى قتل الكونغوليين”.

بعدها، عاد إلى صمته، ليستعد ليوم 19 ديسمبر/ كانون ثان الجاري، تاريخ انتهاء ولايته الدستورية الثانية والأخيرة، سعيا منه حتى لا يكون ذلك اليوم بالفعل هو آخر أيامه في القصر الرئاسي.

شخصية تعمل في صمت خلق حولها هالة من الغموض تعترف به حتى حاشيته المقربة منه، بل إن أحد مستشاريه لم يتردد في القول لوسائل إعلام بأن الرئيس “يستمع ويستخدم الإيماءات كثيرا، ولا نعرف ما يفكّر به وما الذي سيقرّره، فهو وحده من يقرّر”.

انقلاب كابيلا الأب.

في الرابع من يونيو/ حزيران 1971 ولد كابيلا شمال محافظة كاتانغا (جنوب)، وترعرع في تنزانيا تحت هوية أخرى، في وقت كان فيه والده، لوران ديزيريه كابيلا، يحرّض على الثورة، انطلاقا من المناطق الشرقية للكونغو الديمقراطية.

بعد ست سنوات، منحت رواندا، وبدعم من الولايات المتحدة، لكابيلا الأب الضوء الأخضر للإطاحة بالرئيس مبوتو سيسي سيكو، الذي كان يشكو المرض من جهة، ومن تخلّي عرّابيه، وهما فرنسا وبلجيكا (استقلت عنها الكونغو 1960)، عنه من جهة أخرى، ليخلفه كابيلا على رأس البلد، الذي يتجاوز عدد سكانه حاليا 81 مليون نسمة.

4 سنوات عقب ذلك، وتحديدا في 16 يناير/ كانون ثان 2001، اُغتيل كابيلا الأب، على يد أحد حراسه، بعد أن تمرد على الدول التي دعمته، وهي: أوغندا، وبوروندي، وتنزانيا، وزامبيا، وزيمبابوي وأنجولا.

الإبن رئيسا في الـ29

بمقتل والده، صعد الإبن إلى الحكم، وهو لا يزال شابا لم يتجاوز الـ 29 من عمره، ليجد نفسه أمام إرث يضجّ عداء من كل جانب.

ورغم الدعم الذي حظي به من الدول الغربية، إلا أن قادة دول الجوار كانوا يرمقونه بعلياء وتكبّر تقليلا من شأنه، إما بسبب صغر سنّه، الذي رأى البعض أنه سيكون عقبة في وجه رئيس دولة بمساحة قارة، وإما بسبب الأحقاد الدفينة ضدّ والده، والتي ورث الإبن تبعاتها تماما كما ورث العرش.

نظرةٌ قد تكون دفعت الرجل إلى إثبات العكس. ففي المناطق الشرقية لبلده الغني بالثروات المعدنية، انطلق كابيلا مفاوضا ومقاتلا، ليقلب التحالفات، ويعيد ترتيب الأوراق، ويستخدم المجموعات المسلحة المتمركزة في تلك الأنحاء، والتي يتلقى البعض منها دعما من رواندا أو أوغندا المجاورتين، لتحقيق أهدافه.

رجل الأسرار والتفاصيل

هنري موفا، الأمين العام لحزب “الشعب لإعادة البناء والديمقراطية” الحاكم في الكونغو الديمقراطية، وهو صديق لكابيلا، قال متحدثا عن الأخير إنه “يعيش السياسة والحكم كمأساة”، مضيفاً: “يعرف كيف يحتفظ بالسر، وكيف يظل في السر، إنه منهجي وبارد الأعصاب، ويمنح أهمية كبيرة للتفاصيل الصغيرة”.

أنصاره يصفونه بأنه “سيد اللعبة السياسية” في البلد.. فمع اقتراب موعد انتهاء ولايته، أظهر كابيلا أن لا نية لديه لمغادرة الحكم، وذلك عبر إرجاء الانتخابات الرئاسية لأكثر من عام (إلى أبريل/ نيسان 2018).

دقائق قبل منتصف الليلة الموعودة، أعلن التلفزيون الكونغولي الرسمي تشكيل حكومة وحدة وطنية، برعاية رئيس البلد، لترفع منسوب التوتر إلى أشدّه، وتدفع نحو اندلاع احتجاجات في مدن عدة، بينها العاصمة، حيث تدفّق عدد من سكان أحيائها الشعبية مطالبين بتداول السلطة.

غضب سرعان ما سرت عدواه لتبلغ لوبومباتشي، ثاني كبرى مدن الكونغو، حيث احتج عدد من السكان، مطالبين برحيل كابيلا، وداعين إلى صعود خصمه التاريخي، إتيان تشيسيكيدي (84 عاما).

أكثر من 20 قتيلا

بما أن كابيلا كان يدرك جيدا التداعيات المحتملة لتمديد إقامته في القصر الرئاسي، فقد حرص على تكثيف الانتشار الأمني في النقاط الإستراتيجية بكبرى مدن البلد.

وهو حضور كان لابد وأن يصطدم بالمحتجين الغاضبين؛ ما أسفر، يوم 22 ديسمبر/ كانون ثان الجاري، عن مقتل 34 مدنيا، بحسب حصيلة منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية الدولية، بينما تحدثت السلطات عن 22 قتيلا.

“اللجوء إلى العنف يعتبر جزءا من استراتيجية كابيلا”، بحسب أحد المقرّبين من المعارض موسي كاتومبي (مرشح المعارضة لانتخابات الرئاسية المؤجلة)، “فهو (كابيلا) يخشى الموت كوالده”.

هادئ في مزرعته

صفيح ملتهب تقف عليه إحداثيات الوضع في الكونغو، في وقت كان فيه كابيلا غارقا في هدوئه بمزرعته في منطقة كينغاكاتي، على بعد نحو 40 كلم من كنشاسا، حيث يفكّر ويناور، محاطا بعائلته وقسّيسه وأتباعه.

مع أن المشهد كان مفتوحا على أسوأ الاحتمالات، إلا أن الرجل ظل ممسكا بخيوط اللعبة السياسية، فاختار التوجه إلى الكنيسة الكاثوليكية، رغم أنه لطالما كان حذرا منها، بل يعتبرها قوة معارضة له.

في 8 ديسمبر/ كانون ثان الجاري، انطلق الحوار السياسي في البلد، برعاية الكنيسة الكاثوليكية، بهدف التوصّل إلى حلّ للأزمة السياسية الراهنة، ضمن اجتماعات وصفت بـ”مفاوضات الفرصة الأخيرة”، قبل أن تعلق في 17 من الشهر نفسه، لتستأنف بعد 4 أيام، في انتظار أن يتم غدا الجمعة الإعلان عن اتفاق منتظر بين طرفي الأزمة.

عزلة أمريكية أوروبية

أزمة داخلية خانقة تضاف إلى عزلة فرضتها جهود إضعاف كابيلا إقليميا، تحت ضغوط كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى درجة أنه بات من النادر أن يغادر بلده.

عزلة لم يكسرها سوى استقباله وفدا من مجلس الأمن الدولي، زار في نوفمبر الماضي، العاصمة كينشاسا، ضمن مساعي البحث عن حل للأزمة الكونغولية.

وفي كلمته، قال كابيلا: “أنا أمام دبلوماسيين، ولكني لا أريد التحدّث بلغة دبلوماسية”، قبل أن يستنكر “الإنذارات الموجّهة إليه من قبل واشنطن حتى قبل وصول المفوضية (وفد مجلس الأمن) إلى الكونغو”.

بعدها بيومين، دعت فرنسا التي اعتبرها مستشارو كابيلا “خارج اللعبة في الكونغو الديمقراطية”، الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في علاقاته بذلك البلد الإفريقي، نظرا لخطورة الوضع فيه، بحسب باريس.

متحدثا عن رئيس بلده، قال أحد نواب البرلمان الكونغولي إن “كابيلا شبيه بالنمر السريع، فهو يعرف جيدا كيف يضرب في اللحظة المناسبة.. مبوتو كان أيضا نمرا ماكرا، لكن الفرق هو أن كابيلا قليل الكلام”.

أنصاره يجزمون بأن رئيسهم “يريد بالفعل مغادرة الحكم، لكن عبر تنظيم انتخابات جيدة، خلافا لما حصل في 2011″، التي يقول معارضون إنها شهدت عمليات تزوير واسعة لصالح كابيلا؛ ما فجّر أزمة لا تزال مستمرة.

ووفق دراسة لوكالة الأنباء الدولية “بلومبيرغ نيوز”، فإن كابيلا ومقرّبيه أسّسوا شبكة تضمّ ما لا يقلّ عن 70 شركة، ويسيطرون على 120 ترخيصا للتنقيب عن المعادن الثمينة في الكونغو الديمقراطية.

لكن “هل التجارة تشكّل جريمة (؟!)”، هكذا ردّت جانيت، الشقيقة التوأم للرئيس الكونغولي، مضيفة: “أنا كونغولية وأدير أعمالا في الكونغو (الديمقراطية)، فأين الإشكال إذن (؟!)”.

بنك ومناجم وتوزيع للوقود وفنادق وشركات لتوزيع العقارات، وغيرها.. أعمال مختلفة ومجالات نشاط متنوّع تشي، وفق مراقبين، بأن الرئيس ومقرّبيه عرفوا جيدا كيف يستثمرون سنواتهم في القصر الرئاسي الذي لا يعرف أحد متى سيغادرونه.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!